صور القصد الجنائي العام والخاص – سداد عماد العسكري
يكون القصد الجنائي عاما أو خاصا ، و قد يكون مباشرا أو غير مباشر ، و قد يكون محدودا،
أ ـ القصد العام و القصد الخاص :
أولا : القصد العام .
يقصد بالقصد الجنائي العام انصراف إرادة الجاني إلى ارتكاب الجريمة مع توافر العلم بأركان التي يتطلبها القانون . و يعتبر القصد العام لازما لقيام المسؤولية الجنائية في جميع الجرائم العمدية ، و ينحصر في حدود تحقيق الغرض من الجريمة و لا تميز بغيره ذلك أنّ القانون يكتفي بربط القصد الجنائي بالغرض الذي يسعى الجاني إلى تحقيقه بصرف النظر عن الباحث الذي دفعه إلى ارتكاب الجريمة :
و مثال القصد الجنائي العام أن الفقرة الخامسة من المادة 450 ق ع تنص على أنّ ” كلّ من تسبب عمدا فالإضرار بممتلكات منقولة للغير… يعاقب بغرامة من 50 إلى 200 دج ، و يجوز أن يعاقب أيضا بالحبس لمدة عشرة أيام على الأكثر”.
تقتضي المخالفة المنصوص عليها في الفقرة 5 من المادة 450 ق ع ، أن يتعمد الجاني الإضرار بممتلكات الغير المنقولة : أي توافر القصد الجنائي العام لديه بأنّ تنصرف إرادته إلى ارتكاب هذه
المخالفة مع العلم بأركانها التي يتطلبها القانون ، و من ثمّ لا تقوم هذه الجريمة إذا كان الإضرار بالأموال المنقولة المملوكة للغير كان نتيجة إهمال أو خطأ غير عمدي .
و يعني هذا أنّ القصد الجنائي العام ينتفي في الجرائم غير العمدية ، و يحل محله الخطأ أو الإهمال أو الرعونة و هي جرائم تسود فيها فكرة الخطأ غير العمدي كالقتل الخطأ و الإصابة الخطأ.
ثانيا : القصد الجنائي الخاص .
قد يتطلب القانون أن يتوافر في بعض الجرائم ـ إلى جانب القصد الجنائي العام ـ الباعث على ارتكابها و يسمى هذا الباعث بالباعث الخاص أو القصد الجنائي الخاص ، و يقصد بالباعث الدافع النفسي لتحقيق سلوك معين بالنظر إلى غاية محددة .
و مثال القصد الجنائي الخاص أنّ المادة 216 ق ع تستلزم لقيام جريمة التزوير في المحررات الرسمية أو المحررات العمومية أن يتوافر لدى الجاني باعث خاص وهونية استعمال المحرر الرسمي أو العمومي المدور ، إذ لا يكفي لقيام هذه الجريمة القصد العام المتمثل في انصراف إرادة الجاني إلى مجرد تغيير الحقيقة في المحرر الرسمي مع العلم بعناصر الجريمة القانونية.
ويلاحظ أنّ القصد الجنائي الخاص لا يكون إلاّ في الجرائم العمدية كالذي يتطلب توافر القصد إلى جانب القصد الجنائي العام . ذلك أن توافر القصد الجنائي الخاص في هذا النوع من الجرائم يفترض حتما توافر القصد الجنائي العام في حين أنّ توافر القصد الجنائي العام لا يفترض دائما توافر القصد الجنائي الخاص.
ويلاحظ أيضا أنّ القانون لا شأن له في معظم الجرائم بالباعث أو الدافع إلى ارتكابها ، حتى و لو كان هذا الباعث شريفا أو نبيلا كمن يرتكب جريمة قتل دفاعا عن الشرف ، فإنّ ذلك لا يعفي الجاني من المسألة الجنائية ، وإن كان قد يدفع بالمحكمة إلى تطبيق نظام الظروف المخفقة للعقوبة بحسب ظروف كل واقعة ، و بالنظر إلى ما تتمتع به المحكمة من سلطة تقديرية في هذا الخصوص.
ب ـ القصد المباشر و القصد غير المباشر .
أولا : القصد الجنائي المباشر .
