عائلة دمشقية تتوارث منذ قرن رقص المولوية الصوفية

490

دمشق‭-(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬داخل‭ ‬أحد‭ ‬مطاعم‭ ‬دمشق‭ ‬القديمة،‭ ‬يُبهر‭ ‬أنس،‭ ‬ذو‭ ‬السنوات‭ ‬الثلاث‭ ‬وأصغر‭ ‬دراويش‭ ‬سوريا،‭ ‬الحاضرين‭ ‬وهو‭ ‬يدور‭ ‬بسرعة‭ ‬حول‭ ‬نفسه‭ ‬محافظاً‭ ‬على‭ ‬توازنه،‭ ‬فيخطف‭ ‬الأنظار‭ ‬من‭ ‬بقية‭ ‬أفراد‭ ‬عائلته‭ ‬التي‭ ‬توارثت‭ ‬رقص‭ ‬المولوية‭ ‬الصوفية‭ ‬منذ‭ ‬قرن‭.‬

يفرد‭ ‬أنس‭ ‬يديه‭ ‬بينما‭ ‬يرقص،‭ ‬متوسطاً‭ ‬والده‭ ‬مؤيّد‭ ‬الخراط‭ ‬وابن‭ ‬خالته‭. ‬تحلّق‭ ‬أثوابهم‭ ‬البيضاء‭ ‬الطويلة‭ ‬حولهم‭ ‬عند‭ ‬دورانهم‭ ‬بسرعة‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬ابتهالات‭ ‬روحية‭ ‬تلازم‭ ‬هذا‭ ‬الطقس‭ ‬الصوفي‭ ‬خلال‭ ‬السهرات‭ ‬الرمضانية‭.‬

يواظب‭ ‬مؤيّد‭ (‬28‭ ‬عاماً‭)‬،‭ ‬بائع‭ ‬العطور،‭ ‬على‭ ‬تعليم‭ ‬صغيره‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬رغم‭ ‬صغر‭ ‬سنّه‭. ‬ويقول‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ “‬تعلّم‭ ‬أنس‭ ‬هذه‭ ‬الرقصة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتعلّم‭ ‬الكلام،‭ ‬وهو‭ ‬أصغر‭ ‬الدراويش‭ ‬في‭ ‬سوريا‭”. ‬ويضيف‭ “‬مع‭ ‬انضمامه‭ ‬إلى‭ ‬فرقة‭ ‬الراقصين،‭ ‬بات‭ ‬عشرون‭ ‬شخصاً‭ ‬من‭ ‬عائلتنا‭ ‬اليوم‭ ‬يتقنون‭ ‬رقص‭ ‬المولوية‭”.‬

وتوارثت‭ ‬عائلة‭ ‬الخرّاط،‭ ‬إحدى‭ ‬أكبر‭ ‬العائلات‭ ‬الدمشقية،‭ ‬طقوس‭ ‬الصوفية‭ ‬جيلاً‭ ‬بعد‭ ‬جيل‭. ‬ولم‭ ‬يتخل‭ ‬أفرادها‭ ‬عنها‭ ‬رغم‭ ‬انشغالهم‭ ‬بتأمين‭ ‬متطلبات‭ ‬حياتهم‭ ‬اليومية‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬أزمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬تعصفُ‭ ‬بالبلاد‭ ‬التي‭ ‬دخل‭ ‬النزاعُ‭ ‬فيها‭ ‬عامه‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭.‬

ويقوم‭ ‬أساس‭ ‬الرقص‭ ‬الصوفي‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬الدوران‭ ‬حول‭ ‬النفس‭ ‬من‭ ‬اليسار‭ ‬إلى‭ ‬اليمين،‭ ‬بلباس‭ ‬أبيض‭ ‬فضفاض،‭ ‬مع‭ ‬التأمّل‭ ‬لبلوغ‭ ‬النشوة‭ ‬الروحية‭. ‬ويٌطلق‭ ‬على‭ ‬مؤدّي‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬تسمية‭ “‬الدراويش‭”‬،‭ ‬أي‭ ‬البُسطاء‭ ‬والزاهدين‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭.‬

