صعلكة

حسن النواب

‭(‬‮٢‬‭)‬

ذات‭ ‬ليلة‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬‮١٩٩٤‬كنتُ‭ ‬أجلسُ‭ ‬في‭ ‬نادي‭ ‬الأدباء‭ ‬مع‭ ‬حيدر‭ ‬شقيق‭ ‬أم‭ ‬تبارك،‭ ‬وقد‭ ‬دعوتهُ‭ ‬من‭ ‬البصرة‭ ‬لكي‭ ‬أتباهى‭ ‬أمامهُ‭ ‬بأصدقائي‭ ‬من‭ ‬الأدباء‭ ‬الذين‭ ‬يفدونَ‭ ‬عند‭ ‬المساء‭ ‬إلى‭ ‬النادي،‭ ‬لم‭ ‬أكنْ‭ ‬متزوجاً‭ ‬من‭ ‬أم‭ ‬تبارك‭ ‬بعد؛‭ ‬بيننا‭ ‬عقد‭ ‬قران‭ ‬حكومي‭ ‬وشرعي‭. ‬خلال‭ ‬الجلسة‭ ‬الهادئة‭ ‬كنتُ‭ ‬أشيرُ‭ ‬بيدي‭ ‬بين‭ ‬حين‭ ‬وآخر‭ ‬على‭ ‬موائد‭ ‬الأدباء‭ ‬الذين‭ ‬ازدحمتْ‭ ‬بهم‭ ‬حديقة‭ ‬النادي‭ ‬الغنَّاء،‭ ‬معرِّفاً‭ ‬إيَّاهُ‭ ‬بهم‭.. ‬هذا‭ ‬الشاعر‭ ‬الكبير‭ ‬حسب‭ ‬الشيخ‭ ‬جعفر،‭ ‬وهذا‭ ‬القاص‭ ‬عبد‭ ‬الستار‭ ‬ناصر،‭ ‬وهذا‭ ‬فلان‭ ‬وهذا‭ ‬علَّان؛‭ ‬لم‭ ‬أكنْ‭ ‬على‭ ‬يقين‭ ‬أنَّهُ‭ ‬قد‭ ‬سمع‭ ‬بهم‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬فهو‭ ‬شاب‭ ‬بعيد‭ ‬كل‭ ‬البعد‭ ‬عن‭ ‬الأدب‭ ‬والأدباء،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬بدَّ‭ ‬أنْ‭ ‬أدعوهُ‭ ‬حتى‭ ‬يعرف‭ ‬مكانتي‭ ‬بينهم،‭ ‬ولطرد‭ ‬فكرة‭ ‬خبيثة‭ ‬وصلت‭ ‬لهم‭ ‬من‭ ‬مغرضين‭ ‬بأنّي‭ ‬مجرَّد‭ ‬صعلوك‭ ‬اقترن‭ ‬بأختهِ‭. ‬كان‭ ‬يشرب‭ ‬كأس‭ ‬الجِعة‭ ‬ببطء،‭ ‬حين‭ ‬أقبل‭ ‬صديقي‭ ‬الغجري‭ ‬نصيف‭ ‬الناصري‭ ‬إلى‭ ‬مائدتنا،‭ ‬قال‭ ‬بعفويتهِ‭ ‬المعهودة‭:‬

‭-  ‬محتاج‭ ‬ربع‭ ‬عرق‭ ‬حسون‭.‬

‭- ‬تدلَّل

‭- ‬مَنْ‭ ‬الأخ‭ ‬الذي‭ ‬يجلس‭ ‬معك؟

‭- ‬أخو‭ ‬رجاء‭ .. ‬حيدر

كان‭ ‬يعرف‭ ‬أني‭ ‬عقدت‭ ‬القران‭ ‬على‭ ‬فتاة‭ ‬بصرية،‭ ‬وقد‭ ‬أخبرتهُ‭ ‬عن‭ ‬اسمها،‭ ‬إذْ‭ ‬أني‭ ‬استعرتُ‭ ‬قميصه‭ ‬السمائي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يلبسهُ‭ ‬حتى‭ ‬أكون‭ ‬بمظهر‭ ‬مناسب‭ ‬أمام‭ ‬عائلتها‭ ‬عندما‭ ‬ذهبتُ‭ ‬إلى‭ ‬البصرة‭ ‬لعقد‭ ‬قراني‭ ‬عليها‭.‬

