

الموصل – أحمد الحاج
في زمن تتسارع فيه التحولات العلمية وتتداخل فيه التخصصات الدقيقة مع أبعادها الإنسانية، تبرز الدكتورة تقى طارق محمد علي الهاشمي بوصفها نموذجاً للطبيبة التي لا تكتفي بممارسة المهنة كإجراء تقني، بل تعيد صياغتها كرسالة معرفية وإنسانية تتقاطع فيها الخبرة الأكاديمية مع الحس الثقافي العميق. فهي تنتمي إلى جيلٍ من الأطباء الذين تشكلت تجربتهم في بيئةٍ عراقيةٍ غنيةٍ بالتحديات، فكان العلم بالنسبة لهم خياراً واعياً ومشروع حياة.
ولدت الهاشمي في مدينة الموصل عام 1986، المدينة التي حملت تاريخاً طويلاً من التعدد الثقافي والحراك العلمي، فانعكس ذلك على شخصيتها منذ مراحلها الدراسية الأولى. فقد بدأت مسيرتها العلمية الأولى عندما تخرجت في روضة الأزاهير ـ حي البريد ـ في الموصل عام 1989.، ثم تخرجت في مدرسة عبدالقادر العبيدي الابتدائية (الزنابق سابقا) عام 1995، بعدها تخرجت في متوسطة الزهور للبنات في حي الزهور عام 2001، حتى أكملت مسيرتها التربوية عندما تخرجت في اعدادية الطلائع في حي القادسية للفرع العلمي عام 2004 بتفوق عال جداً. هذا وقد تشكلت ملامح شغفها بالمعرفة مبكراً، قبل أن تتجه إلى دراسة طب وجراحة الفم والأسنان في كلية طب الأسنان بجامعة الموصل، المؤسسة الأكاديمية التي صقلت مهاراتها العلمية وأرست الأساس المعرفي لمسيرتها المهنية عند تخرجها عام 2009 بتقدير جيد جداً.
شغلت منصب طبيبة أسنان مقيمة دورية، ثم قدمى في مستشفى الموصل العام ومستشفى ابن سينا التعليمي، لتؤكد حضورها ضمن بيئة طبية تعليمية تسهم في نقل الخبرة وتعزيز الممارسة المهنية. لم تتعامل مع شهادة البكالوريوس بوصفها نهاية الطريق، بل اعتبرتها نقطة انطلاق نحو تخصص أدق وأكثر تعقيداً؛ فواصلت رحلتها العلمية عبر سلسلة من الدبلومات المهنية التي شملت زراعة الأسنان وتقويمها والتجميل اللا جراحي، إضافة إلى دبلوم تدريب المدربين في قطاع الرعاية الصحية الأولية، وهو ما يعكس وعياً مبكراً بأهمية التعليم المستمر وتبادل المعرفة. وقد تُوج هذا المسار بالحصول على شهادة الماجستير في صناعة الأسنان والتعويضات الوجهية عام 2026، وهو تخصص يجمع بين الدقة الطبية والحس الجمالي، ليجسد التقاء العلم بالفن في أبهى صوره.
على الصعيد المهني، اتسمت تجربة الدكتورة تقى بالتدرج المتوازن بين العمل السريري والخدمة المجتمعية. فقد بدأت طبيبةً مقيمة في المركز التخصصي لطب الأسنان الأيسر في الموصل، ثم واصلت عملها في قطاع الرعاية الصحية الأولية في تلعفر، ثم العمل في الجانب الأيمن من الموصل، حيث عايشت عن قرب احتياجات المجتمع الصحية وتحدياتها. لاحقاً، لا يمكن قراءة تجربة الهاشمي بمعزل عن بعدها الإنساني؛ فقد مرت بمحطات شخصية قاسية، لكنها استطاعت تحويل الألم إلى دافع للإنجاز والعطاء، فكان العلم بالنسبة لها وسيلة للترميم الداخلي كما هو أداة للشفاء الخارجي. هذا البعد الإنساني انعكس بوضوح في تعاملها مع مرضاها، حيث تنظر إلى الممارسة الطبية باعتبارها علاقة ثقة وتواصل قبل أن تكون إجراءً علاجياً.
إلى جانب نشاطها الطبي، تشارك في المؤتمرات والندوات العلمية، وتسهم في مبادرات المجتمع المدني المتعلقة ببناء العلامات الطبية الاحترافية والعمل الإنساني، وقد نالت العديد من كتب الشكر والتقدير تقديراً لإسهاماتها المهنية والمجتمعية. كما تمتلك ميولاً ثقافية واضحة، إذ ارتبطت بالقراءة والكتابة منذ سن مبكرة، ونشرت أولى مقالاتها في جريدة الحدباء الموصلية، فضلاً عن اهتمامها بتصميم الديكور الداخلي، وهو اهتمام يعكس حساً جمالياً يتقاطع مع تخصصها في صناعة التعويضات الوجهية.
في الختام لا يسعنا إلّا أن نقول أن الدكتورة تقى طارق الهاشمي مثالاً للطبيبة التي استطاعت أن توحد بين العلم والإنسانية، وبين الدقة الأكاديمية والرؤية الجمالية، لتؤكد أن الطب ليس مجرد مهنة تُمارس، بل تجربة معرفية وإنسانية تُعاش وتُصاغ باستمرار.



