يقصد بالقصد الجنائي المباشر أن” تنصرف إرادة الجاني إلى ارتكاب الجريمة مع علمه بتوافر أركانها القانونية ، و اعتقاده اليقيني بأنّ نتيجة محررة بعينها يقصدها ستحقق “.
ومثال القصد الجنائي المباشر أن يطلق الجاني النار على خصمه بهدف قتله ، فإنّ الجاني في هذا المثال يتوقع نتيجة محددة يعينها و هي إزهاق روح المجني عليه ‘ و بذلك يعتبر قصده هنا قصار جنائيا مباشرا. ويلاحظ أنّ القصد الجنائي المباشر هذا المعني لا يبدو أن يكون القصد الجنائي سواء كان عاما أو خاصا بحسب طبيعة الجريمة ، الذي هو عبارة عن انصراف إرادة الجاني إلى ارتكاب الجريمة مع علمه بأركانها القانونية ، و الذي يميز الجرائم العمدية عن الجرائم غير العمدية ، ولذلك يرى بعض الفقه عدم وصول أي مبرر عملي للتفرقة بين القصد الجنائي العام و القصد الجنائي المباشر ، و إن كان لهذه التفرقة أهمية في التعرف على القصد الجنائي غير المباشر .
ويلاحظ أيضا أنّ القصد الجنائي المباشر لا يفترض في حق المتهم ، و أنّ تقدير توافره مسألة موضوعية تخضع لتقدير قاضي الموضوع .
ثانيا : القصد الجنائي غير المباشر .
يطلق على القصد الجنائي غير المباشر أيضا تسمية القصد الجنائي الاحتمالي ، وهو عبارة عن إقدام الجاني على نشاط إجرامي معين فتتحقق نتيجة أشد جسامة من النتيجة التي توقعها في ارتكاب الجريمة ، ويتبن من ظروف الواقعة الجرمية ما يدعو إلى الاعتقاد بأنّ هذه النتيجة كانت في نظر الجاني ممكنة الوقوع لا أكيدة الوقوع .
و مثال القصد الجنائي غير المباشر أن يعمد الجاني إلى ضرب المجني عليه ، و أن يؤدي هذا الضرب إلى وفاته ، ففي هذا المثال أقدم الجاني على فعل الضرب ، و اكن تحققت نتيجة أشد جسامة ممّا قدر لجريمته ولكن هذه النتيجة كانت في نظر الجاني ممكنة الوقوع ، فيكون القصد الذي توافر لديه هو القصد غير المباشر أو الاحتمالي ، فيسأل جنائيا عن جناية ضرب أخطر إلى الموت . ( الفقرة الأخيرة من المادة 264 ق ع ).
و يلاحظ أنّ الرأي الغالب في الحق يعتبر القصد الجنائي غير المباشر أو الاحتمالي صورة من صور القصد الجنائي ، على اعتبار أنّ الجاني توقع النتيجة و مع ذلك مضى في نشاطه الإجرامي غير مبال بما يمكن أن يقع.
جـ ـ القصد المحدود و القصد غير المحدود :
أولا : القصد الجنائي المحدود :
يقصد بالقصد الجنائي المحدود أو المحدد أن تنصرف إرادة الجاني إلى إحداث نتيجة معينة و عقد العزم على ذلك : أن تدبر موضوع الجريمة . و مثاله أن يطلق الجاني النار على شخص معين يقصد قتله. ففي هذا المثال تحدد موضوع الجريمة ، وبالتالي تحدد قصد الجاني .
ثانيا : القصد الجنائي غير المحدود .
يقصد بالقصد الجنائي غير المحدود أو غير المحدد أن تنصرف إرادة الجاني إلى ارتكاب الجريم
غير مبال بما تحدثه من نتائج ‘ فالجاني يقبل سلف أن تقع أية نتيــــــجة يرتبها نشاطه الإجرامي .
ومثاله أن يطلق الجاني النار على تجمع من النّاس يقصد أن يقتل منهم أي عدد ممكن ، و دون أن يكون لديه تصور محدد لأي عدد من النّاس سيقتل ، أي دون تحديد لموضوع الجريمة ، وبالتالي يكون قصد الجاني غير محدد.
