

البغداديون يختلفون في أسباب العواصف بين معجزات إلهية أو علامة من علامات الساعة
عاصفتا 1917 و2003 الأشهر في تاريخ العراق – عمر علي حيدر
أثارني موضوع هبوب العواصف الرملية أو الترابية التي تضرب العراق حالياً، ومنها انطلق هذا المقال ليروي جزءاً من شجونها، وشيئاً من همومها، بعضها دخل التاريخ قبل أن نولد، والآخر شهدناه وعشناه في أحلك المواقف التي مرت بالعراق، فعلى امتداد تاريخ العراق المعاصر مر الكثير من العواصف الرملية، وإنما اثنتان منها صارتا حديث الناس جيلاً بعد جيل، فما الذي جرى فيهما، ولماذا بقيتا في الذاكرة لتدخلا التاريخ إلى الأبد؟.
العاصفة الأولى 2003
في يوم الثلاثاء 12 من محرم 1424 هـ الموافق 25 من مارس/ آذار 2003 تكدّر الجو البغدادي والعراقي بعاصفة رملية مُحمَرّة لاترى الماثل فيها أمامك على بعد خطوات، أوقفت أزيز الطائرات الأمريكية والبريطانية وهدير الصواريخ لمدة ثلاثة أيام حتى انتهت، لم نكن نسمع سوى صفير تلك الريح، أو نرى سوى رملها الكثير الغريب.
كان رمل العاصفة ناعماً كالدقيق، رملٌ شهدنا مثله بعاصفة سبق حرب 1990 التي كان طرفها الآخر أمريكا أيضاً، وقادها أبو بوش، أو بوش الأب، هذا الرمل -الذي دخل إلى محركات طائراتهم فأجّل الأعمال العسكرية لأمريكا وحلفائها اياماً- لم يترك مكاناً إلا دخله، حتى أنوفنا وآذاننا وعيوننا وفتحات جيوبنا، ونام معنا على وسائدنا!
تصورنا أن العاصفة الرملية أوقفت الطائرات، وبالتالي ربما أوقفت الجيوش الغازية عن تحركها تجاه بغداد، لكن الأخبار التي جاءتنا بها المصادر بعد أعوام من انتهاء الحرب كانت تروي غير ذلك، فما الذي كان يجري؟
وصفها الجنرال تومي فرانكس قائد الجيوش الغازية وهو يتحدث عن العمليات الأمريكية في جنوب وغرب العراق بالسيئة فقال:”جاءت العاصفة الرملية أسوأ حتى مما كان متوقعاً. فالغبار البني الضارب للحمرة شكل قبة عالية في الصحراء الغربية، ودرجت القبة فوق العراق الجنوبي، وفوق 170 الفاً من جند التحالف، وهبطت القدرة على الرؤية إلى عشرة أمتار أو أقل، ومنعت الطائرات العمودية من الطيران وبقيت على الأرض، وضربت أجزاؤها الدوارة ضد الريح المحملة بالرمل في الوقت الذي يأخذ الغبار الناعم طريقه إلى مقصورات الإليكترونيات القابلة للعطب. وبقيت طائرات بريديتر مربوطة إلى المساند الفولاذية الخاصة بإطلاقها. وزحفت القوافل قدماً بتثاقل، والسائقون المنهكون يوجهون مقود السيارات كالعميان بلا رؤية نحو نقاط ثابتة محددة بالنظام العالمي لتحديد المواقع، وهطل المطر بقوة من خلال الغبار الأحمر، محيلاً الجو إلى وحل، وجاعلاً القدرة على الرؤية أسوأ مما كانت عليه قبل المطر”، جندي أمريكي، 645.
أما الجنرال ويسلي كلارك القائد الأعلى الأسبق لقوات حلف شمال الأطلسي في أوروبا فقال :”مع بداية العاصفة الرملية المتوقعة تسارعت الرياح لتصل سرعتها إلى 30-45 ميلاً في الساعة، ما أبطأ الحركة، وأوقف النيران المباشرة بعيدة المدى، وأعاق عمل المروحيات، وفرض تراجع كل الأنشطة على العموم باستثناء القتال القريب”، الإنتصار في الحروب الحديثة، 57.