ما‭ ‬أنْ‭ ‬عرف‭ ‬أنَّ‭ ‬الذي‭ ‬يجلس‭ ‬معي‭ ‬شقيق‭ ‬رجاء‭ ‬حتى‭ ‬فتح‭ ‬فمه‭ ‬بكلامٍ‭ ‬لم‭ ‬أتوقَّعهُ‭:‬

‭- ‬عيني‭ ‬حيدر،‭ ‬أنتم‭ ‬لم‭ ‬تجدوا‭ ‬غير‭ ‬هذا‭ ‬المتشرِّد؟‭ ‬هذا‭ ‬جسمه‭ ‬مستوطنة‭ ‬للقمل،‭ ‬وبعض‭ ‬قمله‭ ‬يدِّبُ‭ ‬على‭ ‬جسدي‭ ‬الآن‭.‬

ابتسمَ‭ ‬حيدر‭ ‬مجاملةً،‭ ‬و‭ ‬نظر‭ ‬إلى‭ ‬وجهي‭ ‬باستغراب؛‭ ‬فارتبكتُ‭ ‬وسيطر‭ ‬على‭ ‬أفكاري‭ ‬الحرج،‭ ‬حتى‭ ‬تمكنتُ‭ ‬أنْ‭ ‬أقول‭:‬

‭- ‬نصيف‭ ‬يحب‭ ‬المزاح‭ ‬عندما‭ ‬يسكر‭.‬

‭- ‬لا‭ ‬مزاح‭ ‬ولا‭ ‬هم‭ ‬يحزنون،‭ ‬اتحدَّاك‭ ‬تنزع‭ ‬قميصك‭ ‬أمام‭ ‬حيدر‭.‬

‭- ‬لماذا؟

‭- ‬حتى‭ ‬يرى‭ ‬القمل‭ ‬الذي‭ ‬يعشش‭ ‬فيه‭.‬

‭- ‬نصيف‭ ‬اشرب‭ ‬ربع‭ ‬عرق‭ ‬على‭ ‬حسابي‭.. ‬واتركنا‭.‬

‭- ‬أريد‭ ‬نص‭ ‬عرق‭.‬

لقد‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬ابتزازي‭ ‬قلت‭ ‬بجزع‭:‬

‭- ‬لك‭ ‬ما‭ ‬تريد‭… ‬قبل‭ ‬أنْ‭ ‬ينصرف‭ ‬قال‭ ‬لحيدر‭: – ‬نصيحة‭ ‬لله‭ ‬طلِّقوا‭ ‬رجاء‭ ‬منهُ‭.‬

في‭ ‬اليوم‭ ‬الثاني‭ ‬عند‭ ‬الظهيرة‭ ‬وجدتُ‭ ‬نصيف‭ ‬الناصري‭ ‬في‭ ‬حانة‭ ‬روافد‭ ‬دجلة‭ ‬يجلس‭ ‬مع‭ ‬گزار‭ ‬وجان‭ ‬دمُّو؛‭ ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬جلست‭ ‬سألتهما‭ ‬وقد‭ ‬نظرتُ‭ ‬بإزدراء‭ ‬إلى‭ ‬عيني‭ ‬نصيف‭ ‬الغارقتين‭ ‬بلون‭ ‬الشهد‭:‬

‭- ‬هل‭ ‬تقبلان‭ ‬ما‭ ‬فعلهُ‭ ‬ليلة‭ ‬أمس؟‭ ‬ضحكَ‭ ‬گزار‭ ‬بعفويته‭ ‬المعهودة‭ ‬بينما‭ ‬أجاب‭ ‬جان‭ ‬باتزَّان‭ ‬على‭ ‬سؤالي‭: – ‬هذا‭ ‬الغجري‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬لمربَّع‭ ‬صعلكتنا‭ ‬أنْ‭ ‬ينفرط‭. ‬ولذا‭ ‬فعل‭ ‬ما‭ ‬فعل‭ ‬أمام‭ ‬شقيق‭ ‬من‭ ‬ستقترن‭ ‬بها‭. ‬

