طفولة وسلاح وجرائم شرف – تمام عدنان

348

إعتقاد مشوّش

طفولة وسلاح وجرائم شرف – تمام عدنان

قول شائع لفرويد “أن البشر يحتوون على أناتين والهو:

*انا عليا، تمثل الفضيلة والمبادىء والضمير والعقلانية.

*و”الهو”، يمثل الغريزة الاولى، اللاوعي، المشاعر الانسانية الأساسية التي لا تعير الأخلاق والفضيلة اهمية، وتهتم للّذة وتجنب الألم.

*والأنا، التي تتمثل بالوعي الناتج عن صراع الهو والأنا العليا”. دون شك، تفسير بسيط وبدائي كهذا لا يحيط بكل جوانب النفس البشرية، ولكنه يكفي لتسليط الضوء على تعقيدها. وسواء صدقت مزاعم المدرسة الفرويدية أم كذبت، تثبت التجربة، وأساسيات علم النفس السلوكي وعلم نفس الطفولة وعلم نفس النشأة وعلم النفس الاجرامي، على أننا كبشر، بأناتينا والهو، ونفسيتنا المعقدة، تتشكل فينا خواصنا بشكل عام عبر اتحاد قائم فيما بين ما ورثناه من جينات وخواص بيولوجية من الأبوين، وبين الظروف التي تتفاعل معها. أن هذه العملية المعقدة التي تشبه رقصة ثلاثية، هذا التفاعل الثلاثي المحير، يعمل بطريقة يمكن تسميتها بـ”التصاعدية”، بمعنى أن الظروف الأولى “أحداث الطفولة” هي الأكثر أهمية من الظروف التي تليها، أي أن الظروف التي نمر بها، يزداد تأثيرها على شخصياتنا كلما عدنا إلى الخلف أكثر.. الى مراحل الطفولة.. وليس معنى هذا أننا لا نتأثر بالظروف التي تحدث عند الكبر، انما تاثرنا عند الصغر هو الاكثر اهمية وقوة وانعكاسا على شخصياتنا لاسباب تبلغ من تعقيدها استحالة ادراجها في منشور على الفيسبوك.. اكتفي بالاشارة للاسباب البديهية:

*عند الصغر، نكون أكثر عرضة للتأثر بظرف ما، لأننا لا نحوز فلترا ناتجا عن خبرة عاطفية تؤهلنا لحماية أنفسنا مما يمكن أن ينتج عن مرورنا بذلك الظرف.

* في الطفولة، نكون أكثر حساسية وعاطفية بطبيعة الحال.

* الاساس في الانسان هو الجهل، أي أننا وكلما كنا أينع عمرا، ازددنا جهلا باسباب الاحداث التي تتفاعل معنا، لذا يكون تاثرنا بها طبيعيا ومباشرا في الاغلب، لاننا سنظن بانها الوضع الطبيعي، او انه ما نستحقه او اشياء اخرى عديدة..

* لان التجربة الاولى هي الاهم والاكثر تاثيرا.

* لأن الطفل في اساسه لا يحتوي سوى “الهو” ولم تتشكل أناته العليا بنضج بعد.

*لاسباب كثيرة وكثيرة جدا اخرى..

كل هذا يحيلنا لخلاصة تعيدنا لما ذكرت في اعلاه، بان الظروف التي تتفاعل مع الانسان، تتناسب بقوة تاثيرها مع عمره بشكل تنازلي (او تصاعديا كلما صغر سنه).

فريق خاص

يحكي مسلسل mindhunter الذي تدور احداثه في الثمانينات، قصة فريق خاص من مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI يحاول اكتشاف ودراسة البواعث النفسية لأعتى القتلة المتسلسلين لمعرفة اسباب اجرامهم والافادة من هذه المعرفة بالتنبؤ بالجرائم المستقبلية وفهم الية تفكير وتصرف مرتكبيها. تلقي أحداث المسلسل الضوء على شيء بسيط جدا من هذا التفاعل، لفرقة معينة من البشر، وهم القتلة المتسلسلون، فيحاول ابطال المسلسل الرجوع لاسباب قيامهم بعملياتهم الجرمية، والتي تتعلق اغلبها بخيالات جنسية مرتبطة بالعنف او مؤدية اليه، ليتضح لابطال المسلسل، ولنا، حقيقة ان هؤلاء المجرمين، جميعهم، وفي مرحلة ما من مراحل حياتهم، مر بهم حادث او ازمة او ظرف عائلي، كان يتزامن في الاغلب مع مرحلة الطفولة، شكل فيهم الواعزات التي ادت باتحادها مع ظروف اخرى، الى ارتكاب تلك الافعال المقززة. نحن في الحقيقة لا نحتاج الى مسلسل يتناول مرضى ارتكبوا افعالا شنيعة لندرك اهمية الظروف الاولى التي تشكل هوية الانسان، ولكنها اقرب مثال حي يمكننا من رؤية النتاج الذي يمكن ان يفضي اليه مرور البشر بظروف مؤسفة في الصغر او في مراحل المراهقة. ولأن العالم كله امسى مدركا لاهمية الظروف الاولى للانسان، سعى تدريجيا للتعامل الحذر والذكي والعلمي مع الاطفال في المدارس والحضانات والبيوت والمؤسسات المختلفة، فتجد في الغرب نظاما قانونيا صارما يحدد المقبول وغير المقبول في اسلوب التربية المتبع من قبل الاباء، وتجد في كل مدرسة غربية مرشدا نفسانيا، ومعلما حذرا ومدركا للسلوكيات الايجابية والسلبية الواجب اتباعها او عدم اتباعها مع هذا الطفل او ذاك، وتجد ايضا الستتم المدرسي المصمم باكمله للتعامل مع مختلف انواع الاطفال، دون نسيان التدقيق في شواذ تصرفات افرادهم والتحري عن اسبابها، حتى ان فنلندا ذهبت بعيدا في هذا.. الى حد انها الغت الواجبات المدرسية التقليدية بحركة ثورية احدثت طفرة هائلة في تصنيفها العالمي للتعليم (اعتمدت في ذلك على نفس هذه الاسباب النفسية التي نتحدث عنها في الاساس).

