ظلال من كتاب مرائي الصحراء المسفوحة

401

ظلال من كتاب مرائي الصحراء المسفوحة
أبقار بحيرة ساوه في مرايا الرمال
حامد فاضل
في الدين متكأ لها، وفي الأساطير أَصْلُ، وفي التأريخ بُعْدُ. هي سر مكنون السرود، وسحر كل حكاية، هي درة في تاج أوروك، وسيماء علي وجه السماوة، من قبل ميلاد المسيح، نُسِخَتْ علي الصلصال، أو رُسِمَتْ علي رُقِمْ الملاحم.. كُتِبَتْ علي الأطراس بعد ولادة التأريخ.. بحيرة هي لكن لا شبيه لها، جزيرة مملوءة بالماء، من حولها الصحراء مسفوحة، فكأنما هي سرة في بطن صحراء. حُفِرَتْ علي جذع تأريخ المعابد، قُرِنَتْ بطوفان نوحٍ »عليه السلام« إذ جاءها أمر الإله، سفحت علي الأرض المياه، وقيل عنها في العصور الماضيات، هي منبع »الابسو1« وهي مصبه. مَنْ غيرها ابتلع المياه، وأعد مرسي للسفينة، كي تعيد الأرض دورتها، وتعاود الدنيا مسيرتها، وتستمر بها الحياة. وإذ أراد الله تشريف العرب، واختار منهم حاملاً لرسالته، تنبأ الأحبار يوم ولادته، بتصدع الإيوان وزوال كسري، وفيضان ساوه، قالوا : سيغمر ماءها وادي السماوه، آلّ الظلام الي زوال، قد هَلّ في مكة الهلال، ولد الرسول العربي، ليكون للأمة نبي.. في يوم مولده الشريف، روي الثقاة من الرواة عن كوكب تخلف عن فلكه بين الكواكب، رأي الفضاء موارباً، فانسل نحو الأرض مقترباً، كفلقة الفجر جاء البيد يطرقها، وصار يدنو، ويرنو، وهالة الضوء في الآماد تتبعه، قد جاء نحو مدائن الرمل يفتحها، كأنه ملك والجند قدامه رصوا صفوفهم، والخيل تجمح من غيض وتقتحم، فاستنفرت مدحية الأرض أمواج المحيطات، واستقبلته بِمَدٍ لا انتهاء له، وآزرتها علي المَدِ البحيرات.. ورأته بادية السماوه، متمهلاً بمسيره في أرض ساوه، أرأته ساوه أولاً، أم كان أول من رآها؟ عيناها ساكنتان من ماء أجاج، عيناه حمراوان من نار تلظي، أتحدثا بحديث النار والماء؟ ألقي اليها علي استحياء نظرته، فغضت طرفها خجلا ً، وغار من وجهها من ناره الماء، فآثر الكوكب التحليق مبتعداً، وتابعته بعينها علي خجل، حتي إذا لم تعد عيناها تبصره، تلبثت كي تستعيد لوجهها الماء، فتعجبت من أمرها الصحراء وهي تري أن البحيرة لَمَتْ جرفها ومضت تجر ثوب الموج نحو خبائها، كأن لم يكن قد جاء للأرض كوكب، وكأن ساوه لم تره، فما غار منها الماء واضطرب الموج، فأيقنت الصحراء عندئذ أن البحيرة هذي لا شبيه لها، وأقرها علي ما أيقنت مَنْ لهم في أمرها باعُ.. قالوا بأن ساوه كالمحيطات، فلا علاقة للبحار بها، ولا نَسَبٌ بينها وبين دجلة، أو مصاهرة بين البحيرة والفرات، ولا مودة بالقربي لتقرنها بما بُثَّ في أرض العراق من بحيرات، فلا صلة للرحم بين/ساوه/الرزازة/الحبانية/الثرثار/ ولثلة الفلكيين رأي بمزاج ساوه.. افترضوا إذا فكر الكوكب