صناعة الوهم على نار هادئة – هدى زوين

صناعة الوهم على نار هادئة – هدى زوين

ليست الحقيقة دائمًا كما تُروى، ولا المشاعر كما تُعلَن. هناك ما يُقال على المنابر بلهجةٍ واثقة، وهناك ما يُكتب بهدوءٍ تحت الطاولة. وبين العلن والظل، تُنسج حكاية كاملة تُقدَّم للناس بوصفها الرواية الوحيدة الممكنة.

على نارٍ هادئة تُطبخ التفاصيل.

لا شيء يحدث بعجلة، ولا قرار يُرمى دفعة واحدة. تُختار الكلمات بعناية، تُلمَّع العبارات، تُختصر الوقائع، وتُعاد صياغة الأحداث بما يتناسب مع الصورة المراد تثبيتها في الوعي العام..  الطاولة المستطيلة ليست مجرد خشبٍ يجتمع حوله أشخاص، بل مساحة تُدار فيها الاتجاهات، وتُوزَّع فيها الأدوار، ويُتفق فيها على ما يجب أن يُقال… وما يجب أن يُؤجَّل.. يوهمون الشعب بالصدق والحب.. يتحدثون عن القرب والانتماء، عن التضحية والحرص، عن المشاركة والشفافية. تُقال الكلمات بنبرة دافئة، وتُرفق بابتساماتٍ محسوبة، فيبدو المشهد إنسانيًا ومطمئنًا. غير أن خلف هذا الدفء المعلن، حقيقة أخرى تتكوّن ببطء. فالصدق حين يتحول إلى وسيلة إقناع، والحب حين يُستخدم كأداة خطاب، يفقدان نقاءهما، ويغدو كلاهما جزءًا من سيناريو مُعدّ بإتقان.

الكذبة الكبرى لا تصرخ، ولا تأتي فجأة لتُصدم الجميع.

إنها تتسلل. تبدأ بعبارة صغيرة، ثم تتبعها صورة مختارة بعناية، ثم تصريح مؤثر، ثم تكرار مستمر حتى تصبح الرواية مألوفة. ومع الألفة يولد التصديق، ومع التصديق يترسخ الوهم. وهكذا، يكبر المشهد من دون ضجيج، ويتحول إلى واقعٍ يتعامل معه الناس كأنه حقيقة مطلقة.

المشكلة ليست في اختلاف الرؤى، بل في صناعة واقعٍ مصقول يخلو من الزوايا الحادة. يُطلب من الناس أن يثقوا بلا سؤال، أن يطمئنوا بلا تدقيق، أن يصفقوا قبل أن تتضح الصورة كاملة. وعندما تتكشف بعض الحقائق، يكون الشعور بالمرارة قد استقر في الداخل، كقهوةٍ تُركت طويلًا على النار حتى اشتدّ طعمها.

صناعة الوهم… على نار هادئة” ليست مواجهة صاخبة، بل قراءة هادئة لآليةٍ تتكرر. آلية تعتمد على التدرج، وعلى استثمار العاطفة، وعلى تزيين الخطاب بما يكفي ليبدو مقنعًا. إنها دعوة لإعادة النظر، للبحث عما وراء الكلمات، وللتفريق بين حرارة الشعارات وصدق الأفعال.

فالوعي لا يولد من الضجيج، بل من السؤال.

ومن يملك شجاعة السؤال، لن يكتفي بمذاقٍ مُحلّى بالكلمات، بل سيبحث عن الحقيقة كما هي… حتى وإن كانت مُرّة.