صغار‭ ‬وكبار‭ ‬يتطوعون‭ ‬لتنظيف‭ ‬ساحات‭ ‬بيروت‭ ‬صباح‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬غداة‭ ‬التظاهرات

234

بيروت ـ‭ ‬21-10-2019‭ ‬(أ‭ ‬ف‭ ‬ب)‭ ‬‭ ‬تشارك‭ ‬لين‭ ‬أبي‭ ‬خليل‭ ‬في‭ ‬الحراك‭ ‬الشعبي‭ ‬غير‭ ‬المسبوق‭ ‬الذي‭ ‬يجتاح‭ ‬لبنان‭ ‬ولكن‭ ‬على‭ ‬طريقتها‭ ‬الخاصة‭. ‬فبعدما‭ ‬منعتها‭ ‬عائلتها‭ ‬من‭ ‬التظاهر‭ ‬خوفاً‭ ‬عليها،‭ ‬قررت‭ ‬التطوع‭ ‬كل‭ ‬صباح‭ ‬في‭ ‬إزالة‭ ‬النفايات‭ ‬من‭ ‬وسط‭ ‬بيروت‭ ‬لتنظيف‭ ‬الساحات‭ ‬للمحتجين‭.‬

وتقول‭ ‬لين‭ ‬(17‭ ‬عاماً)،‭ ‬طالبة‭ ‬الطب‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬الأول،‭ ‬«لا‭ ‬يرغب‭ ‬أهلي‭ ‬بمشاركتي‭ ‬ويقولون‭ ‬إن‭ ‬هناك‭ ‬عنفاً‭ ‬أحياناً،‭ ‬لكنني‭ ‬أشارك‭ ‬بطريقة‭ ‬أخرى»‭.‬

وتضيف‭ ‬«شجعت‭ ‬صديقتي‭ ‬على‭ ‬النزول‭ ‬معي،‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نريهم‭ ‬أننا‭ ‬نريد‭ ‬التغيير»،‭ ‬موضحة‭ ‬«ننظف‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الناس‭ ‬الذين‭ ‬يأتون‭ ‬للتظاهر‭ ‬بعد‭ ‬الظهر،‭ ‬كي‭ ‬يأتوا‭ ‬ويتحمسوا‭ ‬على‭ ‬التظاهر»‭.‬

ودخل‭ ‬التحرك‭ ‬غير‭ ‬المسبوق‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬مطالب‭ ‬معيشية‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬صغير‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬المديونية‭ ‬والفساد‭ ‬والمحاصصة‭ ‬والوراثة‭ ‬السياسية،‭ ‬الإثنين‭ ‬يومه‭ ‬الخامس‭. ‬وشهد‭ ‬الأحد‭ ‬أكبر‭ ‬التظاهرات‭ ‬بنزول‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬إلى‭ ‬الشوارع‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المناطق‭ ‬اللبنانية‭.‬

ولين‭ ‬هي‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬مئات‭ ‬النساء‭ ‬والرجال‭ ‬والأطفال‭ ‬الذين‭ ‬ينزلون‭ ‬في‭ ‬ساعات‭ ‬الصباح‭ ‬الأولى‭ ‬منذ‭ ‬بدء‭ ‬التظاهر‭ ‬إلى‭ ‬وسط‭ ‬بيروت‭ ‬لإزالة‭ ‬النفايات‭ ‬التي‭ ‬تركها‭ ‬المتظاهرون‭ ‬خلفهم‭.‬

وأمام‭ ‬مسجد‭ ‬محمد‭ ‬الأمين،‭ ‬وضع‭ ‬متطوعون‭ ‬مستوعبات‭ ‬بلاستيكية‭ ‬لفرز‭ ‬النفايات،‭ ‬كتب‭ ‬على‭ ‬إحداها‭ ‬«نفايات‭ ‬عضوية»‭ ‬وأخرى‭ ‬«كرتون‭ ‬وورق»،‭ ‬فيما‭ ‬خصصت‭ ‬أكياس‭ ‬كبيرة‭ ‬لجمع‭ ‬عبوات‭ ‬المياه‭ ‬البلاستيكية‭ ‬التي‭ ‬انتشرت‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ناحية‭ ‬وصوب‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭.‬

وشهد‭ ‬لبنان‭ ‬أزمة‭ ‬نفايات‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2015،‭ ‬حين‭ ‬تكدست‭ ‬الزبالة‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬بيروت‭ ‬وضواحيها،‭ ‬ما‭ ‬أسفر‭ ‬عن‭ ‬خروج‭ ‬تظاهرات‭ ‬كبيرة‭ ‬منددة‭ ‬بعجز‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬عن‭ ‬إيجاد‭ ‬حل‭ ‬مستدام‭.‬

وفي‭ ‬وسط‭ ‬بيروت،‭ ‬تحوّلت‭ ‬ساحات‭ ‬التظاهر‭ ‬ليلاً‭ ‬إلى‭ ‬ساحات‭ ‬رقص‭ ‬وغناء‭. ‬واكتظت‭ ‬ساحة‭ ‬الشهداء‭ ‬بمتظاهرين‭ ‬بدا‭ ‬وكأنهم‭ ‬في‭ ‬نزهة،‭ ‬افترشوا‭ ‬الأرض‭ ‬ووضعوا‭ ‬الخيم‭ ‬والنراجيل‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬أتى‭ ‬بموقد‭ ‬للشوي‭.‬

‭ ‬«واجبنا‭ ‬التنظيف»‭ ‬

منذ‭ ‬صباح‭ ‬السبت،‭ ‬يحضر‭ ‬بيتر‭ ‬مرقدي‭ ‬صباح‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬إلى‭ ‬وسط‭ ‬بيروت‭ ‬للتطوع‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬النفايات‭.‬

ويقول‭ ‬الشاب،‭ ‬الذي‭ ‬ارتدى‭ ‬قميصاً‭ ‬رمادي‭ ‬اللون،‭ ‬«دخلت‭ ‬إلى‭ ‬المطبخ‭ ‬في‭ ‬منزلي،‭ ‬فتحت‭ ‬الخزانة‭ ‬لأرى‭ ‬ما‭ ‬فيها،‭ ‬أخذت‭ ‬الأكياس‭ ‬البلاستيكية‭ ‬والقفازات‭ ‬ونزلت‭ ‬إلى‭ ‬الشارع»‭.‬

ومنذ‭ ‬بدء‭ ‬التظاهرات،‭ ‬بدأت‭ ‬أعداد‭ ‬المتطوعين‭ ‬في‭ ‬التنظيف‭ ‬ترتفع‭ ‬يومياً‭.‬

ويوضح‭ ‬بيتر‭ ‬«حين‭ ‬نزلنا‭ ‬إلى‭ ‬الأرض‭ ‬أول‭ ‬مرة‭ ‬كنا‭ ‬خمسة‭ ‬أشخاص‭ ‬فقط،‭ ‬ثم‭ ‬50‭ ‬ثم‭ ‬500،‭ ‬والآن‭ ‬بات‭ ‬هناك‭ ‬الآلاف‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المناطق»‭.‬

وأنشأ‭ ‬هؤلاء‭ ‬مجموعات‭ ‬خاصة‭ ‬على‭ ‬تطبيقات‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للتخطيط‭. ‬يتجمع‭ ‬المتطوعون‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬عند‭ ‬الساعة‭ ‬الثامنة‭ ‬مساء،‭ ‬يجلبون‭ ‬أغراضهم،‭ ‬ويحضرون‭ ‬ما‭ ‬يلزمهم‭ ‬للانطلاق‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬صباح‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭. ‬ويقول‭ ‬بيتر‭ ‬«نحن‭ ‬ندعم‭ ‬الشعب‭ ‬اللبناني‭ ‬الذي‭ ‬يتظاهر،‭ ‬كثيرون‭ ‬يشعرون‭ ‬بالغضب‭ ‬والألم‭ ‬(‭…‬)‭ ‬نحن‭ ‬نحترم‭ ‬صوت‭ ‬الشعب‭ ‬وواجبنا‭ ‬هو‭ ‬التنظيف»‭. ‬واتخذت‭ ‬التحرّكات‭ ‬منحى‭ ‬تصاعدياً‭ ‬منذ‭ ‬الخميس‭ ‬مع‭ ‬ازدياد‭ ‬أعداد‭ ‬المتظاهرين‭ ‬تباعاً،‭ ‬في‭ ‬تحرك‭ ‬شلّ‭ ‬البلد‭ ‬وأغلق‭ ‬مؤسساته‭ ‬كافة‭. ‬ويحمل‭ ‬المتظاهرون‭ ‬على‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬سوء‭ ‬إدارتها‭ ‬لشؤون‭ ‬البلاد‭ ‬وفسادها‭ ‬وعجزها‭ ‬عن‭ ‬إيجاد‭ ‬حلول‭ ‬لمشاكل‭ ‬متفاقمة‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭.‬

