صيغ المُضاربة في المصارف الإسلامية

الشروط والأحكام

صيغ المُضاربة في المصارف الإسلامية

محمود آل جمعة المياحي

 دأبت المصارف الإسلامية ان تكون ضمن خط الشروع الإسلامي في جميع تعاملاتها وانشطتها ومنتجاتها ،  واليوم يعد هذا النهج تحديا كبيرا في سوق المال عموما والمصارف خصوصا ويتمثل هذا التحدي بـ ( الربحية ) التي تحصل عليها هذه المصارف التي تعد ( سلة الخبز ) التي تمدها بنبض الحياة للمحافظة على وجودها واستمراريتها للحيلولة دون  اعلان حالة الإفلاس ومن ثم التصفية ،  لاسيما وان الاختلاف بين المصارف التجارية COMMERCIAL  BANKS والمصارف الإسلامية ISLAMIC  BANKS يكمن في سلوك ( الفائدة )  INTEREST التي هي المصدر الأساسي (للربح ).. فما هو نهج  المصارف الإسلامية إزاء مايعتبره المُشرع الإسلامي (حراما ) اخذا وعطاء ..!!

مخزون للثروة

ان المبدأ الذي تستند عليه المصارف الإسلامية يعتمد على اساس (ان النقود لاتلد نقودا ..وانما تلد عملا) فالنقود ليست ( سلعة ) للتبادل ومقياسا للقيمة ومخزونا للثروة كما في المصارف التجارية وانما هي (وسيلة) للتبادل واداة للوفاء وليست لها قيمة زمنية ..وبذلك تكون القاعــدة التي تعتمدها  المصــارف الإسـلامية هي (الغُنم و الغُرم ) أي الربح والخسارة ..! وحسب صيغ التمويل الإسلامي الذي لايعتمد على (الفائدة ) الدائنة والمدينة وانما على الاستثمار ..! أي استثمار أموال المودعين والاتجار بها ،  ليبقى ( الربح ) هو وقاية لراس المال وجابرا له من الخسارة ،  وقد اكد احد المسؤولين الاوربيين  في لقاء له بعد الازمة المالية التي حصلت مؤخرا ان البنوك الإسلامية هي اكثر امانا واستقرارا من التجارية …!!

ان إجازة استخدام المال في التمويل الإسلامي له ضوابط عديدة ويعتمد بالدرجة الأولى على حالات (المنح ) المتعددة والتي شملت المضاربة والمرابحة والمشاركة والسُلم والاستصناع والاستزراع والتوّرق  والاجارة …الخ ،  اذ برزت ( المضاربة ) AL MUTHARABA كأقدم صيغة من صيغ التمويل الإسلامي عندما كانت ( مكة) عاصمة للتجارة الإسلامية ومنها واليها تسير القوافل شمالا وجنوبا كما عّبر عنها  القرآن الكريم في ( رحلة الشتاء والصيف ) وذلك لتمتعها بالأمان والضمان والاستقرار ،  اما ( يثرب ) وهي المدينة المنورة فكانت زراعية اكثر من تجارية حتى قال الرسـول الاكرم (ص ) بحـقيهما ( المكيال مكيال اهل المدينة والميزان ميزان اهل مكة)  فالمضاربة كما يسميها اهل العراق و( المقارضة ) كما يسميها اهل نجد والحجاز قبل الإسلام عندما كانت قريش ( قبل الإسلام ) تضارب لمن يتجر بجزء من الربح ،  وقد اقّر الرسول الأعظم ( ص ) ذلك وهو الصادق الأمين على تجارة السيدة ( خديجة  الكبرى )(رض) مقابل نصيب من الربح ،  اذ يقوم الرجل  الغني بدفع ماله الى الآخر ليتجر له فيه ،  وهذا ماكان يحصل بين اغنـياء مــكة والــمتاجــرين  ( المضاربين ) معهم  .

