صيدنايا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬عبرة

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

ليس‭ ‬هناك‭ ‬صيدنايا‭ ‬واحد‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬وانتهى‭ ‬أمره،‭ ‬لا‭ ‬أدري‭ ‬كم‭ ‬عدد‭ ‬السجون‭ ‬المماثلة،‭ ‬ذلك‭ ‬انّ‭ ‬الأنظمة‭ ‬المعتمدة‭ ‬على‭ ‬القمع،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬ارتدت‭ ‬ثياب‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬ليس‭ ‬لها‭ ‬بديل‭ ‬لاستمرارها‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬سوى‭ ‬السجون‭ ‬والتصفيات‭.‬

كثرة‭ ‬القتل‭ ‬والتغييب‭ ‬والاخفاء‭ ‬القسري‭ ‬والاغتيال‭ ‬وتزوير‭ ‬الوقائع،‭ ‬جعلت‭ ‬المتورطين‭ ‬بالدماء‭ ‬يظنون‭ ‬انهم‭ ‬يمارسون‭ ‬القانون‭ ‬الحقيقي‭ ‬الذي‭ ‬من‭ ‬الواجب‭ ‬ممارسته‭ ‬وترك‭ ‬القوانين‭ ‬التي‭ ‬اتاحتها‭ ‬الدساتير‭ ‬العلنية‭ ‬على‭ ‬الرفوف‭ ‬وللتداول‭ ‬الاعلامي‭ ‬الدعائي‭. ‬وجعلت‭ ‬تلك‭ ‬الأساليب‭ ‬الوحشية‭ ‬في‭ ‬استباحة‭ ‬الانسان،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬سجن‭ ‬صيدنايا‭ ‬السوري‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬بشار‭ ‬الأسد،‭ ‬المجرمين‭ ‬يعتقدون‭ ‬انهم‭ ‬الناجون‭ ‬الوحيدون‭ ‬وهم‭ ‬يشهدون‭ ‬الناس‭ ‬تموت‭ ‬قتلاً‭ ‬وحشياً‭ ‬بأيديهم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬محاكمات،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬الى‭ ‬تسجيل‭ ‬عدد‭ ‬القتلى‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭.‬

في‭ ‬الأيام‭ ‬الأخيرة،‭ ‬عرضت‭ ‬الداخلية‭ ‬السورية‭ ‬تسجيلات‭ ‬لاعترافات‭ ‬بعض‭ ‬السجّانين‭ ‬القتلة‭ ‬الذين‭ ‬مارسوا‭ ‬اغتصاب‭ ‬النساء‭ ‬المعتقلات‭ ‬وذبحهن‭ ‬أيضا،‭ ‬وقاموا‭ ‬بتمثيل‭ ‬جرائمهم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أخذهم‭ ‬الى‭ ‬تلك‭ ‬الزنازين‭ ‬أو‭ ‬البيوت‭ ‬المهدمة‭ ‬التي‭ ‬دخلوها‭ ‬لمواطنين‭ ‬سوريين‭ ‬وقاموا‭ ‬بإعدامهم‭ ‬وبينهم‭ ‬إطفاء‭ ‬ونساء،‭ ‬تحت‭ ‬ستار‭ ‬عدم‭ ‬المساءلة‭ ‬والحقد‭ ‬الطائفي‭ ‬وضياع‭ ‬معالم‭ ‬الجرائم‭.‬

‭ ‬الإحصاءات‭ ‬الأولية‭ ‬الموثقة‭ ‬تشير‭ ‬الى‭ ‬اختفاء‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثمائة‭ ‬ألف‭ ‬انسان‭ ‬سوري‭ ‬وتصفيتهم‭ ‬في‭ ‬فروع‭ ‬أمنية‭ ‬وسجون‭ ‬سرية‭ ‬واعدامات‭ ‬فورية‭ ‬في‭ ‬البلدات‭ ‬والقرى‭. ‬وكشفت‭ ‬أجهزة‭ ‬كومبيوتر‭ ‬مطار‭ ‬دمشق‭ ‬الدولي‭ ‬ومنافذ‭ ‬الحدود‭ ‬وفروع‭ ‬المخابرات‭ ‬بعد‭ ‬سقوط‭ ‬الأسد‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬ثمانية‭ ‬ملايين‭ ‬انسان‭ ‬وبعضهم‭ ‬عرب‭ ‬وأجانب،‭ ‬ملزمون‭ ‬بمراجعة‭ ‬فروع‭ ‬المخابرات‭ ‬كمطلوبين‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬دخولهم‭ ‬الى‭ ‬الاراضي‭ ‬السورية‭. ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬يجري‭ ‬تحت‭ ‬الاطمئنان‭ ‬بأنّ‭ ‬أحداً‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬محاسبة‭ ‬أو‭ ‬مجرد‭ ‬التساؤل‭ ‬عمّا‭ ‬تفعله‭ ‬أجهزة‭ ‬امنية‭ ‬قمعية‭ ‬تحمي‭ ‬النظام‭ ‬ورأسه‭. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬اقل‭ ‬من‭ ‬أسبوعين‭ ‬تهاوى‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬وسقطت‭ ‬كل‭ ‬منظومات‭ ‬القمع‭ ‬وهرب‭ ‬المجرمون‭ ‬الكبار‭ ‬وتركوا‭ ‬وراءهم‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأدوات‭ ‬الاجرامية‭ ‬الصغيرة،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬تتكشف‭ ‬صفحة‭ ‬دموية‭ ‬جديدة‭.‬

هذا‭ ‬الواقع‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أمام‭ ‬أعين‭ ‬كل‭ ‬الأنظمة‭ ‬التي‭ ‬تنتهك‭ ‬حقوق‭ ‬الانسان‭ ‬وتظن‭ ‬انّ‭ ‬يوم‭ ‬الحساب‭ ‬خرافة‭ ‬يتداولها‭ ‬المستضعفون‭ ‬من‭ ‬الشعب‭.‬

‭ ‬لنفتش‭ ‬حولنا‭ ‬كم‭ ‬“صيدنايا”‭ ‬لايزال‭ ‬موجوداً،‭ ‬ولنتذكر‭ ‬كم‭ ‬أغلقت‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تتبنى‭ ‬حقوق‭ ‬الانسان‭ ‬عيونها‭ ‬عن‭ ‬المجازر‭ ‬التي‭ ‬ترتكب‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬لها‭ ‬مصالح‭ ‬معها‭. ‬

دائما،‭ ‬توجد‭ ‬نهايات‭ ‬غير‭ ‬محسوبة‭ ‬تكشف‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬مخفياً‭.‬

fatihabdulsalam@hotmail.com

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية