ضعف السلطة ودولة الخروفين – عبد المنعم حمندي

ضعف السلطة ودولة الخروفين – عبد المنعم حمندي

تستمد الدولة قوتها من الشعب  دائماً،  ولا تضعف الا عندما تبتعد عنه وتفقد ثقته بها ومصداقيتها عنده ، ويحدثنا التاريخ :دخل  المغول بغداد  عند انهيار قوة الدولة العباسية وتفككها ولو لم تكن الدولة ضعيفة لما غزاها المغول ، وبعد أن غادر المغول بغداد وخرج منها ، جيش تيمورلنك عام 804 للهجرة /1401 للميلاد ، أصبح العراق يعيش في فوضى ، لأن تيمورلنك ترك البلاد وذهب إلى عاصمة ملكه سمرقند ، وقد استغلت قبيلة رعوية هذه الفوضى ودخلت بغداد واستولت على السلطة فيها عام813  للهجرة 1411 للميلاد ، وسميت هذه الدولة “دولة الخروف الأسود ـ قره قوينلو” . وجاءت هذه التسمية بسبب اشتهار قبيلة هذه الدولة باقتناء الخراف السود. وكانت هذه القبيلة  محط حسد قبائل رعوية أخرى لما توفرت عليه من جاه ومال وسلطة ومُلك  ، فطمعت بها قبيلة أخرى وهجمت على بغداد واستولت على السلطة فيها عام 890 للهجرة 1488 للميلاد ، وسميت هذه الدولة “دولة الخروف الأبيض ـ آلاق قوينلو”

 ، وفرضت نفسها على الشعب العراقي ، لكنها ظلت منبوذة من قبله كسابقتها دولة الخروف الأسود . ولذلك عندما جاء الشاه اسماعيل الصفوي إلى العراق ليضمه إلى امبراطوريته عام 910 للهجرة 1508 للميلاد ، لم يجد مقاومة تذكر ، فسقطت دولة الخروف الأبيض،  وألحق العراق بالدولة الفارسية من دون عناء . لكن دولة الخروف الأسود ودولة الخروف الأبيض ، لم تختفِ من الوجود ، بل ظلت كامنة تحت رماد الواقع العراقي الذي يشبه الرمال المتحركة .  لم يحظ الغزاة والمحتلون بثقة الشعب ولا برضا ومحبة العراقيين  على مر العصور !

والآن بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. لم تتأسس ثقة ولا أي مودة بين الشعب والسلطة بشقيها التشريعي والتنفيذي  ، فقد أدى انعدام الثقة إلى انتشار الفساد وتدمير الدولة العراقية وتدمير مؤسساتها وتشجيع النعرات الطائفية والعرقية .  تركيبة مجتمعنا تجعل دولة الخروف الأسود ودولة الخروف الأبيض ذات قابلية للوجود في أي وقت . ومكمن هذا الخلل هو النزعة الطائفية المتأصّلة في وجدان الطائفيين الغلاة الذين يتصدرون المشهد بدعم الأجنبي ، غير ان الواقع بخلاف ذلك ، فلا توجد طائفية في المجتمع العراقي ولكن وجود الغلاة المتطرفين  اشاع ثقافة الصراع من أجل البقاء ، فبعض من أبناء  كل طائفة يرون أن الوطن ينتهي عند انتهاء حدود طائفتهم ، وهم لا يعترفون بمواطنة الطوائف الأخرى . وما لم تتغلب نزعة المواطنة على نزعة الطائفية والمذهبية في هذه البلد ، فإن دولة الخروف الأسود ودولة الخروف الأبيض ستتكرر وتتجدد ! لذا نقول : اذا ارادت الحكومة أن تكون قوية فعليها أن تحقق مطالب الشعب وتكسب ثقته  و تبني دولة مدنية ديمقراطية بدستور جديد ينال رضا الشعب تفصل فيه الدين عن الدولة، ويمنع الاحزاب الدينية من العمل السياسي لفشلها في تلبية حاجات الشعب وفشلها في كسب الرضا وكانت السبب في زرع الفرقة ونشر الفساد والخراب.

نحن أمام مفترق طرق بين طريق يؤدي الى الفوضى والخراب والفتن وعودة دول الخراف ،  وطريق بناء دولة مدنية قوية يحبها شعبها.

والمسؤولية تقع على عاتق الجميع ولاسيما على العقلاء والمثقفين في هذا البلد، وهؤلاء مطالبون اليوم بدور تاريخي على أكثر من جبهة ،

نحن مطالبون بتعزيز روح المواطنة عند العراقيين وتغليب هذه الروح على روح الطائفة . وهذه المهمة صعبة وشاقة بكل تأكيد ، لكن على المثقفين الحقيقيين القيام بواجب وطني أن يضيئوا شمعة أولى ، وبعد ذلك سوف يتبدد هذا الظلام  .

مشاركة