طاقات فنّية رحبة في فضاء التّجريد

التشكيلي ياسين عزيز

طاقات فنّية رحبة في فضاء التّجريد

صبري يوسف

افتتح معرض الفنّان التّشكيلي ياسين عزيز برعاية المركز الثَّقافي العراقي في السُّويد، وسط نخبة من الفنّانين والكتّاب والشُّعراء والصّحافيين ووسائل الإعلام المختلفة المرئيّة والمكتوبة، مساء يوم السَّبت المصادف 25. 10. 2014 بكلمة تعريفيّة مقتضبة قدّمها الأستاذ نجم خطّاوي حول تجربة الفنّان وأساليبه المتعدّدة، ثمَّ قدَّم بدوره سعادة سفير جمهوريّة العراق الأستاذ بكر فتّاح حسين، فقدَّم كلمة مختصرة ومعبّرة حول المعرض، كما ألقى رئيس المركز الثّقافي العراقي الجّديد الدّكتور علاء أبو الحسن إسماعيل كلمة أشار فيها إلى أهمِّيّة الفنّ والإبداع في حياة الشُّعوب، مركّزاً على ضرورة رعاية الإبداع والمبدعين،

 ثمّ ألقى السَّيد ضياء كريم كلمة الاتّحاد الدِّيمقراطي الكردي الفيلي وقد أشادَ بالأعمال الفنّية للفنّان المبدع ياسين عزيز، كما ألقى بعض الفنّانين والفنّانات كلمات قصيرة أثناء توزيع باقات الورود للفنّان الّذي حمل عنوان معرضه “كَولاه ني” ويعني تحديداً غطاء رأس المرأة الكرديّة الفيليّة بنقوشه ووروده الجّميلة، هذه المرأة الَّتي قاومت وما زالت تقاوم الطُّغاة حتَّى الآن، وقد عبّر المعرض عن المجازر الَّتي تعرّض لها الأكراد الفيليين وغيرهم من الكرد وكافّة القوميات الأخرى العراقيّة ابتداءً من الكلدو آشور السُّريان كما رأينا مؤخّراً، مروراً باليزيد والتّركمان والشّبك وإنتهاءً ببقيّة شرائح الشَّعب العراقي الأصيل من قبل الطُّغاة والمجموعات التّكفيريّة المستولدة من رحم الطُّغاة.

***

تعرّفتُ على الفنّان ياسين عزيز منذ قرابة عقدين من الزّمن، فهو يتميّز بطاقات فنّية رحبة في تجسيد لوحاته التَّجريديّة، حيث نراه يداعب بريشته تشكيلات لونيّة ترقص فرحاً كأنّها مرتكزة على موسيقى ممتدّة من حفاوة الأرض والماضي البعيد، تبدو وكأّنّها تسمو نحو الأعالي، يترجم مشاعره وأحلامه وحنينه اللَّوني في تشكيلات لوحاته الشَّفيفة من وحي حالات إنسانيّة وقيم سامية، مركّزاً على موسيقى لونيّة، معتمداً على التّجريد المرموز، فتبدو ألوانه في الكثير من لوحاته خاصّة التّجريديّة منها، كأنّها رسائل فرحيّة يقدِّمها لإمتاع نظر المشاهد، والفنّان عزيز معروف بجنوحه المميّز نحو فضاءات التّجريد بأسلوب شفيف، ومعروف بغزارة أعماله وتنوّع تشكيلاته ومواضيعه، حيث يريد عبر أعماله أن يقدِّم لنا فكرة ما في مخيّلته وتجربته معاً، وقد يتلقَّاها المشاهد ولا يفهم مضمونها أو مغزاها لأنَّ تشكيلاته متفرّعة وغير مرتكزة على أطر محدّدة لأنَّ قراءة اللّوحة التَّجريديّة بالأساس مفتوحة للمشاهد على أكثر من تحليل أو تفسير وهو أي المشاهد يترجم ألغازها وألوانها وتشكيلاتها كما يشاء أو كما توحي إليه بطريقةٍ أو بأخرى.

توقّفت طويلاً عند التَّوازن اللَّوني عند ياسين عزيز ولفتت انتباهي مهاراته في خلق هارموني لوني في تكوين اللّوحة، وتمنحني لوحته حالة أمل أشبه ما تكون إضاءة مساحات الحزن الَّتي تغلِّف حياة المرء فهو يسعى إلى ترجمة مشاعره التَّواقة إلى إشراقة الغد الآتي وخلق حالات فرحيّة للمتلقِّي من جهة ولنفسه من جهة أخرى، لأنَّ صراعات ومرارات الحياة الَّتي يمرُّ بها المرء والعذابات والسُّجون الَّتي مرّ بها خلال وجوده في الوطن الأم ونفيه إلى إيران، دفعته إلى البحث عن أسباب هذه المآسي والمرارات وخلقت عنده حالة مضادّة للألم في الكثير من لوحاته، مركّزاً على جماليّة الفن كي يخفِّف من أحزاننا وأحزانه وكي يضيء لمشاهديه فسحةً رحبة من الأمل الّذي ينمو في داخله ويبدو أنّه مشبَّع بالألم والعذاب حتّى الثُّمالة، لهذا تولدُ لوحاته من رحم رحلاته المريرة في وطنه المعتَّق بالعذاب.

