ضحايا الآخرين أم ضحايا أنفسنا ؟ – فاضل ميراني

447

ضحايا الآخرين أم ضحايا أنفسنا ؟ – فاضل ميراني

اعتقد المجتمع العراقي، ان ملفات ما بعد 2003، ستكون مكرسة وبمدد مقبولة، لتصفية تركة النظام السابق، وغلق ممارسات طالت الرافضين لسياسته، ولم يكن متوقعا ان تنهار الامور بشكل سريع ومكلف، كما جرى، فقد ذهبت الازمة العراقية بعيدا في غيها، لتضرب السلام الاجتماعي، وتفضي لنزاع عمره اربعة عشر قرنا، اضافة لازمة قومية محتدة. لسنوات، سيطرت، الطائفية و العرقية، على مفاصل الحياة في البلاد، و صاحبتها حروب شارك فيها مقاتلون مدفوعون للتخريب خارج بلدانهم.

فقد الشعب العراقي، بكل مكوناته، الوف الافراد، غالبيتهم، راحوا ضحية، الجماعات المسلحة، وفر عشرات الالوف للخارج طلبا للنجاة.

شبه الكثيرون وضع العراق، بوضع لبنان ابان حروبه الداخلية التي بدأت في سبعينات القرن العشرين، ولم تخمد نيرانها كلها للان، وكان تشبيههم صائبا، فقد خرج لبنان من حرب، بخريطة توزعت فيها القوى، بين الاديان والطوائف، والتي باتت في اكثر من بلد ملتهب تمثل البديل الوطني، فيما تراجع الايمان والانخراط في العمل الحزبي ضمن التيارات التي لا تعمل على اساس عقائدي روحي.

اننا اذ نكن الاعتزاز لكل الشعوب، ونحترم كل المذاهب والعقائد التي تعمل للسلام المشرف، نعتز و ندرك، بأن بلاد الرافدين، وقومياتها و معتقداتها هي مثال يقتدى به، ولا يجوز ان تمر عملية تحول تجربته لانتاج انتكاسات دون ان تشخص الاسباب ويسارع لعلاجها.

دخان المعارك

ان التبدل الاساس والاخطر،  الذي نمى في ظلال دخان المعارك الكبرى، و المواجهات، في بلادنا والمؤثرات التي عصفت بالمنطقة وارتدت علينا، هو تثقيف الفرد والجماعة، بشكل و مضمون خطيرين، فالبلدان ومنها العراق، الذي كان يستعد لمغادرة قائمة البلدان النامية، ليشكل قوة اقليمية، يحسب حسابها، تراجعت فيه عناصر القوة المستدامة، واعتقد ان لا مانع ابدا، من ان يكون العراق مثل هذه القوة، خارج اطار منظومة النظام السابق.

ان التقيف الذي اتى ثماره السامة للاسف، حول البلاد لسوق تحشى بمنتوجات الغير، و تسحب مواردها المالية للخارج، فلقد عطلت الصناعة الوطنية وحجمت الزراعة، وامتدت يد التأثير المخرب، لتطال، العقول التي تمد الثقافة العراقية بالتجدد و الدوام.

لقد انتعشت خلال السنوات القليلة الماضية، ظواهر العنف، لتسجل ارقاما مرتفعة، وانواعا من الجرائم، الشخصية والوطنية، ولم تدخل في مجال البحث الاجتماعي للحد منها، ولا السيطرة عليها.

كما و شهد الفكر الديني عند قسم كبير من القطاعات، هوية استقواء، خاصة مع موجات الفكر الذي يؤلف و يوظف القصص والتفسير، من حيث المصالح التي جلب عدم السيطرة عليها، سمعة تشوه الرسالة الاسلامية السمحة التي تنادي بالعدالة والمساوة والتقى.

ان المخاض الاكبر الذي تعيشه بلادنا، ومع بروز جيل جديد، ليس من القيادات، النزيهة وتلك المتشددة وحسب، بل الجيل الجديد، الذي بدأ يعرف تفاصيل الحياة، ولا يلمس، من يغذيه بالمواطنة، بحيث ينشأ طبيعيا وفق قيم تراعيها المجتمعات القريبة منا و المحصنة الى حد افضل منه عندنا، سيكون بين خيارات لها مرارة العلقم، فأما ان ينخرط ضمن الخراب، مختارا لنفسه الحشر ضمن فئة تبحث عن مصالحها الضيقة، لانها لا تلمس ثقة بقيادتها، واما ان يختار الهروب لمجتمعات لا تفرض عليه الا احترام خصوصية الاخرين، وتضمن له الحياة و الاسهام البناء فيها.

بالامس كنا، اغلبنا، ضحية نظام، شمولي، مغامر، تسبب بكوارث طالتنا والجيران، خسرنا فيها الدماء والاموال.

اليوم لمصلحة من نخسر، و الى ماذا يفضي هذا التأكل البطيء؟

ان كنا اليوم ضحية، فمن الذي يضحي بنا؟

{ سكرتير المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني.

مشاركة