طير الدوري يغيّر نغمة صوته والعلماء يكتشفون اللغز العجيب

386

واشنطن‭-‬‭ ‬‭(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭)‬‭ ‬‭-‬‭ ‬في‭ ‬خمسينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬كان‭ ‬محبو‭ ‬الطيور‭ ‬في‭ ‬كندا‭ ‬يتعرفون‭ ‬بسهولة‭ ‬على‭ ‬طير‭ ‬الدوري‭ ‬ذي‭ ‬الحنجرة‭ ‬البيضاء‭ ‬بفضل‭ ‬نغمة‭ ‬شدوه‭ ‬المميزة‭ ‬بنوتاتها‭ ‬الثلاث‭ ‬الختامية‭… ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تغييرا‭ ‬طرأ‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬السلوك‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة‭ ‬دفع‭ ‬بعلماء‭ ‬إلى‭ ‬تحليل‭ ‬سبب‭ ‬هذا‭ ‬التبدل‭ ‬السريع‭.‬

فقد‭ ‬اعتاد‭ ‬الكنديون‭ ‬لسنوات‭ ‬تقليد‭ ‬صوت‭ ‬طير‭ ‬الدوري‭ ‬هذا‭ ‬مع‭ ‬تأليف‭ ‬مقاطع‭ ‬تشبه‭ ‬بنغماتها‭ ‬تركيبة‭ ‬اللحن‭ ‬الثلاثي‭ ‬النوتات‭ ‬الخاص‭ ‬به‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬علماء‭ ‬أحياء‭ ‬لاحظوا‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الطيور‭ ‬بدأت‭ ‬تظهر‭ ‬حسا‭ ‬ابتكاريا‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬الكندي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تغيير‭ ‬نغمة‭ ‬شدوها‭ ‬لتصبح‭ ‬مكونة‭ ‬من‭ ‬نوتتين‭ ‬اثنتين‭ ‬بدل‭ ‬ثلاث‭. ‬وفي‭ ‬العقدين‭ ‬الماضيين،‭ ‬باتت‭ ‬هذه‭ ‬النغمة‭ ‬الجديدة‭ ‬لدى‭ ‬طيور‭ ‬الدوري‭ ‬البيضاء‭ ‬الحنجرة‭ ‬تتمدد‭ ‬في‭ ‬سائر‭ ‬أنحاء‭ ‬كندا‭ ‬من‭ ‬الغرب‭ ‬إلى‭ ‬الشرق‭ ‬مرورا‭ ‬بمقاطعات‭ ‬ألبرتا‭ ‬وأنتاريو‭ ‬ووصولا‭ ‬إلى‭ ‬كيبيك‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬لتغطي‭ ‬تاليا‭ ‬مساحة‭ ‬تفوق‭ ‬ثلاثة‭ ‬آلاف‭ ‬كيلومتر‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬الكندية‭. ‬ويشكل‭ ‬ذلك‭ ‬مثالا‭ ‬نادرا‭ ‬عن‭ ‬التبدل‭ ‬السريع‭ ‬في‭ ‬السلوك‭ ‬الحيواني‭ ‬لناحية‭ ‬استبدال‭ ‬صوت‭ ‬بآخر‭ ‬لدى‭ ‬أجناس‭ ‬من‭ ‬الطيور‭.‬

وفي‭ ‬دراسة‭ ‬نشرت‭ ‬نتائجها‭ ‬الخميس‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬‭”‬كارنت‭ ‬بايولوجي‭”‬،‭ ‬يصف‭ ‬عالم‭ ‬الأحياء‭ ‬كن‭ ‬أوتر‭ ‬وهو‭ ‬أستاذ‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬الشمال‭ ‬في‭ ‬مقاطعة‭ ‬بريتش‭ ‬كولومبيا،‭ ‬وزميله‭ ‬سكوت‭ ‬رامساي‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬ويلفريد‭ ‬لورييه،‭ ‬السرعة‭ ‬المذهلة‭ ‬التي‭ ‬حلت‭ ‬فيها‭ ‬النغمة‭ ‬الجديدة‭ ‬ذات‭ ‬النوتتين‭ ‬محل‭ ‬النغمة‭ ‬التقليدية‭ ‬المعروفة‭ ‬لطيور‭ ‬الدوري‭ ‬الكندية‭.‬

