ضائقة مناخيّة بين أشجار مثابرة وبيئة صابرة – عبد الرضا سلمان حساني

( لاي- فاي ) الزمان    (20)

ضائقة مناخيّة بين أشجار مثابرة وبيئة صابرة – عبد الرضا سلمان حساني

توطئة تغيّر المناخ:

يتركّب الهواء الذي نتنفّسه من غاز النيتروجين بنسبة 78   بالمائة وغاز الأوكسجين بنسبة  21 بالمائة والمتبقي واحد بالمائة هو غازات أخرى أحدها هو ثنائي أوكسيد الكربون (ث أ ك) الذي نسبته 0.04 بالمائة، إي مايعادل 400 ج زء بالمليون.  وتشير بحوث وكالة الفضاء الأمريكيّة (ناسا) بأنّ نسبته كانت بمعدّل 200   جزء بالمليون قبل بدء عصر الصناعة. وبالرغم من وجود غاز (ث أ ك) بهذه النسبة المتناهية في الصغر، الاّ انّها تكون شديدة الفاعليّة بسبب تأثير الغاز في ظاهرة  الإحترار  أو الإحتباس الحراري.

وليس  لهذا الغاز  أي لون أو  رائحة ويحيط بكوكب الأرض كالبطّانية، فيسبب ارتفاع درجة حرارة الجو ونسبته أعلاه تعتبر الأعلى على مدى آخر 650,000  سنة الماضية.

 إنّ الأنشطة البشريّة في عموم كوكب الأرض تضيف كمية من هذا الغاز  الى الجو  تصل الى  36مليار طن سنويّاً، حيث تزداد البطّانية سمكاً فترتفع درجة الحرارة. وعليه، يمكننا أن نتوقّع ماسيحدث من تقلّبات وتغيّرات جغرافيّة وكوارث بيئيّة بإعتبار  تغيّر المناخ هي نقاط اللاعودة الى السابق من الخصائص.

ويعمل المختصّون في حقل  نمذجة المناخ على التنبؤ بما سيحدث بعد مائة سنة من الآن مستخدمين أجهزة حاسوب فائقة تنفّذ عشرة مليارات عملية حاسوبيّة في الثانية.

معاملات متفاعلة عديدة تدخل في خطوات النمذجة ومنها النفايات التي ترميها البيوت والأشخاص إضافة الى القمامة ونوع وكمية الطاقة المستهلكة بحيث تتسع الى  اكثر من 7 مليار شخص يعيش على سطح كوكبنا وتفاوت فاعلية غازات الإحترار  المكافئة، أي بدلالة تأثير غاز (ث أ ك).

عند قراءة سجل تغيرات المناخ، نجد العديد من الظواهر والأرقام في موجات الحر  والأمطار والفيضانات. فقد شهد العقدان الأخيران من القرن الماضي ذوبان مساحة مليون و400  ألف كيلومتر مربّع تقريباً من الجليد القطبي، وهذه المساحة تعادل خمس مرّات ونصف بقدر مساحة  المملكة المتحدة أو ثلاث مرات تقريباً بقدر  مساحة العراق.

 وفي لندن سُجّلت درجة حرارة وصلت الى 37 درجة مئويّة قبل عقدين تقريباً على غير العادة وكذلك فيضانات في اسكتلندة. وفي دول أورپية أخرى، لقى الآلاف من مواطنيها حتفهم بسبب موجات الحر  في مواسم معينة.

وفي جنوب العراق وبعض مناطق الخليج العربي، تخطّت درجة الحرارة حاجز 50 درجة مئويّة  وهو تأكيد على تغيّر  مناخي ملحوظ في فصل الصيف وشحّة في هطول الأمطار في فصل الشتاء.

أسئلة مألوفة وسؤال واحد مختلف:

حين نتحدّث عن المأكل والمشرب  والملبس وغيرها،  فيمكننا الإجابة عن الأسئلة المطروحة فيها. فمثلاً، كم رغيف من الخبز نأكل يوميّاً أو كم قدح من الماء أو ملاعق السكر التي نتناولها مع القهوة أو الشاي ونوع التمر والحلوى المفضّلةوغيرها. الكتب وملابس الشتاء لتجنّبنا  البرد ومعدات السفر وتمارين الرياضة وعدد الكتب المقروءة شهريّاً وأسئلة في شؤون الحياة بأكملها في قائمة تطول مع مرور الزمن.  وحين يكون تغيّر المناخ هو العنوان والتعامل مع العوامل البيئيّة في التفاصيل، ينشأ سؤال مختلف وجديد نوعمّا وهو:

كم شجرة تتنفّس ؟  أو كم شجرة تكفيك لذلك؟

وللإجابة أو  استحضار مقاربة لذلك، يستوجب إدراج  رقام وحسابات لصيقة بحياتنا وديمومتها.