يستقبلنا المعرض بلوحة كبيرة متوّجة بألوان متناغمة ومتداخلة بألوان متماهية ما بين آهات وآمال الفنّان الَّتي يعكسها على مساحات اللَّوحة، الّتي أخذت صدر الجِّدار، إمرأة تحمل طفلاً مقمّطاً بالعذاب، وخلفها طفلاً آخر يحتمي بها، تنظر نحو الأمل القادم، ومن وراء الأفق نجد ضوءاً يشقُّ عنان السَّماء، وكأنّه جزء من أحلام هذه المرأة الّتي تنتظره منذ زمنٍ بعيد، وعلى اِمتداد عمق الوادي نجد مجموعة من النّاس، هل هم القوّة القادمة لإنقاذها أم مَنْ هم بالضبط؟ يطرح الفنّان عبر لوحاته تساؤلات مفتوحة للمتلقِّي، فيتركنا مذهولين بهذه التّرميزات المعبّرة بتقينات لونيّة بديعة.

يجسِّدُ الفنّان عبر الـ “كولاه ني”، غطاء رأس المرأة الكرديّة، عدداً من لوحاته، ففي إحدى لوحاته يظهر نصف وجه المرأة، معبّراً عن الأمل القادم، ويغطّي الوشاح القسم الآخر من الوجه، اصفرارٌ فاتح مغبّش بحزن من جهة اليسار، وتمازجات لونيّة من اليمين، فيها بياض خفيف وشعر المرأة يتدلّى على كتفها وكأنّه يشتعل بألسنة الشّوق في نهايات ضفائرها، ونرى على مساحات صدرها خطوطاً ومنحنيات بيضاء  تشبه خيوط الأمل المرتسم في رؤية الفنّان للأيَّام القادمة، تاركاً فسحة من تداخلات البنّي القاتم والأسود المشحون بعنفوان الخروج من كلِّ هذا الضَّجر من خلال فسحة الضَّوء المنبعث في أسفل اللَّوحة، وكأنّه يقدّم لنا عبر لوحته بشائر أملٍ للخلاص من القتامة والعذاب والقمع آملاً بنهارات بيضاء قادمة!

وفي لوحة أخرى نرى وجه إمرأة مغطّى رأسها بـ “كولاه ني”، منقوش بالأصفر والأحمر والأسود، وعلى وجهها يطغى إزرقاق ساطع مع توشيحات لونيّة مجنّحة ببياض خفيف ممتدّ على مدى عنقها الشّامخ رغم الاشتعال الباذخ حولها، فقد طرّز حولها تدفُّقات ألوان حمر ضاربة نحو شراهات الإشتعال، تاركاً مساحة صفراء فاتحة في منتصف وأسفل اللَّوحة، كأنّه يريد أن يعمّد كلّ هذه الدِّماء المشتعلة بضياء إصفرار أشعة الشّمس المطلّة على وجنة الوطن!

وينتقل عبر لوحة أخرى إلى تجسيد حالة عناقيّة بين إمرأتين، تحلّقان في أوج الأمل، مستبشراً بإنتصار إرادة المرأة المتعاضدة مع بقيّة النِّساء من بني طينها، لتحقيق الآمال المنشودة، حيث نرى مساحة أمل كبيرة تحتضن وجهَي المرأتين المرتديتَين الـ “كَولاه ني”، مركّزاً هذه المرّة على نقوش وأزاهير بيضاء وتوشيحات صفراء وزرقاء فوق هذا الـ “كولاه ني”، الجَّميل. ومتربّعتان فوق إرادة البقاء من خلال تتويجهما بهذه الموتيفات الصَّفراء المنسابة كانبعاثات وهج الشّمس، المرتكزة على إرادة وآمال الفنّان الّتي تتراءى له مثل حلمٍ متعانق مع تباشير الغدِ المشرق القادم. تشكيل مرهف في ترجمة حالة انتظار لمرأة غارقة في الهموم، عبر لوحة مفعمة بإشراقات الأمل، جاء التَّشكيل اللَّوني فيها مزداناً بألوان شفافة تشبه مداعبات الطُّفولة في بعض منعرجاتها، مركّزاً على بياضٍ وإخضرارٍ على أغلب مساحات اللَّوحة، مع التَّركيز على شهقات الإسوداد، لإبراز بياض ونضارة وجهٍ ممزوجٍ بألقِ التّحدِّي، راسماً خلفيّة اللَّوحة برهافة تجريديّة منسجمة مع تشكيل المرأة، ألوان هادئة مستنبتة على أغلب مساحات اللَّوحة، فجاءت منسجمة مع غنى لوني ممهور بتجلِّيات صوفيّة، تبدو المرأة وكأنّها في حالة إنتظار رذاذات المطر وبدايات تفتّحُ براعم أزاهير الرَّبيع.

