ضحايا‭ ‬النزاع‭ ‬في‭ ‬دارفور‭ ‬يطالبون‭ ‬بمحاكمة‭ ‬البشير‭ ‬والمآسي‭ ‬تلاحق‭ ‬مليونين‭ ‬ونصف‭ ‬من‭ ‬الاهالي

319

نيالا‭ ‬(السودان)-(أ‭ ‬ف‭ ‬ب)‭ ‬‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تطارد‭ ‬السودانية‭ ‬حواء‭ ‬يوسف‭ ‬ذكريات‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬هاجم‭ ‬فيه‭ ‬مسلحون‭ ‬على‭ ‬الخيل‭ ‬والجمال‭ ‬قريتها‭ ‬في‭ ‬إقليم‭ ‬دارفور‭ ‬المضطرب‭ ‬حيث‭ ‬قتلوا‭ ‬عشرات‭ ‬السكان‭ ‬وضمنهم‭ ‬ابنها‭ ‬عام‭ ‬2004‭.‬

وأطلق‭ ‬الرئيس‭ ‬السابق‭ ‬عمر‭ ‬البشير‭ ‬العنان‭ ‬آنذاك‭ ‬لمليشيات‭ ‬«الجنجويد»‭ ‬التي‭ ‬اقتحم‭ ‬عناصرها‭ ‬قرى‭ ‬تقطنها‭ ‬أقليات‭ ‬عرقية‭ ‬كتلك‭ ‬التي‭ ‬تنتمي‭ ‬إليها‭ ‬حوّاء‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬سياسة‭ ‬الأرض‭ ‬المحروقة‭ ‬التي‭ ‬اتبعتها‭ ‬الخرطوم‭ ‬للقضاء‭ ‬على‭ ‬الدعم‭ ‬للمتمردين‭ ‬الذين‭ ‬حملوا‭ ‬السلاح‭ ‬ضد‭ ‬الحكومة‭ ‬السودانية‭ ‬عام‭ ‬2003‭.‬

وفي‭ ‬وقت‭ ‬يقبع‭ ‬البشير‭ ‬خلف‭ ‬القضبان‭ ‬في‭ ‬الخرطوم‭ ‬الآن‭ ‬عقب‭ ‬إطاحة‭ ‬الجيش‭ ‬به‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي،‭ ‬تبدو‭ ‬حوّاء‭ ‬عازمة‭ ‬على‭ ‬رؤيته‭ ‬يمثل‭ ‬امام‭ ‬المحكمة‭.‬

وقالت‭ ‬المرأة‭ ‬البالغة‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬70‭ ‬عاما‭ ‬وتعيش‭ ‬في‭ ‬مخيم‭ ‬«كلمه»‭ ‬للنازحين‭ ‬قرب‭ ‬نيالا،‭ ‬كبرى‭ ‬مدن‭ ‬ولاية‭ ‬جنوب‭ ‬دارفور،‭ ‬«هاجمتنا‭ ‬مليشيا‭ ‬النظام‭ ‬عندما‭ ‬كانت‭ ‬النسوة‭ ‬يتزودن‭ ‬بالمياه»‭.‬

وأضافت‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬في‭ ‬المخيم‭ ‬«عندما‭ ‬حاول‭ ‬الرجال‭ ‬الدفاع‭ ‬عنّا،‭ ‬قتلوا‭ ‬ثمانية‭ ‬أشخاص‭ ‬بينهم‭ ‬ابني‭ ‬موسى‭ ‬الحاج‭ ‬الذي‭ ‬ترك‭ ‬خلفه‭ ‬ثلاثة‭ ‬أطفال»‭. ‬وأكدت‭ ‬«أريد‭ ‬أن‭ ‬يمثل‭ ‬البشير‭ ‬امام‭ ‬المحكمة‭. ‬إنه‭ ‬مجرم»‭. ‬وبعد‭ ‬مرور‭ ‬عقد‭ ‬ونصف،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬أهالي‭ ‬دارفور‭ ‬الذين‭ ‬فقدوا‭ ‬أحباءهم‭ ‬ومنازلهم‭ ‬خلال‭ ‬الحملة‭ ‬الشرسة‭ ‬التي‭ ‬أمر‭ ‬بها‭ ‬البشير‭ ‬ومعاونوه‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬أوضاع‭ ‬بائسة‭ ‬في‭ ‬المخيمات‭.‬

