
د خالد الخفاجي
منذ العصر الجاهلي بل قبل ذلك بعصور مازالت خالدة نهض الشاعر بوظيفة الفارس وحارس القيم، وصولاً إلى العصور الحديثة، وأصبحت مهمته الأولى بل وظيفته الإبداعية والإنسانية في التصدي بوجه الواقع المر والويل والتعسف، وكشف الأمور الغير مستقيمة التي تفرض على الواقع بأشكال مختلفة من أشكال التفرد والانحراف عن مبادئ العدل وطمر الحقيقة، من خلال خطابه الابداعي مهما كانت خطورتها، ذلك لان الشاعر ينهض من خضم مشكلات الناس والبؤس والتردي، ليس فقط يطرحها بل يعلن إحتجاجه عليها وإن كلفه الأمر حياته، كما يقول محمود درويش:
آه يا جرحي المكابر وطني ليس حقيبة وأنا لست مسافر!
من خلال هذا التصور الوظيفي والانساني لدور الشاعر وتأثيره في حياة الفرد والمجتمع، فإنه يصبح ضمير الشعب والأمة رغم اختلاف العصور والحقب الزمنية والحكومات، وإن اختلفت وظيفة الشعر، لكن صوت الشاعر يبقى مدويا بوجه القائمين على القرارات السياسية المجحفة بحق وجود الانسان وتطلعاته وحرياته الأساسية، وفي إشارة الى الشاعر الإنجليزي تي إس إليوت (1888 – 1965م) عندما قال( وظيفة الشعر تختلف باختلاف العصر).
وهنا يقودنا الحديث الى الوضع المرير الذي تمر به ثقافتنا العراقية، حيث أصبح عيبا على تاريخ العراق الشاخص بالمعالم الابداعية، والمنجزات التي قدمها الى البشرية مثل الكتابة وانطلاق أول بيت شعر من أرض سومر وأور، والحضارة التي وضعت مسار البشرية على طريق الاستمرار والعطاء، أقول اصبح عيبا على اسم العراق الذي هز العروش والقياصرة والدكتاتوريات لما تمر به ثقافتنا من تراجع وتردي بسبب القرارات السياسية الغير مسؤولة، ورغبات الكتل والأحزاب التي لاتفقه في الثقافة حرفا واحدا، وهكذا البسوا الثقافة ثوبا سياسيا عاق، ولو تتبعنا المسار الثقافي العراقي منذ الحكم البائد لوجدنا وزارة الثقافة العراقية مسخرة لخدمة النظام فقط رغم وجود القامات الابداعية الكبيرة بمختلف المجالات والتخصصات الثقافية التي كانت عبارة عن اغلبية صامتة، فمنهم من عبر ومن ينتظر. وكان آنذاك دور وزارة الثقافة العراقية أن تقيم الصلاة في محراب ( ياكاع ترابج كافوري) على أزيز الرصاص الذي فتك بشبابنا على السواتر إرضاء للقائد الضرورة، وبعد أن حلقت غربان الشر على شرفات المساجد والكنائس والمستشفيات مبشرة بالتحرير وسقوط التمثال بالتصفيق بعد ان نصب بالتصفيق ايضا، تأملنا خيرا بنهضة ثقافتنا باعتبارها الشريان الأبهر الذي يحاكي أحداثنا الاجتماعية ويعالج قضايانا الحياتية التي كانت ومازالت عالقة خلف قضبان القرار الغير منصف، من خلال دور الشاعر والسارد والفنان الذي يفترض أن يبرز في واحة ثقافية حرة تقودنا الوزارة باعتبارها الهيكل الاداري المؤسساتي الذي يعيد المسار الثقافي الى جادة الطريق المثلى وفق معايير خصبة تمنح المثقف العراقي حقه في العطاء والإنجاز، لكن الذي حصل بان من استوزر على وزارة الدفاع هو ذاته استوزر على وزارة الثقافة، إذن كيف نتخيل شكل وزارتنا ويقودها من يقود مؤسسة عسكرية؟ وهكذا تفاقم التراجع والتهميش لدور المثقف، ثم تعاقب وزراء على حقيبة الثقافة أخفقوا جميعًا بإعادة بهاء الثقافة العراقية، وبعد كل هذه الصراعات والتراجعات التي طالت وزارة الثقافة، استبشرنا بإطلالة قامة ثقافية لها حضورها الابداعي في الوسط الثقافي العراقي والعربي، تمثلت بشخص الرجل السومري القادم من أعماق الهور، وصوت حضري وداخل حسن، انه الدكتور عبد الامير الحمداني، الذي أعاد ماء وجه ثقافتنا بزمن قياسي ملفت من خلال ما حققه من منجزات يشار لها بالبنان، في مقدمتها هيبة المثقف العراقي التي عفى عليها الزمن، وهذا ليس انطباعي أنا كشاعر عراقي بل هو شعور واعتراف غالبية المثقفين العراقيين بمختلف توجهاتهم، فضلا عن تثبيت التاريخ الاثري العراقي في عمق المسار والاعتراف العالمي، لم يحلم المثقف العراقي بأكثر من أن يشعر بهيبته ووجوده وهو قريب من الشخص الذي يقف على هرم وزارته بكل معاني الاحترام والتقدير والتواضع، هذا الشعور وحده كفيل ليحقن المثقف العراقي بطاقات ايجابية تمكنه من تحقيق الابداع وهذا هو الهدف المنشود لوجود وزارتنا.لا أريد أن احول هذا المقال الى صفة شخصية، ولكن كلمة الحق يجب أن تقال وإن كره الكارهون، أنا واحد من الشعراء العراقيين الذين تعرضوا للتعسف والويل وتشردوا في منافي الارض بعد أن أقلت من وظيفتي في وزارة الثقافة بأسلوب تعسفي سافرت، وبعد معاناة السنين والمنفى عدت الى وطني حاملا شهادة الدكتوراه بتخصص عالمي نادر وهو ( العلاقات الدولية والقانون الدولي) وحاصل على لقب (سلطان القصيدة العربية) من المملكة المغربية، على خلفية دعوة الحكومة العراقية عام 2007، الى عودة المثقفين العراقيين الى الوطن، ومنذ عام 2007، وحتى عام 2019، استطعت العودة الى وظيفتي بالرغم بأقل من استحقاقي لكن عدت الى عملي بوجود وفضل هذا الرجل السومري الذي يقف بتواضع قل نظيره على هرم الوزارة.
ومنذ عام 2007 وحتى عام 2019، تحملت اشكال التعسف والاضطهاد والمراجعات المضنية من أجل العودة الى وظيفتي، ولكن دون جدوى في الوقت الذي فيه الاف الفضائيين والاميين والطارئين يتسلقون في مختلف الوظائف والمناصب الحكومية، لكن على يد هذا الوزير الانسان النبيل حصلت على رزق عائلتي ومثلي العشرات بل المئات من المثقفين، إذن ماذا يريد المثقف العراقي أكثر من هذا؟
هذه واقعة بسيطة وغيرها الكثير من الوقائع الانسانية المثمرة التي شهدتها وزارتنا في ظل الدكتور الحمداني. وانطلاقا من دوري الانساني كشاعر بوصف الأحداث والتجارب والقيم المعنوية، أوجه صرختي الى دولة رئيس الوزراء السيد الكاظمي، أقول لدولته اذا يهمك العراق حقا، وشربت من فراته، وتهمك ثقافته كمفصل من أهم مفاصل الدولة عليك بالحمداني وزيرا لثقافتنا، لأنه الاصلح ليوم ثقافتنا في الوقت الراهن، مع احترامي لكل الرغبات والتوجهات السياسية، لأن العراق أولا.. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.



