استخدم الفنّان عدّة تقنيات وأساليب في رسم لوحاته، ففي لوحة تبدو في وسطها إمرأتان واقفتان، متساندتان، يجمعهما حوار دافئ وعميق، عالج الفنّان تقنيات جديدة في هذه اللّوحة، فنرى انسيابيّة لونيّة وكأنّنا في بحر، تسبحُ من حولنا الأسماك، وتتداخل مع المرأتين ومع تشكيلات اللَّوحة، فجاءت اللَّوحة معبِّرة تعبيراً عن اِنبعاث حيويّة الحياة حتَّى في الجّماد الَّذي يحيط بالمرأتين، مستخدماً ألواناً بَحْريَّة زرقاء ومنحنيات مع عوالم التَّشكيلات مع إضاءات لتركواز جميل منساب مع حيويّة حركة الأسماك، ألوان متعشّقة مع بعضها، كأنّها اِمتدادات عفويّة لبقع زيت لونيّة طافحة على وجه المياه، ناثراً حفاوة الإصفراء مع البرتقالي وتوشيحات لونيّة بيضاء متداخلة مع شهقات بنّية في تشكيل يزهو نحو ألق الأحلام النّاضحة من رهافة خيال الفنّان.

ينحو الفنّان في إحدى لوحاته نحو رحاب التّجريد، فيرسم تشكيلاً مضمّخاً بتماهيات تجريده، متوِّجاً رأس إمرأة ببياض ناصع يعلوه إزرقاقٌ فاتح ضارب لتماوجات فضّيّة، وكأنّه يريد أن يشكِّل هلالات إمراة سابحة في السّماء أو محلّقة في بحبوحة الحلم، وهي غارقة في أطرافها بإحمرار غامق حتّى خاصرتها وكتفيها، لكنَّ هناك انقشاع الإحمرار إبتداءً من جذعها حتّى أخمص القدمين، ناثراً إصفراراً ممزوجاً بشهوة بنّية فاتحة ثمَّ فرش على اِمتداد جذعها توشيحات زرقاء مع هلالات بيضاء. تبدو اللَّوحة بهذا الإيقاع اللَّوني كأنّها حالة حلميّة، يتخيّل الفنّان وهو يرى المرأة تحلِّق عالياً، بحثاً عن زرقة السَّماء في صباحٍ معبّق بنداوة النَّسيم.

ينتقل الفنّان في تقنياته، راسماً لوحة تجريديّة بألوان هادئة وحالمة، يطغى الإخضرار الفاتح، الفستقي على أغلب مساحات اللَّوحة،  مستعملاً تشكيلات أوراق شمعيّة بأسلوب الكولاج، كأنّها أشخاص متعانقة، غلب عليها بياض موشّح بشطحات صفراء واِخضرار شفيف، ثمَّ تدفَّقَ من منتصف اللَّوحة من جهة اليمين تدفُّقاً بنّيَّاً غامقاً، يعبر فضاء اللّوحة، فخفّف من هدوء اللَّوحة ومنحها تضادَّاً لونيِّاً ليبرز شفافيّة الألوان الخفيفة، ورسم ستّةَ مربّعات زرقاء غامقة في أعلى التَّدفّق البنّي، كلّ ثلاثة مربّعات على طرف، فجاءت هذه المربَّعات كأنّها تشكيل لنافذة أو باب يطلُّ من خلاله إلى نضارة الإخضرار الّذي فرشه على تدفُّقات خيوط الحنين إلى ربوع الوطن.

وفي صدر المعرض نجد لوحة كبيرة، فيها تداخلات لونيّة منسجمة مع تحليقات لونيّة باذخة في تماهياتها مع إنسيابيّة اللَّوحة، يتخلَّلها مربّعات على أغلب مساحات اللَّوحة، أعطت هذه المربّعات الَّتي رسمها بألوان متعدّدة كأنّها منمنمات زخرفيّة لتحفة فنّيّة، فجاءت مريحة للعين ومهدّئة للأعصاب، تمنحنا فسحة للراحة من غور الجّراح وأنين الألم.