وتفيد‭ ‬أرقام‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬التي‭ ‬نشرت‭ ‬آلالاف‭ ‬من‭ ‬جنود‭ ‬حفظ‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬بعثة‭ ‬مشتركة‭ ‬مع‭ ‬الاتحاد‭ ‬الإفريقي‭ ‬في‭ ‬دارفور،‭ ‬بمقتل‭ ‬نحو‭ ‬300‭ ‬ألف‭ ‬شخص،‭ ‬بينما‭ ‬تفيد‭ ‬شهادات‭ ‬أن‭ ‬عناصر‭ ‬المليشيا‭ ‬الذين‭ ‬اجتاحوا‭ ‬مناطق‭ ‬واسعة‭ ‬على‭ ‬الخيل‭ ‬أو‭ ‬الجمال‭ ‬قضوا‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬شخص‭ ‬يشتبه‭ ‬أنه‭ ‬قدّم‭ ‬الدعم‭ ‬للمتمردين‭.‬

وتكدس‭ ‬نحو‭ ‬2,5‭ ‬مليون‭ ‬شخص‭ ‬في‭ ‬مخيمات‭ ‬مؤقتة‭ ‬بينما‭ ‬هُجّر‭ ‬سكان‭ ‬أجزاء‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬دارفور،‭ ‬الإقليم‭ ‬الذي‭ ‬تساوي‭ ‬مساحته‭ ‬فرنسا،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أحرقت‭ ‬القرى‭ ‬والمحاصيل‭ ‬وسرقت‭ ‬أو‭ ‬قتلت‭ ‬الماشية،‭ ‬وفق‭ ‬شهادات‭ ‬جمعتها‭ ‬منظمات‭ ‬غير‭ ‬حكومية‭. ‬ولطالما‭ ‬شعر‭ ‬الرعاة‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬تم‭ ‬تجنيدهم‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬الجنجويد‭ ‬بالعداء‭ ‬حيال‭ ‬الأقليات‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬الإقليم‭ ‬الخصبة‭ ‬التي‭ ‬استغلها‭ ‬البشير‭ ‬وقواته‭.‬

‭- ‬‮«‬سلام‭ ‬حقيقي‮»‬‭ -‬

وبينما‭ ‬يركّز‭ ‬قادة‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬في‭ ‬الخرطوم‭ ‬على‭ ‬تشكيل‭ ‬مجلس‭ ‬مدني‭ ‬يتسلّم‭ ‬السلطة‭ ‬مكان‭ ‬المجلس‭ ‬العسكري‭ ‬الانتقالي،‭ ‬تشكل‭ ‬محاكمة‭ ‬البشير‭ ‬وأتباعه‭ ‬أبرز‭ ‬المطالب‭ ‬في‭ ‬دارفور‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬قالت‭ ‬خديجة‭ ‬ابنة‭ ‬حوّاء‭ ‬«إذا‭ ‬أرادت‭ ‬الحكومة‭ ‬الجديدة‭ ‬سلاما‭ ‬حقيقيا‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تجلب‭ ‬البشير‭ ‬إلى‭ ‬المحكمة»‭.‬

وأضافت‭ ‬«من‭ ‬المشاهد‭ ‬التي‭ ‬لن‭ ‬أنساها‭ ‬هي‭ ‬عندما‭ ‬أطلق‭ ‬رجال‭ ‬الميليشيا‭ ‬المسلحون‭ ‬النار‭ ‬على‭ ‬امرأة‭ ‬حامل‭ ‬(‭…‬)‭ ‬وماتت‭ ‬هي‭ ‬وجنينها»‭.‬

