
صورة لها وقع خاص – مهند الياس
(1)
في شارع المتنبي ، رايت هذه الصورة ، واحتفظت بها في استديو تلفوني الجوال ، لان مثل هذه اللقطات اعتز بها ، فهي فريدة ومتميزة ، ذلك لما تمتلكه من معان ودلالات عميقة ..!
(2)
الصورة هي كالاتي :
رجل يعمل حمالا في الستين من عمره ، فروة راسه بيضاء كالقطن
ولحيته كثة ، يجلس على حافة حوض عربته الخشبية ويقرا كتابا ، وحين يناديه شخص ما يضع الكتاب في ( عليجة) .. وهي كيس من القماش
يعلقه في طرف العربة من الاعلى ..ويحتوي هذا الكيس على بعض الكتيبات ، يتناولها في فترة الاستراحة !
(3)
قلت للرجل:
انت تقرا .. رغم عملك القاسي ..؟
اجابني بلغة سا خرة:
انا اقرا حتى لو كنت في الجحيم ..!
قلت: .. وهل تعتقد ان في الجحيم فترة استراحة !
ضحك الرجل ضحكة طويلة قال:
لا استغني من القراءة يا رجل!
قلت له: هل عندك اولاد؟
قال: لدي ولد تخرج مهندسا .. ولا زال يبحث عن عمل .. ولدي اخر يصغره سنا .. عنده بسطية في منتصف شارع المتنبي يبيع الكتب ، والاخر يعمل نادلا في احد المقاهي .. والامور ماشية والحمد لله ..!
(4)
هنا … سحبتني افكاري نحو المرض المزمن ، هذا السرطان القاتل اللذيذ .. وهو مرض القراءة ، فالقارى لا يستطيع ان يلغي المسافة بينه وبين الكتاب ، والكتاب اذا كان جيدا لا يمكن ان يلغي المسافة بينه وبين القاريء ..!
(5)
هذا الرجل هو صورة مصغرة للقارى العراقي بالذات ، ذلك لانه يمتلك ارثا تاريخيا كبيرا ، هذا الارث هو عبارة عن مكتبة او عبارة عن خزانة كبيرة بحجم الحضارة العريقة التي صنعتها جذور حركة الكتاب ..حيث اصبح العراقي هو ابن تلك الحضارة مهما شاكسته النكبات .. وبالتالي هو ابن ذلك الكتاب !
(6)
اشيد بروعة هذا الرجل الذي رايته .. واكبر فيه الروح المتدفقة التي تكتسب من الحياة قيم الكرامة والثقافة ، وتكتسب تجربة في التطلع
الى العالم رغم قساوة شظف العيش .. ان ابتسامة هذا الرجل المتفائل انما تعطي دلالة على ان الذين يفهمون الحياة .. انما هم الذين يبتسمون دائما امام المستحيل !


















