
طيور سعدون جابر تحلّق في سماء مسقط
جلسة الصوت فيها أوسع من مساحة الكلام وحكايا خلف الأغاني
مسقط – عبدالرزّاق الربيعي
قبل أن يقفل معرض مسقط الدولي للكتاب أبوابه بـ 24 ساعة، حلّقت طيور المطرب سعدون جابر، ثاني سفير للأغنية العراقية بعد ناظم الغزالي، ومن ثم كاظم الساهر، فوق رؤوسنا في المسرح المدرّج بمركز المعارض في جلسة حوارية أدارتها باقتدار الإعلامية سها الرئيسي التي قالت في بدايتها له “أن الجمهور أتى ليسمع صوتك أكثر أي شيء آخر”، فابتسم، وأعطى إشارة لفرقته الموسيقية، فكانت مساحة الصوت فيها أوسع من مساحة الكلام، فافتتح الجلسة بعد ترحيب الرقيشية بأغنية ” بيّاع من يشتري عشقي ومواويلي ” تلك الأغنية الشجيّة التي تتحدّث عن غزوات الزمن، وما فعل الشيب بقلب العاشق ، وقد قدّمها بأبيات من قصيدة الشاعر نزار قبّاني:
عشرون عاما فوق درب الهوى
وما يزال الدرب مجهولا
فمرّة كنت أنا قاتلا
وأكثر المرّات مقتولا
عشرون عاما يا كتاب الهوى
ولم أزل بالصفحة الأولى
ومن هجمات المشيب، وصولاته وجولاته، إلى أغاني الفراق وأغنية” زغيرون يابعد اهلنه وبفراكَك شلون” و” يا أمّي يا أمّ الوفه ياطيب من الجنّة” ثم يتحدّث عن الحزن في الأغنية العراقية الذي يعود إلى أزمنة سحيقة وسنوات مرّة عانى خلالها الفرد العراقي من الاحتلالات والاضطرابات السياسية وفيضانات دجلة والفرات التي تأتي غالبا في غير مواسمها لتعود بالضرر، على المزروعات، عكس فيضان النيل الذي يأتي في أوانه ليعمّ الفرح، وهذا ترك أثرا على الأغنية المصرية، فجاءت أغاني الفلاحين معطّرة بالبهجة، كأغنية عبدالوهاب” ما احلاها عيشة الفلاح ،متطمن قلبه ومرتاح،يتمرغ على أرض براح ،والخيمة الزرقا ساتراه”
بينما نجد عكس ذلك في الأغنية الريفية العراقية، للأسباب المذكورة، إلى جانب الوضع المزري الذي عاشه الفلاحون في الجنوب تحت ظل النظام الاقطاعي، وما إلى ذلك من ظروف جعلت الأغنية العراقية حزينة، ثم تحدّث عن قصص عدد من أغانيه من بينها أغنية ( يا نجوى) التي كتبها الشاعر زهير الدجيلي عن طالبة لفتت انتباهه حين كانت تمرّ في طريق ذهابها للمدرسة، فسألها عن اسمها، فقالت:(نجوى)، فوعدها بأن يكتب عنها قصيدة يغنّيها سعدون جابر، وبالفعل غنّاها، وانتشرت بسرعة البرق، ويفاجأ المطرب بعد أكثر من أربعين سنة بامرأة كانت من بين حضور احدى حفلاته تقول له: أنا نجوى ملهمة الأغنية، فتحدّث معها وإذا هي اليوم طبيبة أسنان تقيم في ديترويت، ثم استرسل فروى حكايات كثيرة كانت تقف خلف أغانيه، من بينها حكاية” جت الصبح وعيونها ذبلانه” وهي نتاج تجربة مريرة عاشها الشاعر سعدون قاسم حين أحبّ فتاة، لكنها تركته لتتزوج من رجل غني ثم يذهب كل واحد إلى سبيله، وبعد سنوات طرقت الحبيبة باب بيت الشاعر، وحين فتح الباب فوجيء بها، وقد جاءت إليه يعصر قلبها الندم، وقالت: إنها لم تنم الليل، فما كان من الشاعر الذي كان قد تزوج من أخرى سوى أن يرفض استقبالها ويكتب القصيدة التي لحّنها الفنان كاظم فندي، وصارت كلماتها على كل لسان من سمعها.
اشهر الاغاني
أما حكاية أغنية” يا أمّي يا أمّ الوفه”، فقد ولدت من وقفة جمعته بالشاعر كريم العراقي، أمام تمثال الأم لمحمد غني حكمت المنصوب في الباب الشرقي ببغداد، ثم أكملا طريقهما إلى ملعب الشعب لحضور مباراة لكرة القدم لكن الشاعر كريم العراقي، شافاه الله وعافاه، لم يتابع المباراة، بل انشغل بكتابة كلمات أغنية عن الأم بعثها جابر إلى الملحن( عباس جميل) لتصبح من بين أشهر الأغاني التي قيلت في حقّ الأمّ، وتوقف عند الشاعر الراحل مظفر النواب، الذي درّسه في إعدادية(الفجر) في (النوّاب) ببغداد، عام 1962 م وكان يومها يسكن مدينة الحريّة، وترك أثرا في ذاكرته، وفارقه حتى زيارته لدمشق عام 1996م حين اتصل النواب به عندما علم بوجوده، وأهداه قصيدة:
وتساءل طفل مرّ بصمتي
هل بغداد على بردى؟
أومأت بقلبي
وعلى دجلة أيضا
تقع الشام”
فغناها بعد ساعتين، وسرد موقفا نبيلا له مع الشاعر الراحل كاظم إسماعيل الكاطع، عندما غنّى له:
اللي مضيّع ذهب
بسوك الذهب يلكَاه
واللي مفارك محب
يمكن سنة ويلكَاه
إذ أبلغ أحد المسؤولين أن الشاعر أيام حرب الخليج الأولى كان جنديا في جبهة القتال، فقام بنقله إلى بغداد، خوفا عليه من رصاص الحرب، إلى جانب حكايات أخرى وغناء مواويل وأبيات المتنبي:
بم التعلل لا أهل ولا وطن
ولا نديم ولا أهل ولا سكن
أريد من زمني ذا أن يبلغني
ما ليس يبلغه من نفسه الزمن
ليختتم الجلسة الحوارية بأغنيته الأثيرة إلى قلوب المغتربين” يا طيور الطايرة”، فحلّقت في سماء مسقط .
{ (يُنشر بالتزامن مع صحيفة” أثير” الالكترونية العمانيّة)


