ويواجه‭ ‬البشير‭ ‬(75‭ ‬عاما)‭ ‬اتهامات‭ ‬من‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬لاهاي‭ ‬بارتكاب‭ ‬جرائم‭ ‬حرب‭ ‬وجرائم‭ ‬ضد‭ ‬الإنسانية‭ ‬وإبادة‭ ‬ردا‭ ‬على‭ ‬التمرد‭ ‬في‭ ‬دارفور‭. ‬لكنه‭ ‬نفى‭ ‬الاتهامات‭ ‬مرارا‭. ‬من‭ ‬جهته،‭ ‬أكّد‭ ‬المجلس‭ ‬العسكري‭ ‬أنه‭ ‬يفضّل‭ ‬أن‭ ‬تتم‭ ‬محاكمة‭ ‬البشير‭ ‬وأي‭ ‬مواطن‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬السودان‭.‬

لكنه‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬قرار‭ ‬تسليم‭ ‬البشير‭ ‬للمحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭ ‬عائد‭ ‬للحكومة‭ ‬المدنية‭ ‬المستقبلية‭ ‬التي‭ ‬تعهّد‭ ‬تشكيلها‭.‬

وبينما‭ ‬تختلف‭ ‬وجهات‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬أهالي‭ ‬دارفور‭ ‬بشأن‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يحاكم‭ ‬فيه‭ ‬البشير،‭ ‬إلا‭ ‬أنهم‭ ‬يتفقون‭ ‬على‭ ‬وجوب‭ ‬مقاضاته‭.‬

وقالت‭ ‬عائشة‭ ‬محمد‭ ‬حامد‭ ‬(50‭ ‬عاما)‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬مع‭ ‬ابنائها‭ ‬الخمسة‭ ‬في‭ ‬مخيم‭ ‬«السلام»‭ ‬للنازحين‭ ‬جنوب‭ ‬مدينة‭ ‬نيالا‭ ‬وتعمل‭ ‬حاليا‭ ‬في‭ ‬مصنع‭ ‬للطوب،‭ ‬«فقدت‭ ‬زوجي‭ ‬وابني‭ ‬عندما‭ ‬هاجمت‭ ‬ميليشيا‭ ‬النظام‭ ‬قريتنا‭ ‬أبو‭ ‬جابره»‭. ‬وأضافت‭ ‬«البشير‭ ‬ارتكب‭ ‬جرائم‭ ‬إبادة‭ ‬جماعية‭ ‬ضد‭ ‬شعبنا‭. ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يؤخذ‭ ‬إلى‭ ‬المحكمة‭. ‬لكنني‭ ‬أفضل‭ ‬أن‭ ‬تتم‭ ‬محاكمته‭ ‬محليا‭ ‬حتى‭ ‬يأخذ‭ ‬الضحايا‭ ‬حقوقهم»‭.‬

‭- ‬16‭ ‬عاما‭ ‬من‭ ‬الانتظار‭ -‬

علقت‭ ‬صور‭ ‬لمنازل‭ ‬مدمرة‭ ‬وقرى‭ ‬محروقة‭ ‬ونساء‭ ‬تعرضن‭ ‬للاغتصاب‭ ‬في‭ ‬دارفور‭ ‬خارج‭ ‬مقر‭ ‬القيادة‭ ‬العامة‭ ‬للجيش‭ ‬في‭ ‬الخرطوم،‭ ‬حيث‭ ‬أقام‭ ‬المتظاهرون‭ ‬ساحة‭ ‬اعتصام‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬التي‭ ‬اجتاحت‭ ‬البلاد‭ ‬منذ‭ ‬كانون‭ ‬الأول/ديسمبر‭ ‬وأدت‭ ‬للإطاحة‭ ‬بالبشير‭.‬

