صفعة الملك ..طقس وضرورة – قيس حسين رشيد

 

 

 

صفعة الملك ..طقس وضرورة – قيس حسين رشيد

لا  احداً سبق العراقيين القدماء في محاسبة الحاكم بكل سطوته الطاغيه ولا أضن أن أحداً سيفعلها بعدهم بالطريقه الطقوسيه الاعتبارية تلك . لقد كانوا  يصفعون الملك كل عام ايها الساده ،  يحدث هذا في احد ايام عيد (اكيتو) وهو عيد رأس السنه الرافدينيه الذي كان يحتفل به لمدة اثنا عشر يوماً ابتداءاً من الاول من نيسان في كل مدن العراق القديم.

تمتد جذور هذا العيد الاحتفالي الى حدود منتصف الألف الثالث قبل الميلاد ألا انه وصل الى قمة نضوجه وأوج شهرته في العصر البابلي الحديث (626- 539 قبل الميلاد) وقد حُددت الطقوس الدينيه في هذا العيد ووزعت على أيامه .

في اليوم الخامس من عيد (اكيتو) البابلي هناك مراسيم عديده من ضمنها طقس اذلال الملك حيث يبدأ الملك بغسل يديه في الساحه الخارجيه للمعبد تعبيراً عن برائته من الذنوب ليأخذه بعدها الكاهن الاكبر الى مزار المعبود(نابو)الذي يصل تمثاله الى مدينة بابل من مدينة بورسيبا المجاوره ومن ثم يدخلون معاً الى المعبد الرئيس في بابل المخصص للمعبود(مردوخ)  وامام محرابه يبدأ الكاهن الاكبر بتحرير الملك من صولجانه وسيفه وتاجه وجميع شاراته الملكيه ثم يقوم بصفع الملك على خده ويجره بعنف من أذنه ويركعه امام تمثال مردوخ والملك المذلول يردد تراتيل الطاعه معترفاً بأنه لم يذنب ولم يسبب الهوان لشعبه  فيقوم الكاهن الاكبر بأعادة الشارات الملكيه له لكنه يقوم  بصفعه مره ثانيه بقوه اكبر فأذا ذرف الملك دموعه كان هذا تعبيراً عن رضا المعبود وهي لحظه مهمه للبلاد إذ تُعد تكفير للشعب بأعتباره ممثل لهم امام الرب.

لقد اعتاد العراقيون في بابل وآشور وكل المدن القديمه الاخرى على معايشة طقس اذلال الملك في عيدهم الاكبر رغم كل القدسيه التي  تتمتع بها الملوكيه بأعتبارها هبة السماء التي نزلت على سومر ثم رُفعت اثناء الطوفان العظيم وهبطت ثانية بعد انتهاء ذلك الحدث الكوني المهول .. يذكر النص السومري:-

(( كانت عشتار تبحث عن راعٍ للبشر

كانت تبحث عن ملك للبلاد

أنانا  كانت تتوق الى راعٍ للبشر

كانت تبحث عن ملك للبلاد

ففتش انليل العروش في السموات

بحث في كل مكان عن عرش الملك

إذ لم يكن في البلاد ملك

إذ ذاك نزلت الملوكيه من السموات

انليل قرر ان يخلق ملكاً في البلاد ..))

ولهذا كان العراقيون القدماء يجلون الملك بأعتباره الواسطه بين المعبود والرعيه الا ان اليوم الخامس من عيد(اكيتو)يمثل لهم يوم طقس التطهير الذي لابد منه وهو تذكير بأن قدسيتك ايها الحاكم إنما تستمر بمدى خدمتك لشعبك ودولتك..

صفعه في يوم حافل بالمراسم والحضور الشعبي والرسمي كافيه بأن تعيد تنظيم نفس الحاكم وتبعد عنها الكبر والتيه والغطرسه وهذا الطقس السنوي هو بمثابة تجديد للبيعه وبالتالي فالحاكم عليه التحضير له بأعمال وأفعال تجعل المعبد والرعيه راضين عنه وراغبين بتجديد بيعتهم له.

وللأسف لم يتعلم العراقيون اليوم من اسلافهم فلسفة هذه الصفعه وتبعاتها ..لقد أتاح لهم التغيير السياسي العنيف بعد عام2003 فرصة ان يصفعوا الحاكم ويحاسبوه حتى وان كانت تلك( الفرصه-الصفعه) تأتيهم كل اربع سنوات عبر صناديق الاقتراع الا انهم كانو يعيدون نفس الوجوه ونفس السياط وكأنهم المسجون الذي عشق سجانه.

ارى اننا بحاجه ماسه لحسن اختيار الحاكم المستعد لتلقي صفعة التذكير والتطهير تلك من خلال خلق وعي انتخابي يمثل الكاهن المفتول العضلات المشتعل القلب من كل ويلات العراق الماضيه ليقوم بدور الصافع ..صفعةٌ بأسم الشعب حتى يفيق الظالم و(يفوخ) المظلوم.

{  دكتوراه تاريخ وحضارة

مشاركة