صور

قصة قصيرة

صور

مزهر جبر الساعدي

أصفن وأفكر في وضعي وما أصبحت فيه، أفحص التباساته من جميع الجوانب. ترعبني المفارقة العجيبة والمؤلمة. أدخل يدي في جيبي، الورقتان لا تزالان فيه. في المرة الأولى هددوني، لم أعر الموضوع أية أهمية، المدة قصيرة جدا، يومان لا أكثر. فاطمة حبيبتي زادت إصراري على الثبات، حثتني على إهمال تهديداتهم الوقحة. بعد ستة أيام هددوني بأخرى، هذه المرة يوم واحد فقط. مضى يوم وآخر وأسدلت الستار على الموضوع برمته. قناعاتي واعتقاداتي خارج أي تصور من هذا القبيل. هذا التصور لا ينحصر بي وحدي، الجميع يعلمونه علم اليقين أن ما هو كائن الآن هو بالتأكيد لا يدخل أبداً في كينونة الجميع، في الكلية، بين الأساتذة والطلاب وفي الطريق وأي مكان. هددوني مرة ثالثة، هذه المرة أحاط بي أساتذة الكلية، نصحوني بأخذ الأمر بجدية إلى أبعد الحدود. حاصروني، لم أتوقع أن أكون بهذا الوضع المخيف.

غضبي يمور داخلي، أنصت علّني أسمع ما يدور بينهم. لا يأتيني غير دوي المحركات الخالي من الأصوات الآدمية. أسألني (أين اختفت أصوات هؤلاء الشياطين..). مضت عليّ دقائق، كنت فيها محاطاً بالمجهول. لم أخف، لكنني توجست مما قد يقدمون عليه من أفعال، قد أفقد بها حريتي وهي أثمن ما أحرص عليه. أحس بثقل الهواء، غير أنني ظللت على وضعي جالس على الكرسي أمام النافذة. رغم شعوري بالضيق والاختناق لم أفتح النافذة. تحاشيت ذلك لأن المطر في اللحظة التالية سقط بغزارة على زجاج النافذة أمامي. دفعته الرياح إليها، وهي تصفر في خصاص الأبواب والشبابيك في واجهة البيت، خيل لي أن الجدران أخذت بالاهتزاز وبدأ يصدر منها أصوات غير مفهومة غطت على عواء الرياح وصوت سقوط المطر على الزجاج، نهضت مثل ممسوس من على الكرسي، تقدمت مذهولاً نحو الكنبة قرب الباب، وقفت لا ألوي على شيء.

انحسر الضوء الخافت أصلاً. انتبهت إلى أن الشمعة تكاد أن تنطفئ. أشعل أخرى. لم تختف الأصوات، على العكس أصبحت أكثر رعباً ووحشية، راجعت ما قمت به لتفادي أي طارئ. تذكرت ما قامت به قبل أن تصعد إلى غرفتها في الطابق الثاني، أغلقت جميع الأبواب والشبابيك بإحكام. ثم التفتت نحوي قائلة:

–           لا عليك، لا تفكر بأي شيء، ارتح ونام الآن، في الصباح رباح. لا يمكن أن يحدث لنا إلا ما قدر الله جل جلاله علينا. الأمور سوف تسير بصورة جيدة كما أوضح لنا عمر عصر اليوم. إن كل شيء جاهز في الفجر، قام بكل ما يلزم. رغم أنه عاد في الظهر، قبل ساعات قليلة.

–           أين كان؟

–           في العمارة لأداء واجب التعزية لمقتل صاحبه حسين علي الأشم.