وكانت‭ ‬الحكومة‭ ‬في‭ ‬الأسابيع‭ ‬الأخيرة‭ ‬تدرس‭ ‬فرض‭ ‬سلسلة‭ ‬ضرائب‭ ‬جديدة‭ ‬تطال‭ ‬بمجملها‭ ‬جيوب‭ ‬الفقراء‭ ‬ومحدودي‭ ‬الدخل‭. ‬وشكل‭ ‬سعيها‭ ‬لفرض‭ ‬رسم‭ ‬مالي‭ ‬على‭ ‬الاتصالات‭ ‬المجانية‭ ‬عبر‭ ‬تطبيقات‭ ‬الهاتف‭ ‬الخلوي‭ ‬الشرارة‭ ‬التي‭ ‬أطلقت‭ ‬هذه‭ ‬التحركات‭ ‬الغاضبة‭.‬

‭ ‬«مكانهم‭.. ‬القمامة»‭ ‬

أمام‭ ‬الأسلاك‭ ‬الشائكة،‭ ‬يضع‭ ‬شاب‭ ‬كمامة‭ ‬على‭ ‬وجهه‭ ‬ويكنس‭ ‬الأرض‭ ‬بمقشة‭ ‬خشبية‭ ‬طويلة‭.‬

ويصور‭ ‬سهيل‭ ‬حمدان‭ ‬(49‭ ‬عاماً)‭ ‬مشهد‭ ‬التنظيف‭ ‬أمامه‭ ‬بهاتفه‭ ‬الخلوي،‭ ‬لينشره‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لاحقاً‭.‬

ويقول‭ ‬«مصير‭ ‬الفاسدين‭ ‬في‭ ‬بلدنا‭ ‬هو‭ ‬أكياس‭ ‬القمامة‭ ‬ومن‭ ‬بعدها‭ ‬السجن»‭.‬

ويضيف‭ ‬«لا‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أخرج‭ ‬من‭ ‬الشارع‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬وُضع‭ ‬النواب‭ ‬والوزراء‭ ‬الفاسدون‭ ‬في‭ ‬السجن»‭.‬

ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬الشبان،‭ ‬بل‭ ‬شارك‭ ‬الأطفال‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬التنظيف‭.‬

ترفع‭ ‬طفلة‭ ‬شعرها،‭ ‬تضع‭ ‬كمامة‭ ‬على‭ ‬وجهها،‭ ‬وترتدي‭ ‬قفازاتها،‭ ‬وتجمع‭ ‬آخر‭ ‬النفايات‭ ‬وتضعها‭ ‬في‭ ‬كيس‭ ‬حمله‭ ‬والدها‭ ‬قربها‭.‬

اختار‭ ‬سامي‭ ‬الديب‭ ‬(34‭ ‬عاماً)‭ ‬ألا‭ ‬يذهب‭ ‬إلى‭ ‬عمله‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يحصل‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬اليوم‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬مستقبله‭.‬

ويقول‭ ‬«نحن‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬منذ‭ ‬أربعة‭ ‬أيام،‭ ‬نناضل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬حقوقنا»‭.‬

منذ‭ ‬اليوم‭ ‬الأول،‭ ‬يشارك‭ ‬سامي‭ ‬في‭ ‬التظاهرات‭ ‬التي‭ ‬تحولت‭ ‬مساء‭ ‬الأحد‭ ‬إلى‭ ‬ساحات‭ ‬رقص‭ ‬وغناء‭. ‬وتوزعت‭ ‬شاحنات‭ ‬محملة‭ ‬بمكبرات‭ ‬الصوت‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬بيروت‭ ‬ليلاً‭. ‬ومن‭ ‬كل‭ ‬شاحنة،‭ ‬تصدح‭ ‬أغنية‭ ‬مختلفة‭ ‬عاطفية‭ ‬كانت‭ ‬أو‭ ‬وطنية،‭ ‬ومن‭ ‬حولها‭ ‬يرقص‭ ‬المتظاهرون‭ ‬حاملين‭ ‬الأعلام‭ ‬اللبنانية‭ ‬أو‭ ‬واضعين‭ ‬أقنعة‭ ‬على‭ ‬وجوههم‭. ‬ويقول‭ ‬سامي‭ ‬«ننظف‭ ‬في‭ ‬الصباح،‭ ‬ونحتفل‭ ‬مساء»‭.‬

مشاركة