
واشنطن- (أ ف ب) - في خمسينات القرن الماضي، كان محبو الطيور في كندا يتعرفون بسهولة على طير الدوري ذي الحنجرة البيضاء بفضل نغمة شدوه المميزة بنوتاتها الثلاث الختامية… غير أن تغييرا طرأ على هذه السلوك في العقود الأخيرة دفع بعلماء إلى تحليل سبب هذا التبدل السريع.
فقد اعتاد الكنديون لسنوات تقليد صوت طير الدوري هذا مع تأليف مقاطع تشبه بنغماتها تركيبة اللحن الثلاثي النوتات الخاص به. غير أن علماء أحياء لاحظوا في نهاية القرن الماضي أن هذه الطيور بدأت تظهر حسا ابتكاريا في الغرب الكندي من خلال تغيير نغمة شدوها لتصبح مكونة من نوتتين اثنتين بدل ثلاث. وفي العقدين الماضيين، باتت هذه النغمة الجديدة لدى طيور الدوري البيضاء الحنجرة تتمدد في سائر أنحاء كندا من الغرب إلى الشرق مرورا بمقاطعات ألبرتا وأنتاريو ووصولا إلى كيبيك العام الماضي، لتغطي تاليا مساحة تفوق ثلاثة آلاف كيلومتر من الأراضي الكندية. ويشكل ذلك مثالا نادرا عن التبدل السريع في السلوك الحيواني لناحية استبدال صوت بآخر لدى أجناس من الطيور.
وفي دراسة نشرت نتائجها الخميس في مجلة ”كارنت بايولوجي”، يصف عالم الأحياء كن أوتر وهو أستاذ في جامعة الشمال في مقاطعة بريتش كولومبيا، وزميله سكوت رامساي من جامعة ويلفريد لورييه، السرعة المذهلة التي حلت فيها النغمة الجديدة ذات النوتتين محل النغمة التقليدية المعروفة لطيور الدوري الكندية.
ويوضح كن أوتر لوكالة فرانس برس ”الأمر أشبه بشخص من مقاطعة كيبيك (الكندية الناطقة بالفرنسية) ينتقل إلى باريس، فيُعجَب جميع من حوله بلكنته ويعتمدونها في أحاديثهم. وفي غضون عشر سنوات تصبح لكنة مقاطعة كيبيك هي السائدة لدى سكان باريس”. واستند الباحثان في هذه الأعمال إلى 1785 تسجيلا بين العامين 2000 و2019، أخذت بأكثريتها منهما وأيضا من مواطنين عاديين وكانت منشورة على مواقع متخصصة. وفي مقاطعة ألبرتا في الغرب الكندي، كانت أكثرية التسجيلات تتضمن نغمة ثلاثية النوتات في 2004، لكن بعد عشر سنوات بدا أن جميع ذكور الدوري اعتمدت الغناء بالنغمة الثنائية النوتات.
وفي 2015، كانت طيور الدوري في سائر أنحاء النصف الغربي الكندي تشدو بنغمة ثنائية النوتات. وفي العام الماضي، بات حضور هذه النغمة المستجدة قويا في الغرب الكندي.
وعلى هذه الوتيرة، قد تصبح النغمة الثلاثية النوتات المعروفة تاريخيا لدى طيور الدوري الكندية البيضاء الحنجرة مجرد ذكرى من الماضي لا وجود لها سوى في تسجيلات علماء الأحياء.
وتشدو ذكور الطيور لتحديد مساحة سيطرتها كما أن نغماتها تتشارك تركيبة لحنية موحدة. وفي العادة، إذا ما طرأ تبدل في نغمة الغناء فإنه يبقى محصورا في نطاق جغرافي محدد ولا يتمدد إلى الأراضي المجاورة.
ويقول كن أوتر ”هذه من أولى الدراسات التي تظهر أثرا من هذا النوع على نطاق جغرافي بهذا الاتساع”.
لكن كيف غزت النغمة الجديدة كل هذه المساحة؟ تشبّه النظرية الأكثر ترجيحا ذلك، بحالة الأطفال الذين يرددون أغنيات جديدة إثر عودتهم من مخيمات العطل. فقد لاحظ العلماء أن طيور الدوري من المناطق الكندية المختلفة تتمازج خلال الشتاء في المناطق عينها في جنوب الولايات المتحدة، ثم يعود كل منها إلى منطقته في الربيع.
ويبدو أن طلائع ذكور هذه الطيور تعلمت هذه النغمة الجديدة من أترابها في الغرب في سهول ولايتي تكساس وكانساس الأميركيتين، وبات هذا المنحى طاغيا بصورة غامضة. وبيّنت دراسات سابقا أن الطيور الصغيرة قادرة على اعتماد نغمة غناء غريبة بعد سماع تسجيل عنها.
لكن لفهم سبب تخلي الطيور الذكور طوعا عن نغمة الغناء التاريخية، يتعين على الباحثين التحقق من فرضيات مختلفة.
ويرى كن أوتر أنه من الممكن أن هذا التغيير قد راق للطيور الإناث ونقلت هذه ”العدوى” إلى صغار الذكور.
ويقول عالم الأحياء ”أي نغمة جديدة نسمعها تلفت انتباهنا”، مكررا تشبيهه السابق ”الأمر أشبه بانجذاب نساء فرنسيات إلى رجال يتكلمون بلكنة مقاطعة كيبيك الكندية. ينبغي التحقق من هذه الفرضية”.
