وفي اللغة  العربية جاء مفهوم المضاربة مشتقا من الضرب على الأرض أي السير فيها لطلب العمل بمفهوم الآية الكريمة (وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ) المزمل الاية 20 ..  كذلك  (واذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جُناح  ) النساء الاية101  ..  فضارب له أي اتجر في ماله ،  وتنحصر المضاربة كونها عقدا بين اثنــين الأول يسمى المالك للــمال وهو ( البنك ) والثاني المتصرف به وهو ( المضارب ) ،  وفي الماضي القريب كان الاتفاق بين ( القرّاش ) و(الكّتاف ) يسير على هذا المبدا ،  وبشرط ان يكون المال معلوم القيمة للاتجار به ومن النقود حصرا كالدرهم او الدينار وليس من الأموال غير النقدية اذ يمثل ( رأس المال ) من طرف المالك له  و(المضــارب) من طرف العامل به ،  وتخـضع المـضــاربة الى مــبدا (الربح والخسارة ) وهذا الامر هو المختلف في أداء المصارف الإسلامية عنه  في المصارف التجارية  ..! اذ ان احد من شروط المضاربة هو ان يتحمل مالك المال (البنك ) الخسارة LOSS النقدية ..! بينما يتحمل (المضارب ) العامل الخسارة العملية والجهد الذي قام به ،  اما الربح  PROFIT  فيكون ضمن الشروط المخصومة مسبقا من قبل الطرفين أي تكون نسبة الربح معلومة القيمة بين المالك والمضارب  ،  وقد ذكر النووي خمسة اركان للمضاربة أولها (راس المال ) شرط ان يكون من النقود وان يسلم  الى المضارب بالمناولة او بالتمكين منه ،  ثانيا (العمل) المعلوم الواضح بالصيغة والأداء ،  ثالثا  (الربح) المنصوص عليه بين الطرفين،  رابعا (الصيغة) المكتوب بها هذا التعاقد ويجب ان  ترضي الطرفين دون اجبار او انكار ،  خامسا  (المتعاقدان ) الذي يشترط وجودهما لاتمام العقد  ..! ويمكن ان تكون المضاربة بين المتعاقدين من غير المسلمين ..! وكان العباس بن عبد المطلب اذا دفع مالا يضارب به اشترط على صاحبه ان لايسلك بحرا ولاينزل به واديا ولايشتري به ذات كبــد طرية خوفا من التلف.

مخاطر انتمائية

ان الشروط والاحكام التي وضعت للمضاربة جعلتها تتعرض للمخاطر الائتمانية بشكل كبير،  اذ ان المال الذي يُسلم الى المضارب لا يعد (دَيـناً ) في ذمة المضارب أي قبض امانة لا قبض ضمان .. ! ولايمكن المطالبة به عند الخسارة  ،  كذلك لايتحمل المضارب ما يتلف او يخسر من المال ،  وهذا بدوره يصّعد من درجة المخاطر..! و لايمكن العمل  بالمضاربة بها في الوقت الحاضر الا بشروط مقيدة قد تخرج عن أسلوب المضاربة ..! وبذلك أصبحت هذه النافذة غير محببة  للعمل لدى المصارف الإسلامية.

ان نوافذ التمويل الإسلامي الباقية لها شروط وضمانات تتفق والظروف الحالية للمنح اكثر من أسلوب المضاربة الذي تم شرحه ،  فالمصارف الإسلامية تتجه  في تمويلاتها الى المشاركة والمرابحة و الاجارة وهي عقود تتمثل بالرصانة اكثر من باقي القنوات الائتمانية الإسلامية ،   فنواة  (الاستثمار )..

 استثمار المال للتنمية والبناء عندما يكون على أساس تعاقدي يضمن للمصارف الإسلامية  حقوقها ومدخراتها ويفسح المجال للعمل  اكثر خصوصا مع المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تحرك جميع القطاعات التنموية والصناعية والزراعية التي تدعم الاقتصاد الوطني وتطوره .

{ مدير الادارة والموارد البشرية / مصرف العربية الاسلامي

مشاركة