ضبط النفس.. وهم أم حقيقة؟

636

توقيع

فاتح عبد السلام

يتردّد‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬واضح‭ ‬النبرة،‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬حدث‭ ‬الهجوم‭ ‬المدمر‭ ‬على‭ ‬المنشآت‭ ‬النفطية‭ ‬في‭ ‬السعودية‭ ‬،عنوان‭ ‬قوي‭ ‬هو‭ ‬ضبط‭ ‬النفس‭ . ‬وكأنّ‭ ‬الشرارة‭  ‬العظيمة‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬لحظات‭ ‬من‭ ‬موقد‭ ‬الحرب‭. ‬وبات‭ ‬هذا‭ ‬العنوان‭ ‬متنقّلاً‭ ‬من‭ ‬فم‭ ‬دولة‭ ‬الى‭ ‬اخرى‭ ‬،‭ ‬إذ‭ ‬تارةً‭ ‬تشير‭ ‬اليه‭ ‬السعودية‭ ‬نفسها،‭ ‬وتارة‭ ‬يفخر‭ ‬به‭ ‬الرئيس‭ ‬الامريكي،‭ ‬وثالثة‭ ‬يرد‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬مكالمة‭ ‬هاتفية‭ ‬للرئيس‭ ‬الصيني،‭  ‬بل‭ ‬انّ‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الامريكي‭ ‬بومبيو‭ ‬،وهو‭ ‬أول‭ ‬الذين‭ ‬اتهموا‭ ‬ايران‭ ‬،عاد‭ ‬بعد‭ ‬زيارة‭ ‬الرياض‭ ‬ليتحدّث‭ ‬عن‭ ‬ضبط‭ ‬النفس،‭ ‬وهكذا‭.‬

حسناً‭ ‬الجميع‭ ‬يحفظ‭ ‬الدرس‭ ‬جيداً‭ ‬وهذا‭ ‬ضروري‭ ‬للغاية‭ ‬اليوم،‭ ‬لأنهم‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الاحتراق‭ ‬وليس‭ ‬ايران‭ ‬وحدها،‭ ‬وانّ‭ ‬أسلم‭ ‬طريق‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬الرد،‭ ‬هو‭ ‬كما‭ ‬فعلت‭ ‬واشنطن‭ ‬الجمعة‭ ‬حين‭ ‬رفعت‭ ‬مستوى‭ ‬العقوبات‭ ‬على‭ ‬ايران‭ ‬بما‭ ‬يخنق‭ ‬بنكها‭ ‬المركزي‭.‬

وفي‭ ‬قراءة‭ ‬سريعة‭ ‬للمشهد‭ ‬المحتدم‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬،‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬بيد‭ ‬السعودية‭ ‬سوى‭ ‬هذا‭ ‬المسمّى‭ ‬(‭ ‬ضبط‭ ‬النفس)‭ ‬،‭ ‬لأنها‭ ‬غير‭ ‬مستعدة‭ ‬لبديله‭ ‬وهو‭ ‬الرد‭ ‬الذي‭ ‬تحفّه‭ ‬المخاطر،‭ ‬اذا‭ ‬اتّجه‭ ‬الرد‭ ‬نحو‭ ‬أهداف‭ ‬في‭ ‬ايران‭ ‬مثلاً‭ ‬بوصفها‭ ‬المتهم‭ ‬الاول‭ ‬في‭ ‬الهجوم‭ . ‬إذ‭ ‬عند‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬ايران‭ ‬لتجعل‭ ‬صواريخها‭ ‬بحسب‭ ‬الرواية‭ ‬الامريكية‭ ‬تدور‭ ‬عبر‭ ‬العراق‭ ‬والكويت‭ ‬لتصل‭ ‬الى‭ ‬اهدافها،‭ ‬وانّما‭ ‬تقطع‭ ‬البحر‭ ‬مباشرة‭ ‬وبأقصر‭ ‬المسافات‭ . ‬وهذا‭ ‬احتمال‭ ‬وارد‭ ‬جدّاً‭. ‬كما‭ ‬انّ‭ ‬العالم‭ ‬سيشكك‭ ‬في‭ ‬الردع‭ ‬السعودي‭ ‬بوصفه‭ ‬مبنياً‭ ‬على‭ ‬ظنون‭ ‬وروايات‭ ‬امريكية‭ ‬بات‭ ‬التنصل‭ ‬التدريجي‭ ‬منها‭ ‬واضحاً‭ .‬