و يلاحظ أنّ القصد الجنائي المحدد و القصد الجنائي غير المحدود لا فرق بينهما من حيث تقرير المسؤولية الجنائية ، والنتيجة في كليهما واحدة في نظر القانون ، و لذلك يرى بعض الفقه أنّ التفرقة بين هذين النوعين من القصد الجنائي هي تفرقة شكلية لا قانونية .
و يلاحظ أيضا أنّ القصد الجنائي المحدود و القصد الجنائي غير المحدود صورتان للقصد الجنائي العام ، ولا صلة لهما بالقصد الجنائي غير المباشر ، و هما صورتان لا تكونا إلاّ في الجرائم العمدية.
ب ـ الخطأ غير العمدي :
يعتبر الخطأ غير العمدي صورة من صورتي الركن المعنوي للجريمة . فقد تكون الجريمة عمدية تقوم على توافر القصد الجنائي ، وقد تكون الجريمة غير عمدية تقوم على مجرد توافر الخطأ .
و يقصد بالخطأ غير العمدي التصرف الذي لا يتفق مع الحيطة التي تتطلبها الحياة الاجتماعية . و قد يقع الخطأ غير العمدي بوصفه الركن المعنوي في الجرائم غير العمدية ، قد يقع بفعل سلبي وقد يقع بفعل إيجابي .
و مثال الخطأ الذي يقع بفعل سلبي أن يكون هناك التزام قانون أو تعاقدي ، و أن يقع الإخلال بهذا الالتزام نتيجة خطأ أو إهمال ، كما في حالة الممرضة التي هي ملزمة بمراعاة المريض و إعطائهم الدواء في المواعيد التي يحددها الطبيب ، و تمتنع عن الخطأ أو إهمال القيام بالتزاماتها التعاقدية هاته و يترتب على ذلك تفاقم حالة المريض أو وفاته .
ـ و مثال الخطأ الذي يقع بفعل إيجابي قيادة سيارة بسرعة مفرط فيها ، و أن يؤدي ذلك إلى إصابة أحد المارة .
و للخطأ غير العمدي باعتباره الركن المعنوي في الجرائم العمدية أركان و صور لفرضها فيما يلي:
أولا : عناصر الخطأ غير العمدي:
يستفاد من تعريف الخطأ غير العمدي بالتصرف الذي لا يتفق مع الحيطة التي تتطلبها الحياة الاجتماعية ، أنّ الخطأ لا يقوم إلاّ بتوافر عنصرين ، و هما :
ـ العنصر الأول : الإخلال بواجبات الحيطة و الحذر .
يفترض القانون أنّ الحياة الاجتماعية تقتضي أن يتوخى الفرد في تصرفاته الحيطة و الحذر ، بأن يأتي عملا أو يقوم بسلوك مقضي لنتيجة إجرامية ، و يتولى القانون عادة بيان حدود هذا العمل أو السلوك التي يتوجب مراعاتها . وقد لا يحيط القانون بكل ما يتوجب على الفرد مراعاته في حياته اليومية . و لذلك يثار التساؤل عن المعيار المعول عليه لتحديد القواعد الواجب مراعاتها.
فقد يكتفي القانون بالإشارة إلى الواقعة المجرمة بفعل الإهمال ، أو عدم الحيطة أو عدم الانتباه ، دون بيان للتصرفات التي تعد إهمالا أو تنطوي على عدم الحيطة ، و متى لا يعتبر كذلك . الأمر الذي فتح المجال لاجتهاد الفقه الذي تبنى بعضهم المعيار الشخصي و يتبنى لبعض الأخر المعيار الموضوعي ، نعرضهما فيما يلي ببعض من التفصيل .
* المعيار الشخصي :
يرى أنصار هذا المعيار أنه يجب أن ينظر إلى الشخص المنسوب إليه الخطأ و إلى ظروفه الخاصة ‘ فإذا تبين أنّ سلوك الشخص المفضي للجريمة كان من الممكن تفاديه بالنظر إلى صفاته و ظروفه عرّ مخطئا . ذلك أنه لا يمكن أن يطالب شخص بقدر من الحيطة و الذكاء يفوق ما تحتمله ظروفه الاجتماعية و في حدود ثقافته و سنه و حيويته .