–           تعرفينه؟

–           لأني أعرفه، آلمني الخبر كثيراً. قتله الأمريكان. كان يتردد علينا باستمرار، أيام حرب إيران مع العراق. يأتي مع أخي عمر في الليل، قادمون من مندلي، غالباً في ساعة متأخرة. يقول لأمي بصوت عميق، في هذه اللحظة بالذات أجدني أحسه يحمل في نبراته فجيعة الدم، خالتي، أتعبتني الحرب، أريد أن أرتاح قليلاً حتى الصبح. أسمعه وأنا وراء الباب الموارب. في ذلك الوقت كنت في الرابع ابتدائي. يصلني ضحك أخي، يضحك ويقول: لا تتشاطر على أمي هي تعرف أني آتي بك مقبوض عليك مني. كي أهضم غيابك عني سبعة أيام. ثم صفنت تحدق في البعيد، ربما في نقطة مجهولة مع أن نظراتها مصوبة نحوي غير أني وجدتها بعيدة عن لحظتي.

–           سألتها

–           أين.

–           أتدري، ربما تستغرب ما حط أمامي في لحظتي هذه، حط ذلك الصبح المجلل بالأمل والحب. عندما دخلت علينا فيه، إلى قاعة قسم التاريخ، أدهشني ما أنت عليه، ممشوق القوام، في نهاية العقد الثالث من العمر. وركزت علينا لدقائق، جعلت ألسنتنا تختفي في حلوقنا. عم الصمت القاعة، أنت أيضاً لم تقل كلمة. أعطيتنا ظهرك، كتبت على السبورة الخضراء، الدكتور عبد الرضا حسين، أستاذ التاريخ, فجاءه غمر الصالة فيض نور من الشمعات الأربعة المعلقة على الجدران الأربعة، عاد التيار الكهربائي. لم أنهض، ظللت مضطجعاً على فراش الكنبة. سحبتني من انتقالات ذهني في راهن حالي، انفجارات هائلة مصحوبة بأصوات رصاص. سقطت عيوني من غير إرادة مني على شاشة التلفاز أمامي نسيت أن أغلقه عندما انقطع التيار الكهربائي قبل ساعات. فلم تسجيلي عن الحرب في أفغانستان في الثمانينيات. أتأمل تتابع الصور بلا إيضاح، الصور بحد ذاتها تبين كل شيء بدون تعليق لأن صوت المعلق اختفى وراء الجبال والوديان وقنابل النار والدخان والطائرات والدبابات ورجال اللحى الطوال والشباب القصار.

في الطريق وراء النافذة تعوي الرياح في ظلام الليل والأمطار؛ لأن أعمدة الطريق، لا توجد مصابيح نور معلقة في أعلاها. اختلط نباح الرياح في خصاص النافذة وراء التلفاز بنصف متر مع أصوات تساقط المطر على الزجاج. بين الفينة والأخرى يخترقها دوي الطائرات وهي تمرق من فوقهم، وتلاحقهما صواريخ منطلقة من الأرض إليها. أخذ رأسي يدور بي مما جعلني آمل متابعة الصور وهي تترى على الشاشة أمامي متداخلة مع بعضها البعض، بت لا أفرق بينها. فسرت في داخلي موجات كره شديد لما أبصر أمامي، أدور معها في دوائر مغلقة لا تنتهي في نقطة محددة أبداً. تظل تلف بي في محطات معتمة تفتقر لأي بصيص من النور فيها. لذلك حركت إبهامي وأنا أمسك الريبوت، ضغطت على أرقام تغيير المحطات فيه، واصلت التبديل واحدة وراء أخرى. أخيراً استقر إبهامي على رقم… من غير أن أعنيه أو يكون هو بغيتي سمعت من الظلام موسيقى مفزعة. ركضفي الممرات المظلمة لغابة كثيفة، في زاوية معتمة جداً، في نقطة بعيدة منها، من الغاية، تدفق الدم. تماوج الضوء الأحمر في الدائرة التي شكلت النقطة القصية وسط عتمة الغابة. الأسنان واصلت انغراسها في عمق الرقبة لرجل مرعوب، حاول أن ينفلت من الأسنان، رأيته تحت الضوء الأحمر الراقص عليه. عندها تذكرته، شاهدته في الليل قبل ساعات من بدء الحرب عام 1991، إخراج أمريكي، الفلم المعروض على الشاشة أمامي.