إنّ معدّل كميّة الهواء التي  يتنفسّها  الشخص من الجو هي 8 لتر في الدقيقة. وكما  أشرنا في أعلاه فإنّ خمس هذه الكمية هي غاز  أوكسجين تقريباً وإنّ الشهيق لا يستهلك كل الأوكسجين، بل تبقى منه نسبة15 بالمائة في الهواء بعد الزفير. وهذا يعني أنّ الشخص الواحد يستهلك كمية من الأوكسجين تساوي  0.4    لتر في الدقيقة.

انّ عدد الأشجار التي تؤمن الأوكسجين النقي للفرد يعتمد على هذه النسبة من الأوكسجين وهي 0.4   لتر في الدقيقة وكمية الأوكسجين التي تبعثها كل شجرة وهي بمعدل 10 كيلوغرامات شهريّاً، أي مايعادل، بعد التحويل، كمية 0.16  لتر في الدقيقة.

ومن هذين الرقمين نستنتج أنّ كل شخص يحتاج أن يتنفّس كمية من الأوكسجين تولّدها  له 2.5 شجرة. وهنا نستطيع تحديد عدد الأشجار المطلوبة في مدينة أو حيّ سكني إعتماداً على الكثافة السكّانية التي تقابلها كثافة الأشجار الخضراء. فمثلاً، لنأخذ كثافة سكّانيّة مساوية الى 100 شخص في الكيلومتر المربّع الواحد، فسنجد وجوب وجود

شجرة خضراء واحدة  في الأقل بعد نهاية كل 63  متر تقريباً (كضلعين في مربع مساحته  4000 متر مربّع). فلو كانت بغداد بهذه الكثاليكانيّة، فهذا يعني وجود شجرة بأغصانها الخضراء بعد كل مسافة مشار اليها في أعلاه. وبسبب الكثافة السكّانيّة العالية في نيويورك، إستوجب وجود شجرة بأغصانها الخضراء بعد التقاء مسافة  6.2 متر تقريباً بمثلها( شجرة في كل مساحة 38  متر مربّع).

وهنا تتضح أهمية الأشجار الخضراء في تنقية الإجواء المحيطة بالأرض  من أجل خلق بيئة مستدامة بعيدة عن المخاوف وضرورة  اصدار قوانين صارمة لمنع اقتطاع الأشجار  والعبث بأغصانها التي هي عادة مصدر الأوكسجين النقي لتنفس الإنسان، وربما يكون عاملاً وقائيّاً مساعداً ضد تفشي ڤايروس كورونا ولو بنسبة محددة.

تمدد المشكلة وإنحسار الحل:

سؤال نسأله مزاحاً هنا؛ أيّهما أثقل، طن من الحجر أم طن من غاز (ث أ ك)؟ أو طن من الحديد وآخر من الريش؟  والجواب، الطن هو طن متري واحد بغض النظر عن المادة الموزونة ويساوي ألف كيلوغرام او مليون غرام.  وبما إنّ محور المشكلة المناخيّة هو غاز (ث أ ك)، فلنفهم مايقرّبنا من التفسير  في حياتنا اليوميّة الإعتياديّة. ومن بين المقاربات في هذا الإطار، تلك التي أدرجناها قبل سنوات في مفردات  (تغير المناخ)  كمقرر دراسي لطلبة الدراسات العليا في الفيزياء. ولكي نضع أرضيّة مشتركة في شرح المعاملات، وجدتُ ضروريّاً أن أستقدم وأقدّم مفهوم الطاقة ونتائج تفاعلاتها الفيزيائيّة والكيمياويّة بلغة أرقام بسيطة مستخلصة من جوانب في النشاط البشري اليومي والتي ترتبط بغاز

(ث أ ك) أو مايسمّى بالتأثير المكافىء، وهو حسابات تأثير  غازات الإحترار الأحرى بدلالة(ث أ ك). وتأسيساً على ماتقدم وللتبسيط، نأخذ الأمثلة الآتية:

 الخشب:

كل كيلو غرام من الخشب يكون نصفه كربون. وبموجب حسابات الوزن الذري، فإنّ هذا الكيلو غرام من الخشب اذا ماإحترق فسيبعث الى الجو  أكثر من كيلوغرام ونصف من غاز  (ث أ ك).  وبذلك نقول أن احتراق طن واحد من الكربون سيسبب انبعاث أكثر من ثلاثة أطنان من غاز(ث أ ك) الى الجو محسوبة من 12  وحدة ذريّة لذرة الكربون و32 وحدة ذريّة لذرتي أوكسجين.