حال‭ ‬السعودية‭ ‬اليوم‭ ‬مثل‭ ‬حال‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬حزيران‭ ‬1981‭ ‬حين‭ ‬دمرت‭ ‬طائرات‭ ‬اسرائيل‭ ‬المفاعل‭ ‬النووي‭ ‬الوحيد‭ ‬للعراق‭ ‬والمعروف‭ ‬باسم‭ ‬تموز،‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬البلد‭ ‬يعول‭ ‬عليه‭ ‬للنهوض‭ ‬والخروج‭ ‬من‭ ‬عنق‭ ‬زجاجة‭ ‬بلدان‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬مع‭ ‬الوفرة‭ ‬النفطية‭. ‬وفي‭ ‬وقتها‭ ‬قال‭ ‬العراق‭ ‬انّه‭ ‬يحتفظ‭ ‬بحق‭ ‬الرد،‭ ‬وانّه‭ ‬مشغول‭ ‬بمعركة‭ ‬الجبهة‭ ‬الشرقية‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬ايران‭. ‬وعندما‭ ‬قصفت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭  ‬كل‭ ‬شبر‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬الكويت‭ ‬،‭ ‬ودمرت‭ ‬بنيته‭ ‬التحتية‭ ‬بشكل‭ ‬شبه‭ ‬كامل‭ ‬،‭ ‬اعلن‭ ‬أنه‭ ‬سيرد‭ ‬على‭ ‬اسرائيل،‭ ‬وردّ‭ ‬بتسعة‭ ‬وثلاثين‭ ‬صاروخاً،‭ ‬وطلبت‭ ‬واشنطن‭ ‬من‭ ‬تل‭ ‬ابيب‭ ‬ضبط‭ ‬النفس‭ ‬وعدم‭ ‬الرد‭ ‬على‭ ‬العراق‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يتمنى‭ ‬توريط‭ ‬اسرائيل‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬مخيلة‭ ‬الحاكم‭ ‬في‭ ‬انّ‭ ‬العالمين‭ ‬العربي‭ ‬والاسلامي‭ ‬سينتفضان‭ ‬وقوفاً‭ ‬مع‭ ‬العراق‭ ‬بدل‭ ‬السكوت‭ ‬وتركه‭ ‬وحده‭ . ‬وهذا‭ ‬وهم‭ ‬كبير،‭ ‬نتمنى‭ ‬مخلصين‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬تقع‭ ‬فيه‭ ‬السعودية‭ ‬التي‭ ‬نسمع‭ ‬بعض‭ ‬الاصوات‭ ‬فيها‭ ‬أحياناً‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬العمق‭ ‬الاسلامي‭ ‬الذي‭ ‬لن‭ ‬يقبل‭ ‬المساس‭ ‬بالسعودية‭ ‬بلد‭ ‬الحرمين‭ ‬الشريفين‭ ‬،‭ ‬وهذا‭ ‬من‭ ‬الاوهام‭ ‬السياسية‭ ‬المستوطنة‭ . ‬ولا‭ ‬يشبهه‭ ‬سوى‭ ‬وهم‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬انّ‭ ‬العالم‭ ‬لن‭ ‬يسمح‭ ‬بتهديد‭ ‬امدادات‭ ‬النفط‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬السعودية‭ ‬،‭ ‬وهي‭ ‬خمسة‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬الاحتياج‭ ‬العالمي‭ ‬،‭ ‬ولعل‭ ‬دولاً‭ ‬كثيرة‭ ‬تنتظر‭ ‬هذه‭ ‬الازمة‭ ‬بفارغ‭ ‬الصبر‭ ‬لرفع‭ ‬اسعار‭ ‬النفط‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ولتصريف‭ ‬النفط‭ ‬الصخري‭ ‬عالي‭ ‬التكلفة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬اخرى‭ ‬،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬الرغبة‭ ‬الدفينة‭ ‬في‭ ‬اجبار‭ ‬أثرياء‭ ‬العرب‭ ‬على‭ ‬شراء‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬السلاح‭ ‬ولو‭ ‬بالدين‭.‬

السؤال‭ ‬الأهم‭ ‬هو،‭ ‬ماذا‭ ‬سيفعل‭ ‬العالم‭ ‬إذا‭ ‬قررت‭ ‬ايران‭ ‬بعد‭ ‬خنقها‭ ‬بعقوبات‭ ‬جدية‭ ‬،‭ ‬عدم‭ ‬ضبط‭ ‬النفس‭ ‬،‭ ‬كما‭ ‬تتململ‭ ‬الآن‭ ‬؟

رئيس التحرير – الطبعة الدولية

مشاركة