بعد فترة لم أعلم على وجه التحديد مدتها، أحسست كأن الكنبة تحتي تدور بي في فضاء مفتوح من المطر والرياح والطائرات والصواريخ. مع ذلك جلدت جسدي محاولاً أن أثبت الأشياء في عيني جاعلاً إياها مستقرة حيث هي في مكانها، لم أتمكن. ثم أخذت أقرأ من ذاكرتي ما حفظت من آيات القرآن الكريم. واصلت قراءتي رغم سماعي الأزيز والهواء والنباح يتصادى على الجدران من حولي يخترق الصمت، أصوات آدمية ثم أصوات لكائنات أخرى سألتني عندما دخل الليل إلى مكاني، رأيته يقف على الجدار أمامي بشكل غريب التركيب والمظهر، غريب بكل المقاييس، لم أر مثله في حياتي، مرعب لما أظهر من وحشية. أطرافه العلوية والسفلية ورأسه بحركة سريعة وفي جميع الجهات كراقص سيرك.

في صراعٍ دامٍ قرب الجدار على مقربة مني تضرب يداه رأس عمر، يشخب الدم من هامته يصعد كنافورة تشبه فتيلة حمراء. إلا أنني لم أتوقف عن قراءتي لكتاب الله، أسمع صوتي يأتيني مني. وفي الآونة يسألني ويلح في الإجابة مني عن طريقة دخوله إلي، رغم أن الأبواب مغلقة. صحت به (مفاتيح أبواب بيني كلها معه مثلما هي معي أنا وحبيبتي صاح بي لا أقصد عمر، أقصد كائن الليل الخرافي…). ثم قال بهدوء لا تنظر إليه، فقط ادفع صوت ترتيلك للقرآن الكريم… رفعت نبرتي قال أكثر أكثر، أنصعت لأمر نفسي وعقلي وبدأت أسمع فوقي ومن حولي ترتيل الآيات، وفي البرهة التالية أدهشني عندما غمرتني بإفراط إلى الدرجة التي حجبت بها عني نوافير الدم والصراع واصلت قراءتي بصوت أعلى. لم أتوقف حين مسكني عمر من كتفي قال انهض واركض، اركض. إلى أين؟ لا عليك، فقط اتبعني. قلت له: هي هناك في الطابق الثاني، أتترك كائن الليل المتوحش يفتك بها، لا تخف عليها لأنه هرب مني، ترنح بغتة عندما طوقته حزم وهاجة من جميع الجهات، دوخته ودار حول محوره، قلت لنفسي هي فرصتي، لم أتوان لحظة، أدخلت يدي في فمه وقطعت لسانه. صرخ، وركض خارجاً من الباب الرئيسي.