واقع الامر ان كل هذه المكابدة التي اختار الغرب اتباعها في التعامل مع الاطفال، رغم تكلفتها الباهظة وتعقيدها وصعوبتها، لا تنبع من منطلقات انسانية او عاطفية في الاساس، قدر ارتكازها على عملية استثمارية متوسطة/طويلة الأمد، تحدد ملامح الغد، وشكل المجتمع، وطبيعة افراده الناتجين عن عملية الاستثمار تلك.. مما يفضى نهاية لنتائج متواترة مع مستوى ذكاء ورقي هذا النظام المتبع او ذاك، ومدى اتساقه مع ظروف اخرى كالمستوى الاقتصادي (لهذا السبب هم يرصدون مبلغا لكل فرد جديد ضمانا لحمايته مما يمكن ان يسببه الفقر) والمستوى السياسي ومستويات الامن والثقافة العامة.

اسقاط معلومات

الان، هل تنتظر مني اسقاط كل هذه المعلومات على واقعنا من باب المقارنة النمطية؟ بالتاكيد انت تفعل، وإنني لفاعل بكل تأكيد، لكني سأكتفي باسقاط صغير يحلل “لقمتي” فحسب، مخافة الاطالة اولا واشعارك باليأس ثانيا.. فاذكر لك مرشدنا التربوي الذي كان يتوعدنا ب”الصوندة” في المدرسة المتوسطة، ومعاون مدير مدرسة ابتدائية كان يضرب الرصاص في الاصطفاف، ومديره الذي يتخذ من احد الاطفال في كل اصطفاف كبش فداء يمارس عليه اساليب تعذيب واهانة لا تخطر على بال اي مجرم، واذكر لك معلمينا الذين لم يؤهلهم ولم يوفر لهم ولم يراقبهم النظام التعليمي ولم يحمهم ويحمينا، من اتباع او عدم اتباع مبادىء صحية في التعليم او ممارسات مدمرة تسهم بتشكيل وتراكم العقد النفسية وتأجيج الغضب وترسيخ ثقافة العنف وتأصيل الشعور الدائم بالخوف والدونية.. والتي تترجم نهاية، وبالاتحاد مع ممارسات ابوية مجرمة لا يحدها قانون، وممارسات مجتمعية ماسخة لمعالم طفولة الفرد وبرائته، أو الشعور الدائم بغياب الأمان بسبب الحروب الدائمة وضعف مستوى عمل مؤسسات الأمن، او مشاهد وافكار واحداث العنف التي يعاصرها احدنا مذ عهد شكل ابيه وامه، او قانون دولة ورجالات قانون يرسَخون في ذهنيتنا على انهم التهديد دائم لسلامتنا وسلامة عوائلنا.. قلت ان تلك الممارسات وبالاتحاد مع ماسبق، تترجم نهاية بزملاء مدرسة الطفولة التي اضحى عدد منهم قتلة في صفوف طرفي الصراع الطائفي المعهود، وامسى غيرهم موظفين تعسين مسلوبي الاحلام والاطماح، وذهب الدهر بغيرهم لان يصلوا الى مواصيل مؤسفة لا استطيع ذكرها..ان النتيجة المختزلة لكل هذا هي ان الواقع السيء الذي نعيشه، وواقع الاخرين الجيد الذي يعيشونه، ليس سوى نتاجا عن استثمار متوسط/طويل الاجل، استثمار يمكن ان يكون ذكيا ومتوازيا مع بنى تحتية اخرى تشكل معالم المجتمع المنتج والصحي والسعيد او الاقل تعاسة واقل مستوى من الاجرام.. او يمكن ان يكون استثمارا بدائيا وجاهلا فينتج المزيد والمزيد والمزيد من الفشل والتعاسة والاجرام والخبل والدمار واجيال مشوهة النفوس الى الحد الذي تختلط فيه على ذواتها العليا وذواتها و”الهو”، غريزة القتل، بفضيلة ارتكابها، حتى يردي الاخ اخته، والاب ابنته، لاعتقاد مشوش بحفظ الشرف.

– بغداد

مشاركة