وعاد كلارك بعد صفحة في المصدر نفسه ليؤكد أن القتال تواصل مع هذه الأجواء قائلاً:”تواصل القتال العميق في وسط العاصفة ليلة الإثنين 25 آذار/ مارس واستمرت الضربات الجوية على بغداد، وشملت مبنى الإستخبارات والتلفزيون العراقي. وتابعت الطائرات والمدفعية الهجوم أيضاً على الحرس الجمهوري في المنطقة الحمراء [التي تبعد 30 كم عن بغداد]، حتى بدون توفر رؤية جيدة. وفّرَت العاصمة الرملية غطاءً جيداً للعراقيين في القتال الخلفي المستمر حول المدن التي تم تجاوزها، مثل النجف والسماوة، فضلاً عن الجنوب، وواصل الجنود غير النظاميين العراقيين عملهم ضد التحركات على الطرق الضرورية لدعم القوات وتقدمها، حتى في مدن مثل صفوان التي تقع على الحدود مع الكويت، ويفترض أنها تحررت في اليوم الأول للحرب”، الانتصار في الحروب الحديثة، 58.
ويؤكد مايكل غوردون أنه:”كان للطقس تأثيره السيء على سير الحملة الجوية، فقد تم إلغاء ربع الضربات التي كانت مقررة في 27 من مارس/ آذار لوحده، ولكن القصف لم يتوقف أبداً”، كوبرا 2? ص 254.
وفي التقارير الروسية ورد عن أثر تلك العاصفة في الجيش الأمريكي ومعداته: “أن عواصف الرمل ظهرت كعدو رئيسي للمعدات العسكرية الأمريكية. وكان لدى الفرقة الثالثة الميكانكية مشاة فقط أكثر من 100 عربة معطلة. إن أطقم التصليح تعمل على مدار الساعة لإرجاع الدبابات المعطلة إلى الخدمة. وهذا يثير قلقاً جدياً لدى قيادة التحالف، ليس معروفاً عن دبابات (إبرامز) هذه المشكلات مع محركاتها، ولكن في ظروف عاصفة الرمل فإن الأعطال المتعددة أصبحت مشكلة حقيقية لأطقم الدبابات “، نهاية اللعبة، 179.
ويشير مصدر آخر أنه:” لم تكن الغارات الجوية مؤثرة كثيراً بسبب العواصف الرملية، كما أن استخدام السمتيات (المروحيات) لم يعد ممكناً على الإطلاق خلال العاصفة”، التاريخ السري لحرب العراق، 54? للمزيد: يوميات الحرب على العراق، 115? 147? سقوط بغداد (ط القلم)، 21? 136? 149-150? العراق البلد العربي الذي نخره السياسيون، 447? التاريخ السري للعمليات الأمريكية الخاصة في العراق، 42.
وعلى الرغم من الهدوء السائد في بغداد، ذكرت المصادر المتعلقة بالحرب أنه كانت هناك معارك كبيرة تدور رحاها بين القوات العراقية والأمريكية في النجف وكربلاء والناصرية والبصرة وأم قصر والجبهة الشمالية للعراق، أبلى فيها الجيش العراقي بلاء حسناً، مستغلاً هذه العاصفة في إيقاع خسائر فادحة بصفوف المحتلين الأمريكان”، ماذا حدث في بغداد؟، 152-157.
ويوافقه مصدر آخر فيقول:”بالرغم من العواصف الرملية، تقدمت القوات الأمريكية على شكل حرف V تتقدمها فرقة المشاة الثالثة في الجناح الأيسر والفرقة البحرية الأولى في الجناح الأيمن بسرعة كبيرة في جنوب العراق حيث أصبحت خطوط الإتصال ممتدة. وقام العراقيون بالهجوم على خطوط الإمدادات الأمريكية وتدميرها على نحو جزئي، وأبدت المناطق الحضرية مثل البصرة والنجف وكربلاء والكوت مقاومة أعنف من المتوقع في بعض المناطق بسبب انسحاب الجيش النظامي داخل المدن، وقامت قوات المقاومة من فدائيي صدام وميليشات حزب البعث بخوض معارك شرسة ضد قوات الإحتلال الأمريكي بواسطة الآلاف من المقاتلين السنة والشيعة، العراقيين والأجانب”، التحالف ضد بابل، 318.
