طبيخ بنكهة عراقية – ماجد عبد الرحيم الجامعي المياحي

327

طبيخ بنكهة عراقية – ماجد عبد الرحيم الجامعي المياحي

للطبخ اسرار لا يفك شفرتها الا الطباخ البارع وربات البيوت العاقلات .. ولا سيما ( الدولمة ) التي اشتهرت بها مطابخ ومطاعم العراق بين بلدان العالم كما ذاع صيت ( السمك المسكوف ) على ضفاف نهر دجلة الخالد .. وانك لو تذوقت تلكما الاكلتين الاصيلتين بعد تجهيزهما بايد غير عراقية لما احسست بذات الطعم على ايد عراقية ماهرة …

على كل حال لا اريد هنا ان اتقمص شخصية معلم الطبخ ومؤلفي كتب( لك سيدتي) و ( تعلمي الطبخ في سبعة ايام ) وغيرها من المؤلفات ،كما لا اريد ان اضع بين يدي القارىء المواد التي تصنع منها ( الدولمة ) وكيفية طبخها فالجميع عارف بمفرداتها ومستذوق لطعمها ونكهتها المتميزة ،ولكني ارى فيها دلالة اخرى على التنوع الجميل بين مكونات الشعب العراقي وفسيفسائه الجميل واطيافه الحميمية في علاقاتها الاجتماعية وتواصلها الانساني …

ولو جئنا ندقق النظر بمحتوى هذه الاكلة الراقية التي يسيل لها اللعاب لوجدناها انها مؤلفة من محاصيل زراعية جادت بها ارضنا المعطاءة ولحوم ظفرت بغذاء امتصته خلاياه من خصب وادي الرافدين (ارض السواد) وتشبعت جميعها بملح التربة الغالية وان تلونت تلك المحاصيل بالوان الطيف السماوي ،وكلها تحتوي من المواد الغذائية ما تعجز عن جمعه معاشب الارض وصيدلياته في جرعة واحدة …

هذه الكينونة تتشابه مع كينونة اسم العراق الذي تجتمع تحت رايته الخفاقة اديان وقوميات وولاءات عشائرية واحزاب وكتل وكيانات وتنظيمات ادارية ومنظمات مجتمع مدني ،واذا سألت أي من المنتمين لتلك التشكيلات لاجابك على الفور (انا عراقي) .. واذا سألت ربة البيت او عامل المطبخ عن حزمة المواد التي كف علــــــى جمعها في لفائف بشـــــــكل منسق ويضــــــعها على نار هادئة ،فيجيبك على الفور انها ( الدولمة ) …

ولو تصفحنا التاريخ العراقي لما ابتعدنا عن ثوابت ملؤها القدسية تدخل شخصية العراقي وبنائه الجسدي والنفسي لتجعل منه متفردا بين الناس على ارض الله الواسعة ،ومتميزا بصفات الشجاعة والكرم والنخوة وحفظ العرض والارض وان تطلب ذلك تقديم الشهداء على مذبح الحرية ،وهذا ما لا نجده مجتمعا في شخصية العراقية وذلك بفعل العولمة وسقوط القيم ونزوع الغالبية نحو المصالح الضيقة وتسيد الدولار وشيوع الكراهية …

وفي المـــــقابل ،يمكنك دخول مطـــاعم الغرب والعرب التي تقدم الاكلات العراقية ،وتطلب من النادل ان يعد لك وجبة غذاء تتقدمها الـ ( دولمة ) وان اختلفت في تسميتها عندهم ،ولكنك ما ان تتذوق طعمها الا وتعلم الفارق الواضح بين طعمها في المطبخ الاجنبي وطعمها في مطعمنا العراقي . بالرغم من تشابه المحتويات وتوافق اجهزة ومعدات الطبخ بسبب منشأ الخضروات واللحوم والرز والمطيبات المحشوة بها والاهم من كل ذلك ان ربة البيت الطابخة لعيالها وضيوفها في العراق تتميز بـ ( نفسيتها ) كما يقال عندنا …

فلنكن على الدوام كما ارادنا الله سبحانه مجتمعين على الخير وان توزعت بيننا الاديان والمذاهب والقوميات ،ولتتعزز وحدتنا الوطنية مصدر قوتنا ولنعمل على تعميق ارتباطنا بالارض ونعيد ما ضاع من علاقات وثيقة تشيع بيننا الثقة والحب الذي حاول الاعداء في الداخل والخارج زعزعة اواصرنا المتينة باستعمار وهجمات ارهابية وكتل متناحرة …

ولتتخذ من الـ ( دولمة ) مثالا وقدوة حسنة ،ولا تستغرب من دعوتي هذه فاستغرابك يزول حينــــما تتفحص مكونات لفة (الدولمة) وتعلم بأثر الطباخ والطـــــــباخة في تلك الصناعة الشـــــعبية المطــــــعمية لافواه العراقيين !!

مشاركة