بغداد وموسكو والقطاع الخاص – عبد الهادي كاظم الحميري

315

زمان جديد

يقال‭ ‬في‭ ‬أدبيات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحر‭ ‬أن‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬هو‭ ‬محرك‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وبالتالي‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يحقق‭ ‬الرفاه‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المنشود‭ ‬للبلد‭ ‬والمشكلة‭ ‬التي‭ ‬واجهتها‭ ‬البريسترويكا‭ ‬السوفيتية‭ ‬التي‭ ‬آمنت‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬الحر‭ ‬هي‭  ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬قطاع‭ ‬خاص‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬فقد‭ ‬روج‭ ‬الحزب‭ ‬في‭ ‬اجتماعه‭ ‬الواحد‭ ‬والعشرين‭ ‬عام‭ ‬1959‭ ‬نظرية‭ ‬انتصار‭ ‬الاشتراكية‭ ‬النهائي‭  ‬والدخول‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬بناء‭ ‬الشيوعية‭ ‬وتحت‭ ‬هذا‭ ‬الشعار‭ ‬تمت‭ ‬محاربة‭ ‬الملكية‭ ‬الخاصة‭ ‬لأصحاب‭ ‬قطع‭ ‬الأراضي‭ ‬الصغيرة‭ ‬(الداتشات)  ‬من‭ ‬العمال‭ ‬والموظفين‭  ‬والمتقاعدين‭ ‬وطلب‭ ‬منهم‭ ‬بيعها‭ ‬الى‭ ‬المزارع‭ ‬الحكومية‭ ‬وبدأت‭ ‬محاربة‭ ‬قيام‭ ‬العمال‭ ‬والموظفين‭ ‬بأية‭  ‬نشاطات‭ ‬تعزز‭ ‬دخلهم‭ .‬

نجح‭ ‬أحد‭ ‬المعلمين‭ ‬المتقاعدين‭ ‬بإنشاء‭ ‬بيوت‭ ‬مغطاة‭ ‬للنباتات‭ ‬على‭ ‬قطعته‭ ‬الصغيرة‭ ‬مما‭ ‬أمكنه‭ ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬الخضروات‭ ‬قبل‭ ‬موسمها‭ ‬وبيعها‭.‬

أحيل‭ ‬المعلم‭ ‬الى‭ ‬المحكمة‭ ‬بتهمة‭ ‬مزاولة‭ ‬«النشاط‭ ‬الخاص»‭ ‬وحكم‭ ‬عليه‭ ‬بمصادرة‭ ‬أمواله‭ ‬وإلزامه‭ ‬بمزاولة‭ ‬«النشاطات‭ ‬المفيدة‭ ‬للمجتمع»‭.‬

حلل‭ ‬أحد‭ ‬كتاب‭ ‬المقالات‭ ‬القانونية‭ ‬في‭ ‬حينه‭ ‬«‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬الصواب‭ ‬القول‭ ‬بأنه‭ ‬لم‭ ‬يسرق‭ ‬ولم‭ ‬يغتصب‭ ‬ولكنه‭ ‬أصبح‭ ‬منذ‭ ‬وقت‭ ‬عبداً‭ ‬للملكية‭ ‬الشخصية‭ ‬وأصبحت‭ ‬هذه‭ ‬له‭ ‬المثل‭ ‬الأعلى‭ ‬وأضاف‭ ‬ان‭ ‬عدم‭ ‬الحكم‭ ‬عليه‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬في‭ ‬أوضاع‭ ‬معينة‭ ‬الى‭ ‬سلوكه‭ ‬طرقاً‭ ‬أخرى‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة»‭.‬

عندما‭ ‬أصبح‭ ‬بوريس‭ ‬يلتسن‭ ‬رئيساً‭ ‬لروسيا‭ ‬كلف‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬لتقوم‭ ‬بتقسيم‭ ‬قيمة‭ ‬المؤسسات‭ ‬المنوي‭ ‬بيعها‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬الروس‭ ‬صغارا‭ ‬وكبارا‭ ‬بالتساوي‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬بطاقات‭ ‬ملكية‭ ‬(فاوتشرز)‭ ‬يساهمون‭ ‬بها‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬ملكية‭ ‬تلك‭ ‬المؤسسات‭ ‬أو‭ ‬تداولها‭ ‬مع‭ ‬ترتيبات‭ ‬خاصة‭ ‬لدعم‭ ‬ملكية‭ ‬العاملين‭ ‬والمديرين‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬يعملون‭ ‬فيها‭ ‬وبهذا‭ ‬أوجد‭ ‬قطاع‭ ‬خاص‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬السرعة‭ ‬ولو‭ ‬أن‭ ‬المتنفذين‭ ‬والمديرين‭ ‬اشتروا‭ ‬بطاقات‭ ‬العمال‭ ‬والآخرين‭ ‬الراغبين‭ ‬في‭ ‬النقد‭ ‬لسد‭ ‬حاجة‭ ‬أو‭ ‬لشراء‭ ‬الفودكا‭ ‬مما‭ ‬خلق‭ ‬طبقة‭ ‬متنفذة‭ ‬جديدة‭.‬