مصدر آخر ذكر إن العاصفة صبَّت لمصلحة الأمريكان، فقال:
“حاول العراقيون تحريك قواتهم تحت الغطاء الذي وفره الغبار، لكنه لم يحمهم من عيون طائرات الإستطلاع بدون طيار، ومن JSTARS المتفحصة التي رأت تحركاتهم وأوصلت المعلومات إلى الطائرات التي تنتظر فوقهم”، الإنتصار في الحروب الحديثة، 60? و JSTAR هي: أنظمة رادار حيازة الأهداف والمراقبة المشتركة، وهو رادار ضخم مركب على طائرات بوينغ 727 يمكنه رؤية الأرض وكشف التحركات على بعد أكثر من 150 ميلاً.
ولم تخل العاصفة الرملية من توثيق جريمة مروعة للإحتلال الأمريكي بحق مدنيين عراقيين، يقول روبرت فيسك:” كان مشهد اليد المعلقة على الباب الحديدي وبقع الدم في الشارع وبقايا أدمغة داخل مرآب وبقايا هيكل بشري متفحم لأم عراقية وأطفالها الثلاثة في سياراتهم المشتعلة مشهداً فظيعاً، لا بل ماجناً مجنوناً، لقد قتلوا بواسطة صاروخين أطلقتهما طائرة أمريكية، والمدنيون العراقيون البالغ عددهم 22 شخصاً يمزقون إلى اشلاء قبل أن تحررهم الدولة التي دمرت حياتهم. من يجرؤ في مكان الحادث على تسمية ذلك بـ (ضرر جانبي)؟، كان شارع أبو طالب مكتظّاً بالمشاة والسيارات عندما أغار طيّار أمريكي عليه عبر العاصفة الرملية التي غطت بغداد بطبقة من الغبار الأحمر والأصفر والمطر ذلك الصباح”، الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة، 3/ 439.
ويوثق فيسك مجموعة جرائم أخرى في المكان نفسه، ثم يذكر بعد صفحات:”ومن المؤكد أن الطيار الذي قتل هؤلاء الأبرياء لم يشاهد ضحاياه، يطلق الطيارون صواريخهم وفق إحداثيات الكومبيوتر وربما حجبت العاصفة الرملية الحيّ عن الروية”، للمزيد: الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة، 3/ 441? تحت رماد الحرب العاصفة، 19? 114? أوكار الشر، 357? حرب العراق، 376? الحرب العراقية الأمريكية، 55? غرفة علي بابا، 13? خطة الهجوم، 577? يوميات الحرب، 186? الحرب على العراق، 972? قرارات مصيرية، 339-340? أوراق تساقطت، 92? مئة يوم ويوم في بغداد، 196-197? حفيدة صدام، 242.
لقد شكّلت تلك العاصفة الرملية معجزة ربانية عند الناس عامة والمصلين خاصة، وزادت الصلوات والأدعية في الجوامع والبيوت من يقينهم بها، وأن الله تعالى يقف معهم في هذه المحنة، وسينصرهم على جيوش الأعداء الكافرين.
ورأى آخرون أن تلك العاصفة الرملية هبّت كرامة من الله تعالى لحماية أرض العراق التي تضم بين أرجائها مثوى الكثير من الأنبياء الصحابة والتابعين والأئمة الكبار والصالحين، وتأوّل نفر آخر لهذه العاصفة الرملية صورة سوداوية، فرأى أنها جزء من العقاب الإلهي العام لأهل العراق جزاء لما اقترفوه من ظلم في حق الأولياء والصالحين، وتكاثر العصاة والطالحين، وأنها -مع هذه الجيوش الجرارة والأسلحة الجبارة- إيذان بأوان العقاب!.