العاشق باختلاس النظر، سيعود الي الأرض ثانية، وقد تعجبون، لأن البحيرة التي حافظت علي مستوي مائها كل هذي القرون، سوف تفيض بوادي السماوه، وهي قادرة علي غزو ما حولها من صحاري، برغم أنه لا وجود لمجري يزودها بالمياه، فهذي البحيرة التي لا روافد ترفدها، تديم شبابها بما يتدفق من مياه جيوب الصخر، تزنر خصرها بزنار من الكلس المطعم بالرواسب، تتمرأي بمرايا الرمال، وتطل بزينتها علي الأرضين من حولها، ولأن ساوه ذات مزاج فريد، فلا غرابة أنها انتبذت مكاناً علي بعد »30« كيلومتراً من الوركاء و»25« كيلومتراً جنوب غربي السماوه.. بحيرة غريبة التكوين في الصحراء واقعة علي خط عِرْضٍ »91، 31 ْ« شمالا ًوخط طولٍ »45 ْ« شرقاً، وتشمخ مرتفعة »5« أمتار علي ما يجاورها من اليابسة، وكأنها تستغشي بثياب من الكلس والرمل، فلا تري إلا من مسافات قريبة، حيث يمكن لقاصدها أن يراها، وهي جالسة في حجر صحراء السماوه علي بعد »5.3« كيلومتراً من نهر العطشان، مرتفعة »11« متراً فوق مستوي نهر الفرات، وقد فرشت بساط من الماء علي أرض مساحتها »5.12« كيلومتراً مربعاً، وجمال ساوه قد تأتي من كونها بحيرة لا فارعة ولا قصيرة، فقوامها ممشوق، وطولها معتدل »75.4« كيلومتراً، والعرض في أوسع منطقة من حوضها »75, 1« كيلومتر، وأضيق منطقة في خصرها »500« متر، ولأن موجها اللامع يتهادي نحو أجرافها مثل سيوف رقصة بدوية، فقد خلع علي جسدها عمقين متداخلين، الذي يتهافت نحو جدارها الخارجي يتراوح ما بين »5 , 4« متر والذي ينأي عن الجرف ما بين »5, 5« متر وهو الذي يلقي عباءته علي أكثر من »70% « من جسد البحيرة التي تشبه الكمثري، أو إوزة تسبح في بحر من الرمل، ومن هنا جاء اسمها، فالإوزة يطلق عليها في اللغة النبطية ساوه، أو أن ساوه Sawa اسم محرف عن الكلمة الانكليزية سوير Sour والتي تعني الحامض، وأنا ابن بادية السماوه، أقول إذا ما اجتهدت بأن اسم ساوة جاء بعد حذف ميم سماوه.. وساوه بحيرة مالحة، بل انها من أكثر البحيرات المعروفة بملوحة الماء، وهناك بحث/جغرافي/بيئي/سياحي/ للدكتور صفاء جاسم محمد »2« مزدحم بالأرقام عن نسب الملوحة في بحيرة ساوه هناك احتمال، بل أكثر من احتمال، بأن ساوه ما كان لها أن تحط الرحال، وتنصب خيمتها غرب الفرات لولا انكسار الأرض في »الشبكة«، وعلي اثر ذلك الانكسار حدث/التواء/تجعد/تصدع/ في قشرة الأرض فانبعجت، وهيأت حجرها ليحتضن الأحواض، إذن يمكنني القول أن بحيرة ساوه حوض تعريةٍ، نحتته الرياح في منطقةٍ هشةٍ، أو هي حوض تكتوني مترع بمياه تنز من باطن الأرض في تكوينات جيرية قابلة للإذابة.. الهضبة الصحراوية ترتدي مختلف الثياب التي تفصلها طبيعة البادية، وتنسجها من/الريح/الرمل/الصخر/المطر/ فتخرج بزينتها من محراب وادي