ويوضح‭ ‬كن‭ ‬أوتر‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬‭”‬الأمر‭ ‬أشبه‭ ‬بشخص‭ ‬من‭ ‬مقاطعة‭ ‬كيبيك‭ ‬‭(‬الكندية‭ ‬الناطقة‭ ‬بالفرنسية‭)‬‭ ‬ينتقل‭ ‬إلى‭ ‬باريس،‭ ‬فيُعجَب‭ ‬جميع‭ ‬من‭ ‬حوله‭ ‬بلكنته‭ ‬ويعتمدونها‭ ‬في‭ ‬أحاديثهم‭. ‬وفي‭ ‬غضون‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬تصبح‭ ‬لكنة‭ ‬مقاطعة‭ ‬كيبيك‭ ‬هي‭ ‬السائدة‭ ‬لدى‭ ‬سكان‭ ‬باريس‭”‬‭. ‬واستند‭ ‬الباحثان‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬إلى‭ ‬1785‭ ‬تسجيلا‭ ‬بين‭ ‬العامين‭ ‬2000‭ ‬و2019،‭ ‬أخذت‭ ‬بأكثريتها‭ ‬منهما‭ ‬وأيضا‭ ‬من‭ ‬مواطنين‭ ‬عاديين‭ ‬وكانت‭ ‬منشورة‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬متخصصة‭. ‬وفي‭ ‬مقاطعة‭ ‬ألبرتا‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬الكندي،‭ ‬كانت‭ ‬أكثرية‭ ‬التسجيلات‭ ‬تتضمن‭ ‬نغمة‭ ‬ثلاثية‭ ‬النوتات‭ ‬في‭ ‬2004،‭ ‬لكن‭ ‬بعد‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬بدا‭ ‬أن‭ ‬جميع‭ ‬ذكور‭ ‬الدوري‭ ‬اعتمدت‭ ‬الغناء‭ ‬بالنغمة‭ ‬الثنائية‭ ‬النوتات‭.‬

وفي‭ ‬2015،‭ ‬كانت‭ ‬طيور‭ ‬الدوري‭ ‬في‭ ‬سائر‭ ‬أنحاء‭ ‬النصف‭ ‬الغربي‭ ‬الكندي‭ ‬تشدو‭ ‬بنغمة‭ ‬ثنائية‭ ‬النوتات‭. ‬وفي‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬بات‭ ‬حضور‭ ‬هذه‭ ‬النغمة‭ ‬المستجدة‭ ‬قويا‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬الكندي‭.‬

وعلى‭ ‬هذه‭ ‬الوتيرة،‭ ‬قد‭ ‬تصبح‭ ‬النغمة‭ ‬الثلاثية‭ ‬النوتات‭ ‬المعروفة‭ ‬تاريخيا‭ ‬لدى‭ ‬طيور‭ ‬الدوري‭ ‬الكندية‭ ‬البيضاء‭ ‬الحنجرة‭ ‬مجرد‭ ‬ذكرى‭ ‬من‭ ‬الماضي‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لها‭ ‬سوى‭ ‬في‭ ‬تسجيلات‭ ‬علماء‭ ‬الأحياء‭.‬

وتشدو‭ ‬ذكور‭ ‬الطيور‭ ‬لتحديد‭ ‬مساحة‭ ‬سيطرتها‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬نغماتها‭ ‬تتشارك‭ ‬تركيبة‭ ‬لحنية‭ ‬موحدة‭. ‬وفي‭ ‬العادة،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬طرأ‭ ‬تبدل‭ ‬في‭ ‬نغمة‭ ‬الغناء‭ ‬فإنه‭ ‬يبقى‭ ‬محصورا‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬جغرافي‭ ‬محدد‭ ‬ولا‭ ‬يتمدد‭ ‬إلى‭ ‬الأراضي‭ ‬المجاورة‭.‬