يتميز الفنّان ياسين عزيز بنظافة لونه وتجلِّيات صوفيّة نحو صفاء الرُّوح، ويشتغل على إبرازِ حفاوة اللَّون وبهاء اللَّوحة، حتّى وهو يجسّدُ جراح الوطن وجراح الأمّهات، إنّه مفطور على نضارة اللّون، الّذي ينبثق من عوالمه الصّوفيّة الجُّوَّانيّة، وكأنّه يستقي ألوانه من رحيق الأزاهير الغافية فوق غابات الرُّوح!

وفي لوحة منبثقة من خفايا الذَّاكرة، نجدُ فيها الكثير من التّرميز، حيث رسم إمرأة بلا رأس وفوقها تفّاحة،  يحيط بالمرأة بياض وإلى يمينها رسمَ عشرات التُّفّاح، فهو يرمز عبر هذا التَّشكيل إلى أنَّ المرأة من كثرة فقدانها لبنيها ووطنها أصبحت أشبه ما تكون بالمرأة الّتي وصلت إلى سنِّ اليأس وفقدت شهيّتها للحياة، حيثُ يعتبر التّفاحة رمزاً للحياة والخصوبة والعطاء، ولا نرى للمرأة رأساً، مجسِّداً للمشاهد إلى أيّة درجة ذاقت المرأة مرارة الحياة وفقدت شهيّة الحياة، وبقيت هكيلاً بلا حياة! وهو بعمله هذا يعكس مرارة الشَّعب العراقي والكردي الَّذي تعرّض لويلات متلاحقة على مرِّ السّنين حتّى الوقت الرّاهن!

وفي لوحة يطغى عليها اللَّون الأزرق والأصفر، نرى إمرأتَين بلا رأسين، فهو يشير إلى عدم وجود هويّة لهما، لأنّهما مقتلعتان من جذورهما، وتشير التُّفاحتان إلى اللاحياة، إلى فقدان الوطن والهويّة طالما هما على مقربة من الوطن ولا حياة لهما فيه، مجسِّداً المرحلة الَّتي كان منفيّاً من العراق إلى إيران، فترجم هذه المشاعر عبر هذه اللَّوحة عن المصاب الأليم الَّذي حلَّ بالمرأة والإنسان الكردي الفيلي، وبهذا يكون الفنّان قد جسّد الألم العراقي والكردي ووضع مجسّات ريشته وآفاق رؤاه على الجِّراح الغائرة، ورسم لوحات من وهج انبعاثات روحه وقلبه وخياله الجّامح نحو الأمل المشرق على مساحات أرض الوطن.

***

قدَّم الفنّان المتأّلّق ياسين عزيز عبر لوحاته متعةً فنّية وأملاً وفرحاً للمتلقّي عبر جماليّة تشكيل اللَّوحة حتّى ولو كانت تعبيراً وإنعكاساً لحالة الألم والحزن الّذي نراه يتفاقم يوماً بعد يوم فوق جفون ومآقي العراق وشعب العراق، وقد إستطاع الفنّان أن يجسِّد هذا الألم والحزن والجّراح  في الكثير من فضاءات تشكيلاته اللَّونيّة، كأنّه في حالةِ بحثٍ دائم عن الأمل والحرّيّة لتحقيق طموحات شعبه ووطنه عبر تطلُّعات آفــــاقه الإبداعيّة الفسيحة.

الفنّان ياسين عزيز في سطور

مواليد العراق، بغداد 1963

خرّيج أكاديمية الفنون الجّميلة من طهران – ايران عام 1987

قدّم العديد من المعارض الفرديّة منها: خانة آفتاب (بيت الشّمس) طهران عام1989

جامعة الفنون – طهران عام 1992

ABFستوكهولم عام 1989

ABFستوكهولم عام 1999

MKBمالمو عام  2000

شيستا غاليري، Kista Gallery، ستوكهولم عام 2004

غاليري كاظم حيدر، ستوكهولم 2014

شارك في المعارض الجّماعية التّالية:

خانة آفتاب (بيت الشّمس) طهران عام 1988

معرض الطَّبيعة والزُّهور في معرض طهران الدَّولي 1990

المتحف الوطني للفن المعاصر – طهران 1990

خان سورة – طهران 1991

شارك سنويّاً مع مجموعة الفنّانين العراقيين في قاعة الفنون في هوسبي منذ عام 2000 ــ 2014

عضو جمعية الفنّانين التّشكيليين العراقيين في السُّويد.

{أديب وتشكيلي سوري مقيم في ستوكهولم

محرّر مجلّة السَّلام

[email protected]

مشاركة