الفرات علي ما يجاورها من أراضٍ، وتمضي علي مهل إذا آثرت الابتعاد تاركة علي الدرب من خلفها مجمعات من الحجر المتكلس علي الرمل لتوزعها علي منطقتين غرب الفرات، أولاهما بين هيت وطرف الكوفة الجنوبي، وأخراهما بين السماوه والطرف الجنوبي الغربي لهور الحمار، لذا فاحتمال كون بحيرة ساوه منخفضاً كأقرانها من المنخفضات التي تكونت في المنطقة وارد بسبب تعرية باطنية وذلك يفسر لنا ارتفاع البحيرة »11« متراً عن مستوي نهر الفرات، أو ربما تكونت البحيرة بفعل المياه المختزنة في تكوينات مجمعات/الحجر الرملي/الحجر الجيري/الميوسيني/ النيموليتي/الذي تكون في عصر الايوسين بتأثير التعرية/المائية/السطحية/الباطنية/إذ لحست ألسنة الماء جدران الجير ناحتة تكوينات جيرية/جيوباً/صدوعاً/حفراً / كهوفاً/مغارات/ وتحفر فيها مجاري مائية، وتلك من صفات بحيرة ساوه/الباطنية/الظاهرية /.. تُصَنَفْ موارد مياه البادية الجنوبية الي موارد دائمية هي مياه العيون والآبار، وموارد مؤقتة هي مياه البرك والغدران، وأخري دائمية ومؤقتة كمياه الكهوف الضحلة.. وبحسب تصنيف »مكفدين« Macfadyen فان مياه بحيرة ساوه دائمية برغم انها لا تتغذي علي مجري من الماء ظاهر، ولكنتغذيها/الشقوق/الصدوع/الكهوف/الحفر/التي تشكل مكامن تأوي المياه اليها علي عمق »12 ـــ 16« كيلومتراً من قشرة الأرض العليا، وهذي المياه بيادر من حصاد حقول الغيوم، تتجمع طيلة فترة سقوط المطر، ثم تتسرب الي باطن الأرض من مساماتها، ثم تُنادي فَتُحْشَرُ علي بقعة مسامية من الصخر، هيأتها الطبيعة لحمل المياه تسمي بمنطقة التشبع، وهي طبقة تمثل البطانة لطبقتين من الصخر غير مساميتين، ولا يأخذ الماء داخل الأرض مستوي أفقي، بل يسير علي هدي خرائط التضاريس ليلوذ بأول منخفض، ولأن المياه الجوفية دائمة الحركة، فإنها تُهْرِعُ بالجاذبية نحو/الأخاديد/الأنهار/البحار/ وكل منخفض تراه يغريها، فتنجذب إليه، تلم شتاتها من خلال المسامات والشقوق الصغيرة، تتلفع بغشاء رقيق، تتحرك بشكل مواز لمجري الأنهار بما يعرف عند المختصين بالحركة الصفائحية للمياه التي تعتمد علي النفاذية والمسامية في/الصخور الطينية/الصخور الرملية/ الصخور الكلسية/مثلما تعتمد علي درجة ميل مستوي هذه المياه.. كل ما انثال عن مصادر الماء في متن مرأي بحيرة ساوه، يؤكد بطلان الفرضيات الخمس التي قيلت عن مناطق تغذية البحيرة :
1ــ فرضية بحر قزوين الذي يبعد عن ساوه »800« كيلومتراً ويصب بنهرين روسيين كبيرين هما الفولغا والأورال.
2ــ فرضية بحيرة أورمية الواقعة شمال غرب إيران والتي تبعد عن ساوه»650« كيلومتراً.
3ــ فرضية البحر الميت الذي يبعد عن ساوه »900« كيلومتراً.
4ــ فرضية بحيرة طبرية التي تبعد عن ساوه »1000« كيلومتراً.
