
حسن النواب
(١)
• قبل يومين من ولادة ابني البِكر تبارك، هاتفتني زوجتي من البصرة حيثُ مسكن أهلها من خلال التلفون الأرضي إلى اتحاد الأدباء، اتصلتْ بأهلي في كربلاء أوَّل وهلةٍ وأخبروها أنَّهُ في بغداد، وبحدسها توقَّعتْ وجودي في نادي الأدباء لتخبرني أنَّها بحاجة إلى أجور الولادة؛ كان ذلك في أشد سنوات الحصار عام ١٩٩٥من شهر تموز…
سألتها يائساً: كم هي أجور الولادة؟
قالت: عشرة آلاف دينار
عدتُ إلى المائدة منكسراً، فتنبَّه الأصدقاء من حولي إلى قنوطي، همسَ بأذني گزار حنتوش ليسألني:
– أراكَ لست على مايرام؟
– زوجتي على وشك الولادة
– كان عليك أنْ تكون بجوارها
– لا أمتلك أجور سفري إليها
هبَّ گزار مثل عاصفة وتركنا، بعد نصف ساعة أقبل وربَّتَ على كتفي وأمرني بالنهوض، أخذ بيدي إلى باب نادي الأدباء ودسَّ بجيبي نقوداً..
سألتهُ بوضوح:
– كم النقود؟
تبسَّم وقال:
– ما تكفي وصولك إلى البصرة وتكاليف إنجاب رجاء وشرب بطل عرق نخب الوليد.
وبرغم لقاءاتنا التي لا تعد ولا تُحصى، لم يذكر لي كيف حصل عليها؟ ولم أسألهُ من أين جاء بالنقود تلك الليلة؟
رحل صديقي الفذ گزار وكبُر صغيري تبارك، ولم أعرف حتى اللحظة من أين جاء گزار حنتوش بعشرين ألف دينار وتركها في جيبي.
•في سنوات الحصار، وبعد مضي سنة على زواجي في عام ١٩٩٤، لم يكن أمامي سوى تربية خمس دجاجات فوق سطح المنزل، أجمعُ بيضها في كل أسبوع وأبيعه على صاحب الدكَّان رحمن في حي الإسكان/ مدينة كربلاء، مقابل شراء بعض الحاجيات الضرورية التي تسدُّ رمق جوعي مع زوجتي ومستلزمات وأدوية لولدي البِكر «تبارك» الذي كان بعمر سبعة شهور. ولكي أجعل الدجاجات تبيض في كل يوم، كان لا بدَّ من النزول قبل الغروب إلى الأسواق الشعبية في مدينة كربلاء، لأجمع أوراق البصل الأخضر التي يتركونها في النفايات، فهي تحفِّز الدجاج على إنتاج البيض، لقد تعلَّمتُ ذلك في سنوات دراستي في إعداية الزراعة ثم المعهد الزراعي، استمر هذا العناء لمدة عامين، صارت الدجاجات أكثر من عشرين دجاجة، وكنتُ مواظباً على جلب ورق البصل الأخضر كعلف لها. ذات يوم قارص البرد، انشغلتُ مع زوجتي نتيجة مرضها، فنزلتُ إلى المدينة بعد الساعة العاشرة ليلًا مشيَّاً على الأقدام لجمع علف دجاجاتي ، وبينما كنتُ منهمكاً بدسِّ حزمة أوراق البصل الأخضر في كيس نفايات، وفي شارع ابن الحمزة، طوَّقني أربعة رجال من الأمن، طلبوا مني هويَّتي، ارتبكتُ، استغرق الأمر أكثر من دقيقة حتى أخرج من جيبي ما طلبوا مني، كان جسدي مثل حقل بصل يفوح برائحتهِ المزعجة لهم، أخذ أحدهم هويتي ليقرأها تحت مصباح حانوت لم يُغلق بعد، راحَ يتمعَّنُ بها لوقتٍ طويل، جعلني أرتابُ من مكروه ينتظرني منهم. أخيراً عادَ بوجهٍ يبتسمُ بلؤم، وهو يقول لجماعته:
– هذا شاعر البصل؛ اتركوه
أعادَ ليدي المتثلجة هوية اتحاد الأدباء باستهانةٍ سافرةٍ؛ وابتعدوا وهُمْ يضحكون.


