‭- ‬لستمْ‭ ‬مع‭ ‬فكرة‭ ‬زواجي‭ ‬إذاً؟

قال‭ ‬گزار‭ ‬بنبرةِ‭ ‬حزنٍ‭ ‬واضحةٍ‭:‬

‭- ‬بزواجكَ‭ ‬تهشَّمَ‭ ‬أحد‭ ‬أضلاع‭ ‬مربَّع‭ ‬الصعلكة،‭ ‬وسيبقى‭ ‬مقعدكَ‭ ‬شاغراً،‭ ‬ومن‭ ‬المحال‭ ‬أنْ‭ ‬نجد‭ ‬من‭ ‬يشبهك‭ ‬حتى‭ ‬يكون‭ ‬معنا‭. ‬هنا‭ ‬نهض‭ ‬الغجري‭ ‬حانقاً‭ ‬ولعنَ‭ ‬السماء‭ ‬ثمَّ‭ ‬هتفَ‭ ‬متحسِّراً‭:‬

‭- ‬غير‭ ‬الله‭ ‬يهدي‭ ‬أنخيدوانا‭ ‬حتى‭ ‬تتزوجني،‭ ‬وليذهب‭ ‬مربَّع‭ ‬الصعلكة‭ ‬إلى‭ ‬الجحيم‭.‬

فضحكنا‭ ‬شامتين‭ ‬من‭ ‬عشقهِ‭ ‬المستحيل‭.‬

ذات‭ ‬ليلة‭ ‬مع‭ ‬جان‭ ‬دمُّو‭ ‬لم‭ ‬نجد‭ ‬مكاناً‭ ‬ننامُ‭ ‬فيه،‭ ‬إذْ‭ ‬لمْ‭ ‬يسمح‭ ‬لنا‭ ‬‮«‬رضا‭ ‬المصري‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬كان‭  ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬فندق‭ ‬الصياد‭ ‬قضاء‭ ‬ليلتنا‭ ‬تحت‭ ‬السلُّم،‭ ‬برغم‭ ‬تعاطفهُ‭ ‬معنا،‭ ‬لوجود‭ ‬صاحب‭ ‬الفندق،‭ ‬توسَّدنا‭ ‬أحد‭ ‬أرصفة‭ ‬ساحة‭ ‬الميدان،‭ ‬لكن‭ ‬الشرطة‭ ‬أمرتنا‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬مكان‭ ‬آخر،‭ ‬ذهبنا‭ ‬نتسكَّعُ‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬الجمهورية‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬مكانٍ‭  ‬نهجع‭ ‬فيهِ،‭ ‬وفي‭ ‬لحظة‭ ‬شاهدتُ‭ ‬حاويةً‭ ‬كبيرةً‭ ‬للأزبال،‭ ‬قلتُ‭ ‬لجان‭: ‬

ننام‭ ‬فيها

سألني‭: ‬وكيف‭ ‬أصل‭ ‬إليها؟

صعدَ‭ ‬على‭ ‬ظهري

ونمنا‭… ‬كنتُ‭ ‬أخرجُ‭ ‬من‭ ‬نادي‭ ‬الأدباء‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬‮١٩٩٣‬،‭ ‬وليس‭ ‬أمامي‭ ‬سوى‭ ‬حديقة‭ ‬ساحة‭ ‬الأندلس‭ ‬أنامُ‭ ‬فيها؛‭ ‬ذات‭ ‬ليلةٍ‭ ‬فوجئتُ‭ ‬بمتسوِّل‭ ‬كان‭ ‬ينامُ‭ ‬فيها؛‭ ‬دعوني‭ ‬أصفهُ،‭ ‬برغم‭ ‬أني‭ ‬أكره‭ ‬هذه‭ ‬التفاصيل؛‭ ‬كان‭ ‬يرتدي‭ ‬دشداشة‭ ‬سوداء‭ ‬وحجمه‭ ‬يعادل‭ ‬وزن‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشخاص،‭ ‬عيناهُ‭ ‬تسعان‭ ‬فندق‭ ‬الشيراتون‭ ‬عندما‭ ‬يبصرُ‭ ‬بهما،‭ ‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬المرَّة‭ ‬الأُولى‭ ‬التي‭ ‬أنام‭ ‬في‭ ‬حديقة‭ ‬الأندلس،‭ ‬فمن‭ ‬أين‭ ‬جاء‭ ‬هذا‭ ‬الخرافي‭ ‬لها،‭ ‬عندما‭ ‬وطأت‭ ‬قدمايَّ‭ ‬الحديقة،‭ ‬أشار‭ ‬بيده‭ ‬لرفضي؛‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬حكومة‭ ‬غير‭ ‬صدَّام‭ ‬حسين،‭ ‬فزحفتُ‭ ‬إليه‭ ‬على‭ ‬عشب‭ ‬الحديقة‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬يضحك،‭ ‬أعطاني‭ ‬كأس‭ ‬عرق؛‭ ‬ولمَّا‭ ‬شربتهُ‭ ‬غطَّاني‭ ‬بما‭ ‬كان‭ ‬يتدثَّر‭ ‬به،‭ ‬لما‭ ‬أفقتُ‭ ‬صباحاً‭ ‬قال‭ ‬لي‭:‬