5ــ فرضية شمال العراق التي تزعم أن المياه تنبع من جبال الشمال وتسير نحو الغرب مسافة »700« كيلومتراً تحت طبقات الأرض الصخرية. تؤكد النواحي الجيمورفولوجية بأن ساوة تتوشح بالترسبات الملحية salt deposits الموشاة بالجبس/الكلس/الدولومايت/العائدة الي التكوين الجيولوجي للبحيرة، فساوه هي واحدة من منمنمات عباءة الجيوسنكلين التي يتلفع بها الجزء الجنوب الغربي من الامتداد الذي يعتمر بكوفية من ترسبات العصر الرباعي الغرينية المتكونة من/الرمل/الطين/الحصي /، التي تخفي تحتها ترسبات تكوينات الفرات التي تعود الي عصر الميوسين المتكون من/الحجر الجيري/المارل/وحجر الرمل /، الذي تستغشي بثيابه تكوينات طبقات الدبدبة التي خيطت في أواسط عصر الايوسين من حجر الكلس.. إن سبب ارتفاع نسبة الأملاح في البحيرة راجع الي تكوينها، والي طول فصل الصيف العراقي وزيادة عملية التبخر، ولعدم وجود روافد تغذيها عدا مياه الأمطار الشحيحة لأن البحيرة هي من ضمن أثاث المنزل الصحراوي الجاف، ولذا فأن ساوة تخرج من محراب صحراء السماوة بحلة جيمورفولوجيه خلعتها عليها التعرية/المائية/ الجوية/طبيعة الصخور/صلابتها /مدي تأثرها/بعوامل تلك التعرية المتكونة من زنار من الملح يزنر خصر البحيرة. تحكم ربطه الأمواج أثناء تأديتها لرقصة المد والجزر، حيث تترسب الأملاح نتيجة النشاط الكيماوي للتجوية، إذ تتجمع في أطراف الأمواج التي تضرب ساحل البحيرة برغوة بيضاء كثيفة هي جزيئات الأملاح الذائبة في الماء، ولأن الأمواج أدمنت الرقص الهستيري علي موسيقي العواصف الصحراوية، فإن تلك الرغوة تتكاثف بتكرار حركة الأمواج لتكون حاجزاً هشاً يتصلب نتيجة لعملية التبخير ليكون الجرف الملحي.. تحرض الرياح الصحراوية الأمواج، تهيج الأمواج، تتهستر، بسياط الماء تجلد ظهر الجرف الملحي، فتملؤه بالشروخ، فيأتي عليها الزمان بأزميله لينحت منها/كهوفاً/مغارات/ تعشش فيها الطيور التي تلوح لعين الصياد من علي بعد رصاصة.. كهوف ضحلة يخلع الشتاء عليها غلالة من ضباب شفيف، ضيقة مداخلها، عرضية غير منتظمة، فنحاتها الفطري لم يقم بتنظيم أبعادها التي تتراوح ما بين »1ــ2« م الي »2,5 ــ 3« م ولها من العمق »2ــ 3« م وسقوفها مزينة بثريات/مخروطية/ملحية/بلورية/متصلبة/تسمي الأعمدة النازلة أو الستلاكتايت Stalactite التي أنتجتها أمواج مصنع التعرية الكيماوية بعملية الإذابة الطبعية للجروف الملحية.. ولأن ساوه تزين خصرها بإطار أبيض من الملح، يرتفع عن مياه البحيرة » 2,8« م وعن مستوي سطح البحر»2,5ــ3« م مدبب كأنه إكليل من زهور نبات القرنبيط، تزين رؤوس/الكهوف/المغارات/الشقوق/في الأماكن الضحلة جداً، ذات الحجوم المتقاربة ما بين »25ــ50« سم تتلاشي كلما ابتعدنا من ساحل البحيرة نحو مركزها، متباعدة متلاشية لا تُري كلما اتجهنا نحو أعماق البحيرة وبؤرتها، وإذ تترسب الأملاح تتبلور صانعة باروكات تغطي رؤوس الجروف الصلعاء، فإنها تبدو لعين الرائي بأشكال أشبه بزهور القرنبيط، وهذه الزهور تشكل نتيجة لامتلاء الفراغات البينية، بين كل واحدة منها ظاهرة جيمورفولوجية من المكورات الملحية الصغيرة والمتوسطة الحجم والكبيرة.
