صورة المعارضة في الخارج – صلاح عبد الرزاق

564

مطارحات سياسية وفكرية

صورة المعارضة في الخارج – صلاح عبد الرزاق

في الفترة التي سبقت 2003  كان الشعب العراقي بعمومه بعيداً عما يجري في الخارج. ويعود ذلك إلى تغييب ومنع نشر أية نشاطات عن العراقيين في المهجر تتناول النظام وسياساته. كما أن وسائل اعلام النظام كانت تنشر مقالات وأخباراً تسيء للمعارضة العراقية وتصفهم بالعملاء والمرتزقة والخونة وغيرها من المفردات التي اعتاد اعلام صدام على استخدامها في وصف معارضيه. من جانب آخر لم يكن العراقيون يملكون وسائل اتصال بالخارج، فالتلفزيون فيه قناتان كلاهما للنظام ، وكذلك الاذاعات, ولم يكن مسموح بامتلاك أجهزة ستالايت واستقبال بث فضائي ، ولا فيديو ، ولا أجهزة هاتف نقال . كل ذلك ساهم في رسم صورة سلبية عن معارضي النظام الصدامي خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين.  وبعد سقوط النظام وعودة الكثير من السياسيين والكوادر الاعلامية من الخارج وصاروا يديرون مواقع المسؤولية حتى بدأت حملة شعواء ضدهم تبناها رجال دين واعلاميون وبعثيون ومتضررون من سقوط النظام ، ومنافسون وجدوا أنفسهم لا يملكون تأثيراً جماهيريا مثل قادة المعارضة القادمين من الخارج.

وقد سمحت حرية البث والتعبير والتظاهر والصحافة لهؤلاء بشن حملات مستمرة ضد الخارج. ووصل الأمر الى الدستور الذي تضمن مادة تمنع تولي المناصب السيادية والأمنية الرفيعة لمن يحمل جنسية أخرى. وطالما الأمر دستوري فيجب تنفيذه وصدور قانون  ينظم ذلك الأمر.  بهدف رسم صورة قريبة للواقع للمعارضة العراقية في المهجر قبل عام 2003  رأيت أن أرسم صورة لما كنا نعيشه في المهجر، وتناول نشاطاتنا ومراسلاتنا في شتى القضايا السياسية والثقافية والفكرية.

مرحلة زمنية

 الأمر الذي يسلط الضوء على مرحلة زمنية بقيت معتمة لغالبية العراقيين الذين اعتادوا على مشاهدة نمطية اعلامية يكررها خصوم المعارضة العراقية. صورة مشوهة مسمومة مضخمة تتمثل بأن (كل) المعارضين العراقيين قبل 2003  كانوا لاجئين يعيشون على المساعدات الاجتماعية ويعملون في غسل الأطباق في المطاعم ، وأنهم متسكعون في شوارع المدن الغربية يبحثون عن الرزق والطعام! إن هذه الصورة النمطية يراد بها سلب المعارضة العرقية أية فضيلة أو نضال ضد نظام صدام، وتمثل اسقاطات اجتماعية بوصف المعارضة بأنهم بلا مؤهلات ولا كفاءة ولا معرفة ولا خبرة سياسية، بل أنهم مجرد هاربين يبحثون عن تأمين معيشتهم بأية وسيلة. وهذا غير صحيح على الاطلاق ، أولاً ليس كل من هاجر وغادر العراق كان منشغلاً بالشأن السياسي بل كانت هناك فئة صغيرة هي التي تقود العمل السياسي والاعلامي في الخارج. وأن كثيراً من المهاجرين كانوا يؤيدونها ويتفاعلون معها لأنها تمثل آمالهم الضائعة وأحلامهم المفقودة وطموحاتهم التائهة في خضم الحياة الجديدة. كما أن مجموعة من سياسيي اليوم لم يكونوا نشطين في المعارضة العراقية خوفاً على أهلهم من السلطة أو الملاحقة.

بطولات مزيفة

 وعندما عادوا إلى العراق صاروا يتبجحون ببطولات مزيفة في وسائل الاعلام. وهذا ما زاد الصورة غبشاً وتشويشاً.  بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع الشخصيات المعارضة لكن الواقع الذي عايشناه يؤكد أنهم قدموا الكثير من أجل القضية العراقية. إذ كانوا ينظمون التظاهرات والاحتجاجات والندوات والمؤتمرات السياسية والصحفية. كما نشروا كتباً ومقالات تكشف الظلم الذي عاناه الشعب العراقي. وكانوا يسعون لاقناع الرأي العام الغربي والمنظمات الدولية بحقيقة نظام صدام ، من خلال نشر وثائق وشهادات حية عن خروقات حقوق الانسان ، وحجم المعاناة والجوع والقمع والاعتقال والتهجير واساليب التعذيب في زنزانات النظام التي شملت الرجال والنساء والأطفال وحتى الرضع منهم. كما ساندت المعارضة العراقية كل حركة وانتفاضــــــة حدثت قبل 2003 مثل انتـــفاضة صفر 1397 هـ وانتفاضة رجب  1399 هـ ولعل أبرزها انتفاضة آذار 1991  وما تبعها من مقابر جماعية وتشريد مئات الآلاف من العراقيين.  وهذه المذكرات تؤرخ لجانب من تلك الفترة الزمنية ، وفي هولندا بالخصوص حيث عشنا أكثر من عقدين من الزمن. وتتضمن نشاطات ومراسلات موثقة بالوثائق والصور والرسائل.  إننا نضع هذه المذكرات بين أيدي القارئين وخاصة الباحثين منهم الذين يتوقون للحصول على صورة حقيقية عن المعارضة العراقية بعيداً عن التضخيم والمزايدة ، ويبقى الحكم للشــــعب وللتاريخ.

مشاركة