صوت القلب -حيدر علي الجبوري

598

صوت القلب -حيدر علي الجبوري

كل شيء في هذا الكون يسير وفق معادلات رياضية , وينصاع للمنطق , ولا يقبل الخطأ . اخبرني أيضا , بأن ما من شيء لا يمكن تطويعه وفق الأرقام , لأنها الوحيدة التي تسجل كل تفاصيلنا , وان أي حركة نفعلها هي متوالية عددية , و ما بين بدايتنا ونهايتنا سلسلة رقمية ليس إلا . كنت حينها عاجزا عن إيصال لوعة الحب التي كسّرت قاربي وأنا أبحر في عوالم تأمل حبيبة هي جلّ ما وددت , وهي كل ما أسرف من وقت . لكنها حينما علمت , أجابتني بأنها لم تعد للحب إلى الآن مكانا بين طيات أيامها . وأنها تشكر نبل المشاعر التي كرست بعض الأزمنة لأجلها . كان الرد أكثر قسوة لو أنها عبّرت عنه بطريقة عادية وعفوية , وألهمني سحره حبا آخرا لم أكن قادرا على فهمه سوى انه زادني ولعا بها . صِدقا , كنت بحاجة إلى طريقة عادية لئن ترد لي , طريقة مثل تفاصيل حياتها التي اهتممت بها أكثر من أي تفاصيل أخرى . طريقة لا توقعني بين تناقض سجيتها البسيطة وتعقيد ردها الموجع . وجدتُني بحاجة لأي ترياق ينزع الوجع المضني ويعيد لي أمل أن تكون تلك البسيطة المعقدة حبيبة . ثم أخطأت حينما آمنت بما قال لي ذلك الناصح , حينما غفلتُ عن حياته المجدبة المقفرة , فلم يطرق باب امرأة , وما تبللت بيوم أذناه بمطر صوت واحدة أو بروح موسيقى تبث الحب في اوردته . قال لي بأن العالم منطقي جدا , وأنني غلطان حينما دخلت دربا بدون علامات ترشدني إلى مدينة من أحب . قال بأنه يملك خرائط النفوس , وهي أسهل من كل خرائط الكون هذا , النفوس لا تتوافق كيفما اتفق – وفق منطقه – وكل قصص الحب المنتهية لم تشفع لها المواعيد , ولا ارتشاف فناجين القهوة الكثيرة , ولا سهر الليالي أو كتابة الرسائل . ثم أكمل : حتى الصدف هي مجرد نتائج رقمية صحيحة لم ينتبه لها أولئك العشاق الأغبياء , فاعرضوا عن منطق حبهم بكلمات الزينة دون الاكتراث للنهايات الحزينة , لان النهايات لا تختلف عن البدايات بشيء , إن غدت بصورة عقلية .

كان استسلامي لاحجياته محاولة أردت من خلالها تحقيق الأمنية . وصار يدون بدفتره السخيف كل ملاحظاته عني , ويضع فوق كل ما أقوله رقما ما , وعلامات ضرب وزائد و طرح وتقسيم , لم أكن اعلم ما كان يضربه سوى ضربته القاضية , ولم ادري ما طرح غير انه اخذ من أيام حياتي أجملها , لم يزد شيئا , و ما عَدلَ بقسمته أبدا . كان يدون كل تفصيله عنها , متى تأتي , وكيف تمشي , لما تلبس اللون الزهري في كل احد , وتتخلى عن معطفها كل خميس . كان يدون خصلات شعرها الحرة , و يضع علامات غريبة عن الخصلات المقيدة . لم اسأله عما كان يكتبه حينما يستمع لضحكتها . بينما كنت أنا المنتظر لتلك المعادلة أن تأتي بعلامة كاملة وحب محقق , وسأفرح مثل إي طفل أول ابتدائي وهو يحرز أول علامة عشرة من عشرة ويظن بأنه قد امتلك هذا العالم . حتى حلّ ذلك الصباح , والذي فيه أراني كل ما كتبه لشهور طوال أضعت فيها كل شيء والى الأبد , كان واثقا بما جاء به إلي , وقال بأن اليوم هو يومي الملائم , وتقول معادلاته بأن من أحببتها هي نتيجة طبيعية ستخرج بعد علامة المساواة , فرأيت بذلك الصباح المضيء أكثر من أي صباح عنفوان تألقها يسيطر على الأمكنة . قال لي : اذهب لبرهنة ما بدفتري , ولا تستمع أبدا لنبضات قلبك . ما لم أكن اعرفه , جوابها كتفسير جديد للحب . قالت بأن بابه يُطرق مرة واحدة , تلك المرة التي تختصر كل البدايات والنهايات معا . اذا لم يكن هنالك من مجيب , فلا داع للوقوف عنده أبدا إكراما للحب بحد ذاته . مضت مبتعدة عني , بعد تمنيها لي , بحبيبة تجيد الاستماع لصوت قلبي .

مشاركة