وصلت‭ ‬الحال‭ ‬بالعراق‭ ‬بنسخته‭ ‬السوفيتية‭ ‬المعرّقة‭ ‬للإقتصاد‭ ‬الاشتراكي‭ ‬أن‭ ‬فتحت‭ ‬الدولة‭ ‬دكاكين‭ ‬بقالة‭. ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬وقفت‭ ‬في‭ ‬طابور‭ ‬على‭ ‬الموز‭ ‬أمام‭ ‬بقالية‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬14‭ ‬رمضان‭ ‬في‭ ‬المنصور‭ ‬وكان‭ ‬الموز‭ ‬شيئاً‭ ‬يداعب‭ ‬أحلام‭ ‬الصغار‭ ‬آنذاك‭. ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬بيني‭ ‬وبين‭ ‬الشباك‭ ‬شخص‭ ‬واحد‭ ‬وهنا‭ ‬نزل‭ ‬شابان‭ ‬من‭ ‬سيارة‭ ‬فارهة‭ ‬واقتحما‭ ‬دور‭ ‬هذا‭ ‬الشخص‭. ‬إحتج‭ ‬الرجل‭ ‬فضربه‭ ‬أحد‭ ‬الشبان‭ ‬بقبضة‭ ‬يد‭ ‬في‭ ‬وجهه‭. ‬ترك‭ ‬الرجل‭ ‬الطابور‭ ‬وإنتحى‭ ‬جانبا‭ ‬يبكي‭ ‬ويقول‭ ‬هل‭ ‬تعرفون‭ ‬أنا‭ ‬الطبيب‭ ‬الجراح‭ ‬فلان‭ ‬ابن‭ ‬فلان‭.‬

ومع‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬عاد‭ ‬وأطلق‭ ‬تسهيلات‭ ‬للقطاع‭ ‬الخاص‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬بعد‭ ‬إحتلال‭ ‬العراق‭ ‬والفرهود‭ ‬لم‭ ‬يبقَ‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬شركات‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬والقطاع‭ ‬الخاص‭ ‬شيء‭.‬

وبقي‭ ‬موضوع‭ ‬الشركات‭ ‬العامة‭ ‬والعاملين‭ ‬فيها‭ ‬معلقا‭ ‬برقبة‭ ‬الحكومة‭ ‬وباءت‭ ‬كل‭ ‬محاولة‭ ‬جادة‭ ‬لحله‭ ‬بسبب‭ ‬المصالح‭ ‬والانتهازية‭ ‬السياسية،‭ ‬وتوقف‭ ‬الإصلاح‭ ‬من‭ ‬الأعلى‭.‬

إن‭ ‬مبادرة‭ ‬الترليون‭ ‬دينار‭ ‬للمشاريع‭ ‬المتوسطة‭ ‬والصغيرة‭ ‬التي‭ ‬أطلقها‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬العراقي‭ ‬محاولة‭ ‬إصلاح‭ ‬من‭ ‬الأسفل‭ ‬الى‭ ‬الأعلى‭ ‬لخلق‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬المرتجى‭ ‬ويبقى‭ ‬هناك‭ ‬الكثير‭ ‬الواجب‭ ‬عمله‭ ‬في‭ ‬توعية‭ ‬العقل‭ ‬الجمعي‭ ‬في‭ ‬إمكانية‭ ‬خلق‭ ‬الثروة‭ ‬وفرص‭ ‬العمل‭ ‬ذاتيا‭ ‬وأن‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬قطاع‭ ‬خاص‭ ‬فرصة‭ ‬للكسب‭ ‬الحلال‭ ‬والرقي‭ ‬في‭ ‬أخلاق‭ ‬الخدمة‭ ‬والنزاهة‭ ‬في‭ ‬جودة‭ ‬السلعة‭ ‬وأن‭ ‬ليس‭ ‬للإنسان‭ ‬الا‭ ‬ما‭ ‬سعى‭.‬

مشاركة