ولد‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثالث‭ ‬عشر‭ ‬عندما‭ ‬أسس‭ ‬الشاعر‭ ‬الصوفي‭ ‬جلال‭ ‬الدين‭ ‬الرومي‭ ‬الآتي‭ ‬من‭ ‬طشقند‭ ‬الطريقة‭ ‬المولوية‭ ‬الصوفية‭ ‬التي‭ ‬انبثق‭ ‬عنها‭ ‬الدراويش‭ ‬في‭ ‬قونية‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬تركيا‭ ‬الحالية‭.‬

وعلى‭ ‬مرّ‭ ‬الأزمنة،‭ ‬لم‭ ‬تطرأ‭ ‬أي‭ ‬تعديلات‭ ‬على‭ ‬حركات‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬المنتشر‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬إسلامية‭ ‬عدة‭. ‬

ويقول‭ ‬مؤيّد‭ “‬الصوفية‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭ ‬طريقة‭ ‬تعبّد‭ ‬وسموّ‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ (..) ‬والمولوية‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬طرق‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الله‭”.‬

وتتلمذ‭ ‬مؤيد‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬جدّه‭ ‬ثمّ‭ ‬عمّه‭ ‬ثم‭ ‬أبيه‭. ‬وتدرّب‭ ‬منذ‭ ‬نعومة‭ ‬أظافره‭ ‬حتى‭ ‬بات‭ ‬بإمكانه‭ ‬اليوم‭ ‬القيام‭ ‬بعشرات‭ ‬الدورات‭ ‬حول‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬الدقيقة‭ ‬الواحدة،‭ “‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬يبتعد‭ ‬شبراً‭ ‬واحدة‭ ‬عن‭ ‬نقطة‭ ‬وقوفه‭”. ‬ويساعده‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬إفراغ‭ ‬الطاقة‭ ‬السلبية‭ ‬من‭ ‬داخله،‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬قوله‭.‬

ويُضيف‭ “‬كلّما‭ ‬أشعر‭ ‬بالضيق‭ ‬جراء‭ ‬ظروف‭ ‬الحياة‭ ‬والوضع‭ ‬المعيشي‭ ‬والأزمة‭ ‬التي‭ ‬مررنا‭ ‬بها،‭ ‬عندما‭ ‬اشعر‭ ‬بضغط‭ ‬شديد،‭ ‬أختلي‭ ‬بنفسي‭ ‬في‭ ‬غرفتي‭ ‬وأدور‭ ‬وأدور‭ ‬حتى‭ ‬أشعر‭ ‬بالراحة‭ ‬النفسية‭”.‬

طلب‭ ‬الرحمة‭” ‬

قبل‭ ‬بدء‭ ‬جلسات‭ ‬التدريب،‭ ‬يساعد‭ ‬مؤيد‭ ‬أنس،‭ ‬الكثير‭ ‬الحركة‭ ‬مع‭ ‬ابتسامة‭ ‬لا‭ ‬تفارق‭ ‬وجهه،‭ ‬على‭ ‬ارتداء‭ ‬زي‭ ‬الدراويش‭. ‬ويتألف‭ ‬من‭ ‬ثوب‭ ‬أبيض‭ ‬فضفاض،‭ ‬يزنّره‭ ‬حزام‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬أحمر‭ ‬اللون‭. ‬ويرتدي‭ ‬الدراويش‭ ‬عادة‭ ‬قبعة‭ ‬أسطوانية‭ ‬الشكل،‭ ‬بنّية‭ ‬اللون‭ “‬أقرب‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬إلى‭ ‬لون‭ ‬الأرض‭ ‬والتراب‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬منه‭ ‬الإنسان‭ ‬ويعود‭ ‬إليه‭”‬،‭ ‬كما‭ ‬يشرح‭ ‬مؤيد‭.‬

وقد‭ ‬يعتمرون‭ ‬أحياناً‭ ‬طرابيش‭ ‬سوداء‭ ‬ترمز‭ ‬بشكلها‭ ‬المتطاول‭ ‬إلى‭ ‬حرف‭ ‬الألف،‭ ‬أول‭ ‬حروف‭ ‬الأبجدية‭ ‬العربية‭ ‬وأول‭ ‬حرف‭ ‬من‭ ‬كلمة‭ “‬الله‭”.‬