لكن‭ ‬كثيرين‭ ‬من‭ ‬أهالي‭ ‬دارفور‭ ‬يشعرون‭ ‬بأن‭ ‬على‭ ‬قادة‭ ‬الحركة‭ ‬الاحتجاجية‭ ‬أن‭ ‬يولوا‭ ‬مطلبهم‭ ‬بالحصول‭ ‬على‭ ‬العدالة‭ ‬أهمية‭ ‬أكبر‭.‬

وشكلت‭ ‬شخصيتان‭ ‬بارزتان‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬البشير‭ ‬هما‭ ‬موسى‭ ‬هلال‭ ‬ومحمد‭ ‬حمدان‭ ‬دقلو‭ ‬الملقب‭ ‬«حميدتي»‭ ‬ميليشيا‭ ‬«الجنجاويد»‭ ‬وقاداها،‭ ‬وفق‭ ‬منظمات‭ ‬حقوقية‭.‬

وبينما‭ ‬يقبع‭ ‬هلال‭ ‬في‭ ‬السجن‭ ‬حاليا،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬«حميدتي»‭ ‬تولّى‭ ‬منصب‭ ‬نائب‭ ‬رئيس‭ ‬المجلس‭ ‬العسكري‭ ‬الانتقالي‭.‬

وتتحرك‭ ‬«قوات‭ ‬الدعم‭ ‬السريع»‭ ‬التابعة‭ ‬له‭ ‬بأوامر‭ ‬من‭ ‬الجيش‭ ‬السوداني‭ ‬بينما‭ ‬يشاهد‭ ‬عناصرها‭ ‬مرارا‭ ‬في‭ ‬أنحاء‭ ‬العاصمة‭ ‬يحرسون‭ ‬المنشآت‭ ‬الأساسية‭. ‬ويتولون‭ ‬كذلك‭ ‬مهمة‭ ‬تأمين‭ ‬الحدود‭ ‬الشرقية‭ ‬مع‭ ‬إثيوبيا‭ ‬وإريتريا‭.‬

وذكرت‭ ‬منظمة‭ ‬«هيومن‭ ‬رايتس‭ ‬ووتش»‭ ‬في‭ ‬2015‭ ‬أن‭ ‬«قوات‭ ‬الدعم‭ ‬السريع‭ ‬ارتكبت‭ ‬تجاوزات‭ ‬عديدة‭ ‬ورهيبة‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬الترحيل‭ ‬القسري‭ ‬لقرى‭ ‬بأكملها‭ ‬وهدم‭ ‬آبار‭ ‬الماء‭ ‬ومتاجر‭ ‬الأغذية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المرافق‭ ‬الضرورية‭ ‬لاستمرار‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬صحراوية‭ ‬صعبة»‭.‬

وقالت‭ ‬عواطف‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬التي‭ ‬تقيم‭ ‬في‭ ‬مخيم‭ ‬«سكلي»‭ ‬قرب‭ ‬نيالا،‭ ‬«لدي‭ ‬قناعة‭ ‬بأنه‭ ‬ليس‭ ‬البشير‭ ‬وحده‭ ‬ولكن‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬ارتكب‭ ‬جريمة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يواجه‭ ‬العدالة‭. ‬نحن‭ ‬ننتظر‭ ‬منذ‭ ‬16‭ ‬عاما‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المخيمات‭ ‬إحقاق‭ ‬العدالة»‭.‬

ودعت‭ ‬«الآلاف‭ ‬المعتصمين‭ ‬أمام‭ ‬(مقر)‭ ‬القيادة‭ ‬العامة‭ ‬(للجيش)‭ ‬بألا‭ ‬يغادروا‭ ‬أماكنهم‭ ‬حتى‭ ‬يتحقق‭ ‬مطلبنا»‭.‬

مشاركة