طعنة من فصل الحانة الطويل – علي السوداني

628

مكاتيب عراقية

لم‭ ‬تكن‭ ‬الحانةُ‭ ‬مكتظةً‭ ‬،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬حالها‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬مساءات‭ ‬الخميس‭ . ‬النادلةُ‭ ‬الجميلةُ‭ ‬عبير‭ ‬تواصل‭ ‬العبث‭ ‬بشعرها‭ ‬الولّادي‭ . ‬بدت‭ ‬الليلةَ‭ ‬شهية‭ ‬ومثيرة‭ ‬،‭ ‬وعلى‭ ‬وجهها‭ ‬الرائع‭ ‬،‭ ‬ثمة‭ ‬نصف‭ ‬ابتسامة‭ ‬مُلهِمة‭ . ‬زبائن‭ ‬المكان‭ ‬مكررون‭ ‬،‭ ‬إلى‭ ‬الدرجة‭ ‬التي‭ ‬إن‭ ‬نهضتَ‭ ‬في‭ ‬تمامها‭ ‬من‭ ‬مكانك‭ ‬،‭ ‬وهاجرتَ‭ ‬صوب‭ ‬المرحاض‭ ‬،‭ ‬فقد‭ ‬تنزخُّ‭ ‬عليك‭ ‬سلةُ‭ ‬بوسات‭ ‬،‭ ‬تكفي‭ ‬لسبعة‭ ‬مجالس‭ ‬عزاء‭ ‬وثلاثة‭ ‬أعراس‭ ‬،‭ ‬وفصل‭ ‬عشائري‭ ‬متين‭ .‬

في‭ ‬المشهد‭ ‬البارد‭ ‬،‭ ‬ثمة‭ ‬امرأة‭ ‬أجنبية‭ ‬قبيحة‭ ‬،‭ ‬صحبةَ‭ ‬رجلٍ‭ ‬بدينٍ‭ ‬بدا‭ ‬أنه‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬سيلان‭ ‬أنفه‭ ‬الطويل‭ ‬،‭ ‬فكانت‭ ‬سمفونية‭ ‬التمخيط‭ ‬المنفّر‭ ‬،‭ ‬إحدى‭ ‬أهمّ‭ ‬علامات‭ ‬المائدة‭ ‬،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تبعد‭ ‬عن‭ ‬وجهي‭ ‬سوى‭ ‬نفحة‭ ‬دخان‭ ‬يتلوّى‭ ‬،‭ ‬ويرتفع‭ ‬معها‭ ‬مخاط‭ ‬الكائن‭ ‬وبرودة‭ ‬وجه‭ ‬الزوجة‭ .‬

لأسبابٍ‭ ‬غامضةٍ‭ ‬،‭ ‬رفع‭ ‬الزوجان‭ ‬كأسيهما‭ ‬بصحّتي‭ ‬العامرة‭ ‬،‭ ‬فرددتُ‭ ‬عليهما‭ ‬بالمثْلِ‭ ‬،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنني‭ ‬كنتُ‭ ‬أتمنّى‭ ‬،‭ ‬أن‭ ‬يصابَ‭ ‬الرجل‭ ‬بمفتتح‭ ‬جلطة‭ ‬قلبية‭ ‬،‭ ‬فتأتي‭ ‬شاحنة‭ ‬الإسعاف‭ ‬وتنقلهُ‭ ‬إلى‭ ‬المشفى‭ ‬،‭ ‬فتنتهي‭ ‬معزوفة‭ ‬المخاط‭ ‬القاتلة‭ .‬

في‭ ‬الليالي‭ ‬التي‭ ‬يكونُ‭ ‬فيها‭ ‬جيبي‭ ‬ناشفاً‭ ‬من‭ ‬عطر‭ ‬الدنانير‭ ‬،‭ ‬تتولّى‭ ‬عبير‭ ‬النبيلةُ‭ ‬زقّي‭ ‬بكؤوسٍ‭ ‬من‭ ‬عرَقٍ‭ ‬رخيصٍ‭ ‬،‭ ‬لا‭ ‬يخلّف‭ ‬عليَّ‭ ‬والمكان‭ ‬أيَّ‭ ‬كدمات‭ ‬مؤثرة‭ .‬

منظرٌ‭ ‬آخرَ‭ ‬لا‭ ‬يقلُّ‭ ‬بشاعةً‭ ‬عن‭ ‬مرأى‭ ‬الطاولة‭ ‬المجاورة‭ ‬،‭ ‬وبطلهُ‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬رجلٌ‭ ‬بدا‭ ‬أنه‭ ‬يدقُّ‭ ‬وتداً‭ ‬قوياً‭ ‬بباب‭ ‬الستين‭ . ‬كان‭ ‬الستّينيُّ‭ ‬ينشجُ‭ ‬على‭ ‬موقعة‭ ‬فريد‭ ‬الأطرش‭ ‬‭ ‬علَشان‭ ‬مليش‭ ‬غيرَكْ‭ ‬‭ ‬وكانت‭ ‬عبّورة‭ ‬الطيبة‭ ‬،‭ ‬تنشّف‭ ‬مبتدأ‭ ‬دمعاته‭ ‬بوساطة‭ ‬مناديل‭ ‬ورقية‭ ‬خشنة‭ ‬،‭ ‬معمولة‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬صنف‭ ‬ورق‭ ‬المراحيض‭ .‬

في‭ ‬واحدٍ‭ ‬من‭ ‬الكؤوس‭ ‬المجّانية‭ ‬المتأخرة‭ ‬،‭ ‬سألتُها‭ ‬عن‭ ‬سرِّ‭ ‬بكاء‭ ‬هذا‭ ‬المخلوق‭ ‬التعيس‭ ‬،‭ ‬قالت‭ ‬هذا‭ ‬يحبُّها‭ ‬حدَّ‭ ‬الجنون‭ ‬،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬غزوةٍ‭ ‬للحانة‭ ‬،‭ ‬يقترح‭ ‬عليها‭ ‬الزواج‭ ‬فترفض‭ ‬،‭ ‬ويستمر‭ ‬هو‭ ‬بتسييح‭ ‬الدموع‭ ‬فوق‭ ‬وجنتيه‭ ‬المنطفئتين‭ .‬

المشهد‭ ‬يتآكل‭ ‬وصلةً‭ ‬بعد‭ ‬وصلة‭ ‬،‭ ‬ولوحة‭ ‬ابراهيم‭ ‬العبدلي‭ ‬البديعة‭ ‬‭ ‬كلُّ‭ ‬بغداد‭ ‬‭ ‬بدأتْ‭ ‬تخسرُ‭ ‬بعضَ‭ ‬أثاثها‭ ‬الكثير‭ ‬،‭ ‬أمّا‭ ‬أنا‭ ‬فما‭ ‬زلتُ‭ ‬أفكّر‭ ‬في‭ ‬تعديل‭ ‬جُملتي‭ ‬:

زرَعْتُ‭ ‬عينَيَّ‭ ‬في‭ ‬حقيبةِ‭ ‬مسافرٍ

كي‭ ‬يرى‭ ‬بغدادَ‭ . 

مشاركة