على‭ ‬أنغام‭ ‬أناشيد‭ ‬دينية‭ ‬وابتهالات‭ ‬لله‭ ‬يؤديانها،‭ ‬يدرّب‭ ‬مؤيد‭ ‬وشقيقه‭ ‬الأكبر‭ ‬محمود‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬الأطفال‭ ‬على‭ ‬الدوران‭ ‬حول‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬باحة‭ ‬منزل‭ ‬العائلة‭. ‬يبلغُ‭ ‬مؤيّد‭ ‬حالة‭ ‬تعزله‭ ‬عن‭ ‬محيطه‭ ‬خلال‭ ‬دورانه‭ ‬مغمض‭ ‬العينين،‭ ‬فيما‭ ‬يقلّده‭ ‬أنس‭ ‬بشكل‭ ‬عفوي‭.‬

يعمل‭ ‬محمود‭ (‬34‭ ‬عاماً‭) ‬على‭ ‬تصحيح‭ ‬حركات‭ ‬يد‭ ‬الأطفال‭ ‬خلال‭ ‬الدوران‭. ‬ويشرح‭ “‬مدّ‭ ‬اليدين‭ ‬نحو‭ ‬الأعلى‭ ‬إشارة‭ ‬لطلب‭ ‬الرحمة‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬والدعاء‭ ‬نحو‭ ‬السماء‭. ‬وفي‭ ‬قبض‭ ‬الأيادي‭ ‬نحو‭ ‬الصدر‭ ‬دلالة‭ ‬على‭ ‬التذلّل‭ ‬والتواضع‭ ‬إلى‭ ‬الله‭”.‬

على‭ ‬غرار‭ ‬معظم‭ ‬الدراويش‭ ‬السوريين،‭ ‬جال‭ ‬محمود‭ ‬على‭ ‬عشرات‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬لعرض‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬ووصل‭ ‬الى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬قبل‭ ‬اندلاع‭ ‬النزاع‭ ‬عام‭ ‬2011‭. ‬ويقول‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ “‬قبل‭ ‬الحرب،‭ ‬كنا‭ ‬نقيم‭ ‬خارج‭ ‬سوريا‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬نقيم‭ ‬داخلها،‭ ‬تنقلنا‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬عدّة‭ ‬لإيصال‭ ‬هذه‭ ‬الرقصة‭ ‬إلى‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭”.‬

وبسبب‭ ‬قيود‭ ‬السفر‭ ‬على‭ ‬السوريين،‭ ‬خلال‭ ‬سنوات‭ ‬الحرب،‭ ‬تراجع‭ ‬عدد‭ ‬الحفلات‭ ‬التي‭ ‬يؤدّونها‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬العائلة‭ ‬إلى‭ ‬تركيز‭ ‬نشاطها‭ ‬داخل‭ ‬البلاد‭ ‬خلال‭ ‬المناسبات‭ ‬الدينية‭ ‬وبعض‭ ‬الاحتفالات‭ ‬الخاصة‭.‬

ويوضح‭ ‬محمود‭ “‬توجّهنا‭ ‬إلى‭ ‬المطاعم‭ ‬والأعراس‭ ‬لإقامة‭ ‬العروض‭ ‬فيها‭ (..) ‬والخيم‭ ‬الرمضانية‭ ‬هي‭ ‬فسحة‭ ‬الأمل‭ ‬الأخيرة‭ ‬بالنسبة‭ ‬لنا‭”. ‬ويكاد‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬مقهى‭ ‬من‭ ‬مقاهي‭ ‬دمشق‭ ‬القديمة‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬رمضان،‭ ‬من‭ ‬درويش‭ ‬يؤدّي‭ ‬رقصة‭ ‬المولوية‭ ‬التي‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬طقس‭ ‬دائم‭ ‬يرافق‭ ‬شهر‭ ‬الصوم،‭ ‬فيجول‭ ‬بين‭ ‬الطاولات‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ينتهي‭ ‬الموجودون‭ ‬من‭ ‬طعام‭ ‬الإفطار،‭ ‬ويقدّم‭ ‬عروضاً‭ ‬مختلفة‭ ‬أبرزها‭ ‬رقصة‭ ‬الدراويش‭ ‬الشهيرة‭.‬

ويقول‭ ‬محمود‭ “‬بتنا‭ ‬ننتظر‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬بفارغ‭ ‬الصبر‭ ‬لنتشارك‭ ‬هذه‭ ‬الأجواء‭ ‬مع‭ ‬الناس‭ (..) ‬المولوية‭ ‬لكل‭ ‬زمان‭ ‬ومكان،‭ ‬لكنها‭ ‬أكثر‭ ‬روحانية‭ ‬خلال‭ ‬رمضان‭”.‬

مشاركة