– المعيار الموضوعي :
يرى أنصار هذا المعيار وجوب المقارنة بين ما صدر عن الشخص المعتبر مخطئا و بين ما كان يمكن أن يصدر عن شخص آخر متوسط الحذر و الحيطة لا يمكن أن يقع فيما وقع فيه الجاني ، عد هذا الأخير مهملا أو مخطئا و يسأل جنائيا.
و يميل الرأي الغالب في الفقه إلى الأخر بالمعيار الموضوعي لتقدير توافر الخطأ الواجب للمسؤولية الجنائية مع مراعاة الظروف الشخصية للجاني في تقدير الجزاء العادل.
العنصر الثاني : العلاقة النفسية بين الإرادة و النتيجة .
لا يكفي مجرد الاختلال بواجب الحيطة و الحذر لقيام المسؤولية الجنائية على أساس الخطأ ، بل يجب علاوة على ذلك ، من تحقق نتيجة محددة يرتبها السلوك الموصوف بالإخلال بواجب الحيطة و الحذر : أي وجود ثلاثة بين إرادة الجاني المخطئة وبين النتيجة . بمعنى بأن يكون نشاط الجاني السبب المباشر في إحداث الواقعة الجرمية ،أن يكون نشاط الجاني متصلا بالنتيجة اتصال السبب بالمسبب إذ لا يتصور قيام الجريمة إلاّ بخطأ الجاني ، فإذا إنعدمت رابطة السببية لقدم الجريمة تبعا لذلك.
ثانيا : صور الخطأ غير العمدي:
تتعدد صور الخطأ في قانون العقوبات لستوعاب الخطأ الذي يحدث في الحياة اليومية غالبا تتمثل صور الخطأ في الإهمال أو الرعونة أو عدم الانتباه أو عدم الاحتياط ، أو عدم مراعاة الأنظمة . فكل صورة من هذه الصور يتحقق بها الخطأ الموجب لقيام المسؤولية الجنائية عن الجريمة غير العمدية .
ويبدو من هذا التنظيم القانون للخطأ أنه يوجب لقيام الجريمة وجود فعل ناتج عن وعي و إرادة دون أن
يكون هناك قصد في تحقيق النتيجة . و نبين فيما يلي باختصار معنى كل صورة من هذه الصور :
– الإهمال و عدم الانتباه :
ينصرف معنى الإهمال و عدم الانتباه لتقاربهما في المعنى إلى الخطأ الذي ينطوي عليه نشاط سلبي ترك أو امتناع يتمثل في إغفال الفاعل اتخاذ الحيطة التي يوجبها الحذر ، و الذي لو أتخذه لما وقعت النتيجة . كأن يتسبب الشخص في قتل إنسان أو جرحه بإهماله.
– الرعونة :
يقصد بالرعونة سوء التقدير ، وقد تتجسد الرعونة في واقعة مادية تنطوي على خفة و سوء تصرف كأن يطلق الشخص النار ليصيد طير فيصيب أحد المارة ، وقد يتجسد في واقعة معنوية تنطوي على جهل و عدم كفاءة كالخطأ في تصميم بناء يرتكبه مهندس ، فيتسبب في سقوط البناء و موت شخص.
– عدم الاحتياط :
و يقصد به الخطأ الذي ينطوي على نشاط إيجابي من الجاني بدل عدم التبصر بالعواقب ، و هذا الخطأ الذي يدرك فيه الجاني طبيعة عمله و ما قد يترتب عليه من نتائج ضارة ، كقيادة السيارة بسرعة زائدة في شارع مزدحم بالمارة يفضى إلى قتل أو جرح أحدهم .
– عدم مراعاة الأنظمة :
يقصد به عدم تنصيب الأنظمة المقررة على النحو المطلوب ، أي مخالفة كل ما تصدره جهات الإدارة المختلفة من تعليمات لحفظ النظام و الأمن و الصحة في صورة قوانين أو لوائح أو منشورات.
و يتبين من صور الخطأ المتقدمة أنّ القصد الجنائي منعدم تماما في الجرائم غير العمدية . ذلك أنّ الجاني في هذا النوع من الجرائم يرغب في ارتكاب الفعل الإجرامي و لكن دون نية تحقق النتيجة الضارة خلافا للجرائم العمدية التي يريد فيها الجاني ارتكاب الفعل الإجرامي و أيضا إحداث النتيجة الضارة.