يصنف »كوبن« Koppen مناخ السهل الرسوبي، والهضبة الغربية العراقيين ضمن إقليم المناخ الجاف.. ولأن مناخ العراق يجمع بين حرارة المناخ الصحراوي، ودفء المناطق المعتدلة لغرب القارات »مناخ البحر المتوسط« فهو إذن مناخ/شبه مداري/ومناخ قاري/ وهو الذي حدا ببحيرة ساوه الي التسربل بلباس المناخ الصحراوي الحار، والتوشح بوشاح الدفء القاري المطرز/بالمدي الحراري اليومي/قلة التساقط السنوي/قلة الرطوبة/ولذا يمكننا القول أن مناخ السماوه/شبه مداري/بحر متوسطي/ ولأن ساوه جزء من السماوه، فإنها تصيب من كرم سماء السماوه، وتستاف من عطر باديتها لتكون حوضاً للروبيان ولأسماك زيتية تذوب إذا ما أخرجت من البحيرة، وتُرِكَتْ تحت شمس الصحراء.. أسماك صغيرة يتراوح طولها بين »10 ــ 15« سم تتغذي علي/الفطريات/الطحالب/القواقع/اليرقات/الحشرات/الأحياء الفقرية الصغيرة/هذه الأسماك هي الآكلة والمأكولة لأنها تشكل غذاءً للطيور المبثوثة في منطقة ساوه وما حولها.. الطيور المحلقة في سماء البحيرة، أو الطيور السابحة في مائها، المهاجرة أوالمستوطنة، البرية أوالمائية، الصغيرة أوالكبيرة.. طيور كثيرة/الخضيري/الأوز/البط الصيني/دجاج الماء/البجع/البريش/الحذاف/الكركي/أبو منجل/السنونو/اليمام/القطا/الحجل/الحباري /الصقور/البيوض/.. لكن صاحبي البدوي، الحكاء المخيالي، الذي لا يضاهيه حكاء/الرجل/العجيب/الغريب/لم يكتف بما أثث الله به البحيرة من/أحياء/أسماك/طيور/فراح يسرد عليّ حكاية/عجيبة/غريبة/عن أبقار بيض كانت تعيش في بحيرة ساوه، قال : يوماً ما وصل رجل ينتمي الي الأعاجيب من الأعراب الي البحيرة، كانت الشمس معتلة، وكانون النهار يوشك علي الانطفاء، وما أن حط طير المغيب علي عشه، حتي شاهد الأعاجبي، آذان بيض، وقرون بلون الملح المتكدس فوق الجروف، ورؤوس ضخمة تبرز من بؤرة الماء.. خاف الرجل مما رأي، فتواري خلف صخرة ضرس، لكنه استعاد شجاعته حين أبصر قطيع أبقار بيض يخرج من البحيرة ليسرح في الأرض المجاورة، لم يصدق الرجل عينيه وهو يري الأبقار البيض المضيئة كغرة فجر الصحراء، وهي ترعي العشب في المرعي الذي خلع الربيع عليه حلية سندسية.. خرج من مكمنه وراح يقترب من الأبقار التي جفلت حين رأته، فراحت تحفر الأرض بأظلافها، نكست رؤوسها، وأشرعت قرونها، وتهيأت للقتال، لكن بندقية الرجل حسمت الموقف، فتدافعت الأبقار راكضة نحو البحيرة، وهي تسمع صوت الرصاص يلعلع في سماء ساوه، وقبل أن يغطس القطيع بالماء، تمكن الرجل من الإمساك ببقرة صغيرة تركتها أمها المذعورة علي الجرف، وتوارت في البحيرة.. حاولت البقرة الصغيرة التخلص من قبضة الرجل، لكنه استطاع أن يربطها الي حصانه بحبل من مسد، ويجرها خلفه الي دياره، حيث أودعها الحظيرة، ولم يتركها تسرح مع الأبقار.. ولقد تغيرت حال الرجل من الفقر الي الغني، ومن الظل الي الواجهة، منذ عثوره علي تلك العِجْلَةِ البيضاء حتي إذا كبرت، وطأها أحد الثيران من الذكور الأقوياء، فحملت منه، وأنجبت بقرة بيضاء كأمها.. عندها شعر الرجل بالأمان، فترك البقرة تخرج هي وصغيرتها لترعي مع القطيع.. حل الربيع، وكانت البقرة الصغيرة قد كبرت لتصبح بحجم أمها، وفي أحدي الليالي استيقظ الرجل علي خوار غريب كأنه النداء، فهرع الي الحظيرة، لكنه لم يجد البقرة، ولا ابنتها.. أسرج حصانه، وراح يتتبع آثارهما حتي بحيرة ساوه حيث أدركهما، ورآهما وهما تغطسان في ماء البحيرة.. ومنذ حكاية صاحبي تلك صرت كلما زرت البحيرة انتابني هاجس غريب فربما يخرج لي من الماء قطيع من أبقار ساوه فأتغير من حال الي حال.
/2/2012 Issue 4128 – Date 21- Azzaman International Newspape
جريدة »الزمان« الدولية – العدد 4128 – التاريخ 21/2/2012
AZP09