 وقود الديزل:

بموجب قوانين كيمياء الوقود المحترق، يمكن القول بأنّ احتراق جزيئة ميثان واحدة

(هيدروكاربون) يحتاج الى جزيئتي أوكسجين ويكون الناتج جزيئة غاز(ث أ ك)    وجزيئتي ماء. إنّ الديزل، وبسبب كثافته، يكون  أخف من الماء  وإنّ اللتر الواحد من وقود الديزليحتوي  على 720  غرام من الكربون (يعني 86  بالمائة  من وقود الديزل هو كربون). وعليه، وحسب  المقاربة المشار اليها في أعلاه، فإنّ احتراق كل لتر من الديزل سيبعث الى الجو أكثر من كيلوغرامين  ونصف من غاز (ث أ ك).

وبالإمكان الآن أن نحسب المقدار الكلي للغاز  المنبعث نتيجة لإحتراق كميات الديزل سواء في المولّدات الكهربائيّة أو العجلات العاملة بالديزل اذا ما قطعت كذا كيلومتر  مستهلكة كذا لتر من خزّان الوقود.

 قائمة استهلاك الكهرباء في البيوت:

لنعد الآن الى موضوعة مألوفة في كل بلد ومدينة وبيت وهي  ورقة او  قائمة مصاريف الكهرباء التي  ندفعها بشكل دوري والتي تشير  الى كمية الطاقة الكهربائيّة المستهلكة والوحدة هي (كيلووا.ساعة وهذه للتبسيط كأنّك تشغّل مكواة كهربائيّة لمدة ساعة). إنّ حصيلة المبلغ ناتجة عن انارة المصابيح والأجهزة الكهربائيّة المنزليّة او  في المصانع والمؤسسات وغيرها. وهنا نذكر  ونذكّر بأنّ الطاقة الكهربائيّة المستهلكة في مصابيح الدايودات الإقتصاديّة تشكّل 20 بالمائة في الأقل من تلك المقابلة لها في المصابيح القديمة. وفي حالة تحويل هذه الأرقام  الهائلة من وحدات الطاقة (الكيلوواط.ساعة) الى أطنان من غاز  (ث أ ك) التي تتسبب في انبعاثها، تُستخدم عوامل تحويل موثّقة لدى مؤسسات حكوميّة لكلّ بلد.  ففي المملكة المتحدة، يُستخدم العامل 0.283  كيلوغرام من الغاز ينتج عن كل  (كيلوواط.ساعة) مستهلكة في مصابيح الإنارة. وقيم  عوامل تحويل أخرى    منشور ة في مصادر  يمكن الرجوع  اليها،  فمثلاً، أنّ كميّة غاز  (ث أ ك)  الناتجة عن احتراق الغاز الطبيعي تساوي  0.185  كيلوغرام/ كيلوواط.ساعة.

ومن الأرقام المتوفرة في وسائط النشر حول الموضوع، هي  وجوب وجود أكثر من  1.8 ترليون(مليون مليون) شجرة خضراء فوق مساحات الكرة الأرضيّة لإمتصاص  كمية غاز  المنبعث الى الجو سنويّاً.

وإذا ماعلمنا انّ مساحة الأرض اليابسة لاتكفي لهذا العدد من الأشجار، يمكننا تصوّر الوضع الحرج لحل المشكلة المتفاقمة. ومن هذه المجاميع المتزايدة من الأرقام والمفاهيم البيئيّة والمناخيّة، يمكن تحسس الحاجة الإستثنائيّة لهذا النمط من البحوث وتدعيم مناهج التدريس ذات المساس بها.

لقد أشرتُ في مقال سابق منشور في عدد صحيفة الزمان الصادر بتاريخ  2021/7/19 الى أهمية اجراء هذه الأنماط من البحوث والدرلسات في الجامعات والمراكز  المتخصصة. وأضيف إشارة الى مقالين بنفس التوجهات العلميّة منشورين بنفس الصحيفة بعدديها الصادرين بتاريخ 11/7/2017   و   24/9/2017.

سطور الختام:

قال المعلّم في درس ( راشد يزرع )

وصاحت كلّ الأصوات تنادي الأرض لكي تسمع

ملئتْ الوان العشق دفاترنا

وسطور العشب  لها تدمع

هل أغرق في عينيكِ شعاعاً أم أنجو ؟

وأعود الى البصرة بشراع

وضفاف  الشطّ  لنا تركع

{ پروفسور  فيزياء الپلازما  – عضو معهد الفيزياء في المملكة المتحدة

مشاركة