‭- ‬أنت‭ ‬صعلوك‭ ‬حقيقي‭. ‬

•‭ ‬في‭ ‬أولِّ‭ ‬لقاء‭ ‬جمعني‭ ‬مع‭ ‬يوسف‭ ‬الصائغ‭ ‬في‭ ‬مكتبهِ‭ ‬عام‭ ‬‮١٩٩٥‬؛‭ ‬كان‭ ‬مدير‭ ‬عام‭ ‬السينما‭ ‬والمسرح؛‭ ‬كنتُ‭ ‬مع‭ ‬گزار‭ ‬حنتوش،‭ ‬كانت‭ ‬المناسبة‭ ‬لهذا‭ ‬اللقاء،‭ ‬إنَّ‭  ‬يوسف‭ ‬قد‭ ‬حضر‭ ‬لمهرجان‭ ‬منتدى‭ ‬المسرح،‭ ‬وقبل‭ ‬دخوله‭ ‬سأل‭ ‬گزار‭:‬

‭- ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬معك،‭ ‬من‭ ‬هو؟

‭- ‬حسن‭ ‬النوَّاب‭ ‬

قال‭ ‬الصائغ‭: ‬دعهُ‭ ‬يأتي

سأله‭ ‬گزار‭: ‬إلى‭ ‬أين؟

أجاب‭ ‬الصائغ‭:‬

‭- ‬الى‭ ‬شقتي‭ ‬أو‭ ‬مكتبي

وهكذا‭ ‬حضرنا‭ ‬إلى‭ ‬مكتبه

كان‭ ‬نائبه‭ ‬الفنان‭ ‬طعمة‭ ‬التميمي

عندما‭ ‬نظر‭ ‬نحوي‭ ‬ارتبكت

بعد‭ ‬دقيقة‭ ‬دخلنا‭ ‬على‭ ‬الصائغ

جاء‭ ‬لنا‭ ‬بقهوة

وانشغل‭ ‬يحرك‭ ‬قلمه‭ ‬على‭ ‬ورقة

بعد‭ ‬دقائق‭ ‬عرضها‭ ‬علينا

كان‭ ‬بورتريت‭ ‬لگزار‭ ‬حنتوش

في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة

أدركتُ‭ ‬أني‭ ‬أجلس‭ ‬أمام‭ ‬ليس‭ ‬بشاعر‭ ‬أمام‭ ‬رسَّام

نشرتُ‭ ‬على‭ ‬أخيرة‭ ‬جريدة‭ ‬العراق‭ ‬رسمة‭ ‬الصائغ‭ ‬مع‭ ‬تفاصيل‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬جلستنا‭. ‬صُعقَ‭ ‬عمَّا‭ ‬كتبتهُ‭ ‬وبمنتهى‭ ‬الصراحة‭. ‬فصار‭ ‬يبحث‭ ‬عني‭.‬

تكرَّرتْ‭ ‬اللقاءات‭ ‬معهُ‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬مكتبه‭ ‬أو‭ ‬شقَّتهِ،‭ ‬كان‭ ‬يحملنا‭ ‬من‭ ‬مكتبه‭ ‬إلى‭ ‬شقَّته‭ ‬حتى‭ ‬نسكر‭ ‬معاً،‭ ‬سكرنا‭ ‬عشرات‭ ‬المرَّات‭ ‬في‭ ‬شقَّتهِ،‭  ‬ذات‭ ‬ليلة‭ ‬تحدَّث‭ ‬عني،‭ ‬قال‭ ‬لي‭: ‬أنت‭ ‬جئتَ‭ ‬بالتوقيت‭ ‬الخطأ،‭ ‬مثلي‭.‬

وأشار‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬أكتبهُ‭ ‬على‭ ‬أخيرة‭ ‬جريدة‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬حينها،‭ ‬سألهُ‭ ‬گزار‭:‬

‭- ‬هل‭ ‬حسن‭ ‬شاعر؟

أجاب‭ ‬الصائغ‭ ‬وهو‭ ‬يبتسم‭:‬

‭- ‬هذا‭ ‬جنِّي‭.‬

حسن‭ ‬النوَّاب