ويقول‭ ‬كن‭ ‬أوتر‭ ‬‭”‬هذه‭ ‬من‭ ‬أولى‭ ‬الدراسات‭ ‬التي‭ ‬تظهر‭ ‬أثرا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬جغرافي‭ ‬بهذا‭ ‬الاتساع‭”‬‭.‬

لكن‭ ‬كيف‭ ‬غزت‭ ‬النغمة‭ ‬الجديدة‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬المساحة؟‭ ‬تشبّه‭ ‬النظرية‭ ‬الأكثر‭ ‬ترجيحا‭ ‬ذلك،‭ ‬بحالة‭ ‬الأطفال‭ ‬الذين‭ ‬يرددون‭ ‬أغنيات‭ ‬جديدة‭ ‬إثر‭ ‬عودتهم‭ ‬من‭ ‬مخيمات‭ ‬العطل‭. ‬فقد‭ ‬لاحظ‭ ‬العلماء‭ ‬أن‭ ‬طيور‭ ‬الدوري‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬الكندية‭ ‬المختلفة‭ ‬تتمازج‭ ‬خلال‭ ‬الشتاء‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬عينها‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬ثم‭ ‬يعود‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬منطقته‭ ‬في‭ ‬الربيع‭.‬

ويبدو‭ ‬أن‭ ‬طلائع‭ ‬ذكور‭ ‬هذه‭ ‬الطيور‭ ‬تعلمت‭ ‬هذه‭ ‬النغمة‭ ‬الجديدة‭ ‬من‭ ‬أترابها‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬في‭ ‬سهول‭ ‬ولايتي‭ ‬تكساس‭ ‬وكانساس‭ ‬الأميركيتين،‭ ‬وبات‭ ‬هذا‭ ‬المنحى‭ ‬طاغيا‭ ‬بصورة‭ ‬غامضة‭. ‬وبيّنت‭ ‬دراسات‭ ‬سابقا‭ ‬أن‭ ‬الطيور‭ ‬الصغيرة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬اعتماد‭ ‬نغمة‭ ‬غناء‭ ‬غريبة‭ ‬بعد‭ ‬سماع‭ ‬تسجيل‭ ‬عنها‭.‬

لكن‭ ‬لفهم‭ ‬سبب‭ ‬تخلي‭ ‬الطيور‭ ‬الذكور‭ ‬طوعا‭ ‬عن‭ ‬نغمة‭ ‬الغناء‭ ‬التاريخية،‭ ‬يتعين‭ ‬على‭ ‬الباحثين‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬فرضيات‭ ‬مختلفة‭.‬

ويرى‭ ‬كن‭ ‬أوتر‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التغيير‭ ‬قد‭ ‬راق‭ ‬للطيور‭ ‬الإناث‭ ‬ونقلت‭ ‬هذه‭ ‬‭”‬العدوى‭”‬‭ ‬إلى‭ ‬صغار‭ ‬الذكور‭.‬

ويقول‭ ‬عالم‭ ‬الأحياء‭ ‬‭”‬أي‭ ‬نغمة‭ ‬جديدة‭ ‬نسمعها‭ ‬تلفت‭ ‬انتباهنا‭”‬،‭ ‬مكررا‭ ‬تشبيهه‭ ‬السابق‭ ‬‭”‬الأمر‭ ‬أشبه‭ ‬بانجذاب‭ ‬نساء‭ ‬فرنسيات‭ ‬إلى‭ ‬رجال‭ ‬يتكلمون‭ ‬بلكنة‭ ‬مقاطعة‭ ‬كيبيك‭ ‬الكندية‭. ‬ينبغي‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الفرضية‭”‬‭.‬

مشاركة