وحسم آخرون الموضوع مؤكدين أن العاصفة علامة من علامات الساعة!.
سرت شائعة في ذلك الوقت بين الناس على صعيد واسع، أن العواصف الرملية هذه كانت بمثابة دواء للأرض نتيجة المرض المتوقع أن يصيبها بسبب التلوث الناتج عن آلاف الأطنان من القنابل والصواريخ والأعتدة التي رماها الأمريكان والقوات المتحالف معها على أرض العراق، وبكل حال، ومع إيماننا المطلق بقدرة الله تعالى على كل شيء، لم تتأكد هذه الشائعة عبر المصادر الرسمية، لا من مصدر طبي ولا من مصدر معني بشؤون البيئة.
عاصفة 1917
ويحدثنا الماضي القريب أن الأحوال الجوية السيئة غالباً ما كانت تقف عائقاً في وجه هجمات المحتلين للعراق حتى تكونت قناعة راسخة للعراقيين والمحتلين على حد سواء، أن الله تعالى يرسلها لدعم العراقيين، والوقوف معهم.
ذكر مراسل حربي بريطاني غطى توغل قوات الجيش البريطاني شمالاً الى بغداد من جنوبه لاحتلال العراق في العام 1917 فقال: “إننا في بلد الإسراف حيث تكون عوامل الطبيعة متطرفة، وهناك دعاية تقول بأن هذه الأرض الموغلة في القدم قد تآمرت على معاقبتنا، كان هناك تعمّد في الأذى من السماء ومن الأرض بسبب الحرارة والجفاف والجوع والعطش والذباب والإعصار والمطر حيث تم نسجها كلها بشبكة من الظروف. وكان الله بالتأكيد مع قيصر ومع الإسلام. وهناك قاعدة عامة تفيد بأن اضطراب عناصر الطبيعة تساعد الجانب الدفاعي وتدعمه”، إحتلال العراق لكاندلر، 1/80.
وعندما واصلت القوات البريطانية زحفها نحو بغداد آنذاك، واشتبكت مع الجيش العثماني -في معركة انتهت بانتصار الانكليز- هبّت عاصفة كبيرة جداً كان لها حديث ذو شجون في عدد من المصادر البغدادية.
قال المرحوم عبد القادر المميز:”ولم ينقطع صوت المدافع إلا في عصر يوم السبت 10 مارت 1917 م، بعد أن أخذ الجيش العثماني يتراجع إلى الوراء، وقد تألَّبت الطبيعة (وهذا من شأنها) إذ ثارت زوبعة هائلة في المساء آتية من الجنوب، فهي إذن تربك الجيش العثماني الذي ينسحب نحو الشمال، وتساعد الجيش البريطاني الذي جدَّ في تعقبه”، بغداد من 1900 حتى سنة 1934? ص 80.
وقال المرحوم أمين المميز: “وأذكر غضبة الطبيعة في تلك الليلة عندما اجتاحت بغداد عاصفة هوجاء لم تشهد مثلها منذ أن بناها المنصور وحتى يوم الناس ذاك، فلم تُبقِ العاصفة (تيغة) إلا وهدمتها، ولاسقفاً بالياً إلا واقتلعته، ولا جينكو إلا وطيَّرَته مئات الأمتار مولداً تلك القرقعات المخيفة، حتى أنها اقتعلت منارتي جامع الآصفية من حوضيهما، فتناثر الكاشي على كافة أرجاء المنطقة المحيطة بالجامع، ومن بينها دارنا، فاحتفظت بقطعة منه سنين عديدة للذكرى”، بغداد كما عرفتها، 58? لمحات إجتماعية، 4/377.
وبعد هذا الحديث عن اشهر عاصفتين، نتمنى وندعوه سبحانه أن يهون على العراق والعراقيين ما يجدوه في هذه الأيام من كرب العواصف وشدتها لاسيما على العاجزين والفقراء والمرضى والمسنين والنازحين، وأن يجعلها رحمة بهم وعقاباً لمكر أعدائهم إنه سميع قريب مجيب الدعاء.


