بعد مسيرة راكضة تتبعناه فيها اعترضتنا في وديان وبحار وخلجان وجبال وعرة. نهبط ونصعد نسمع بين الفينة والأخرى دوي الطائرات وهي تعبر من فوقنا. سألته إلى أين؟ ابتعدنا كثيراً عن الأريغا كثيراً جداً، أجابني: لنعرف من أي مكان جاء. قلت له: فاجأني عندما خرج من بين ثنايا الظلام ودخل إلى بيتي. لم أنتبه إلى وجوده في الغرفة معي. لم يقل كلمة ظل يتسلق الجبل إلى قمته وأنا أتقافز وراءه. في القمة الجبلية تنفس الصعداء. ينظر إلى الوادي الممتد مع طول السلسلة الجبلية التي تحيط بمدينة بيشاور. قبل الآن عندما مررنا على الطريق الداخل إلى المدينة بمسافة كيلومترات قليلة وفي اللحظة التي انحرفنا إلى اليمين لندخل سلسلة الجبال الوعرة، قرأت ما مكتوب فياللافتة التي على جانب الطريق، بيشاور ترحب بكم باللغة الأوردية والإنكليزية. التفت نحوي وقال: إنه هناك في الوادي معهم. لنهبط الآن. بعد ساعة أكثر أو أقل وصلنا إلى حافة الوادي. لبدنا في أجمة منتشرة فيها الأشجار الباسقة والكثيفة، نتسمع وننظر من خلال فجوات ضيقة، ظهر لنا بين مجموعة كبيرة جداً من الرجال الملحتين، للحى طويلة بعضها يصل إلى الصدر. إلى جوانبهم همرات، منتظمون بصفوف متراصة، ثلاث صفوف مسلحون، على أكتاف بعضهم رشاشات جيسي والبعض الآخر صاروخ، لا تزال الطائرات تمرق في السماء، لم تتوقف، أبداً لم تتوقف. بغتة تخترق أحداها، وفي لمحة أسرع من حركة جفن العين، هبطت رأيتها بوضوح، طائرات الميغ، فذكرتني بسنوات الحرب مع إيران، اهتزت الأرض من تحتنا إذ أسقطت الطائرة صاروخ. انطلقت وراءها سهام من نار، في اللحظة التالية وراء الأجمة حدث انفجار هائل، أسقطوا الطائرة. انهض، انهض. صوته رنّ في رأسي. فتحت عيوني، فم عمرفي آذاني وزوجتي تقف فوقي. ضحكوا هي وهو. هيا هيّا، تأخرنا قال عمر.

على طريق ترابي، بين بساتين النخيل، تسير السيارة بتؤدة على الطريق الترابيالبعيد عن الطريق الأسفلتي. رفعت يدي وقربتها من عيوني، مضت أكثر من نصف ساعة، لاتزال المسافة المتبقية كبيرة. إذ لم تظهر معالم الساحة في عطفة الطريق حجبتها عني بقايا ستائر الظلام المتماوجة وهي تغادر الأنحاء أمام خيوط أنوار واهية، الشمس لم تنط بعد من الأفق البعيد.

مثل تماثيل في مسرح الدمى، نتقافز، تضرب هامات رأسينا سقف السيارة فقــــــونا رغم أن عمر يقود ببطء شديد، لم يتمكن من التغلب على الحفر والمطبات في درب التراب بين النخيل وعيناه على الطريق قال:

–           لا تقلق عليهما، فاطمة وحسن، ربما وصلوا الآن إذا لم يكن في الطريق زحام أو محطات مرابطة من قبل الأمريكان وضع فاطمة أجبرني، أن أجعلكما تنتقلون بسيارتي، حامل وفي الشهر الأخير، خطورة بالغة في هذه الحفر والمطبات.

الورقتان هنا في جيبي تذكراني بما آل إليه وضعي عندما حدث انفجار في الساحة القريبة، لم يبتعد عمر بسيارته كثيراً، أراها مثل قطعة فضية مضيئة تحت وهج الشمس بين النخيل. انفجار هائل سبب تصاعد فتائل النار والدخان الأسود نحو السماء فوق الساحة القريبةمن بستان النخيل، أسمع النواح والصراخ وأصوات سيارات الإسعاف والدفاع المدني. آلمني ذلك جداً فضللت متسمراً في مكاني متكئ على جذع نخلة سامقة، في اللحظة التالية أخذت المروحيات الأمريكية تدور في السماء فوقي.

فكرت في زوجتي فاطمة وابني، وجدتني في قلق ممض عليهما، نظرت إلى ساعتي وحسبت الوقت لأعرف على وجه التحديد ما يتطلبه منهما من وقت لعبور الساحة والوصول قبلي. في حساب بسيط تأكدت من أنهم مهما تأخروا فإنهم الآن هناك.

في الآونة تداخل هدير الطائرات مع دك أقدام على الأرض قربي:

–           Hands Up..Hands Up..Hands Up

لم أعرف ما يدور بينهم رغم إنصاتي طيلة رحلتي المشؤومة والمؤلمة معهم عندما أنزلوني من المروحية، لم أبصر أي شيء ولم أعرف أين أنا لأن رأسي لا يزال في الكيس اللعين.