صراع النسق الفردي مع المؤسَّساتي

304

هُويَّة الثقافي

صراع النسق الفردي مع المؤسَّساتي

سامي شهاب الجبوري

لا تستطيعُ الثقافةُ أنْ تكون فاعلةً ومؤثرةً ومُحدثة الأثر المنشود في المُجتمعاتِ وأفرادها ؛ ما لم تمتلء بحُمولاتٍ دلاليَّةٍ مُتشعِّبة؛ مُهمتها تغذية العقول المُثقفة التي ترى فيها وجهاً آخراً للإستمرارِ في إجراءِ التطورات والتحوُّلات التي من خلالها تصبحُ الثقافةُ عُنصراً مُهماً لا ينبغي تجاوزه بأيّ شكلٍ من الأشكال ؛ وبحسبِ هذه المُهمَّة تكون الثقافةُ حاضنةً رياديَّةً تضمُ بين طيَّاتها التعدُّديَّةِ الفكريَّةِ والفلسفيَّةِ والعلميَّة ؛ إلى جانبِ شبكة منهجياكظزمزظت مُتراصَّة تعمل على خلقِ جبهاتٍ مُتنافرةٍ تؤول إلى صِدام يخدمُ الثقافة في نهاية المطاف ؛ لانَّ التنوّر الثقافيَّ يتأتَّى من خلال جدليَّةِ الهدمِ والبناءِ لتعزيز الرصيد المعرفي على مُختلفِ الصُّعد . وفي ضوء هذه الومْضة ترسبت في الأذهان مفاهيم الهيمنةِ السياديَّةِ والايديولوجيات المعرفيَّةِ التي تُمارسها الأنظمةُ المؤسساتيَّة من جهة ، ومُحاولة إعطاء الهيمنةِ الفرديَّةِ السبق في مواجهةِ الهيمنةِ السياديَّةِ في ظلِّ آلياتٍ خاصَّةٍ من جهةٍ ثانية .  تحاولُ الذاتُ الفرديَّة تحقيق رغباتها عن طريق كشفِ ألاعيب أنظمة الهيمنةِ المؤسساتيَّةِ وما أحدثته من تدجين للعقُولِ والأفكار لازمانٍ مُتعاقبة ؛ وبناء شبكة مفاهيم مُتواشجة جديدة تخدم جيلاً يطمح للتغيير ومُواكبة التطورات المُتسارعة في شتى الاتجاهات . وهذا فعل يتطلبُ التنوّر والعقلانية المُفضية إلى بناءِ هويَّةٍ ثقافيَّةٍ سليمةٍ متينةٍ لا سطحيَّةٍ هامشيَّة ، لهذا نجدُ أنَّ المُفكر الإيطالي (أنطونيو غرامشي) اعتمد على معايير توسِّع مفهوم المُثقفين ؛ وتوصل إلى  ” أنَّ كلَّ إنسانٍ هو إنسان مُثقف ، ولكن ليس لكلِّ إنسان في المجتمع وظيفة المُثقف  ”  . وهذا يعني أنَّ سعي الذات الفرديَّة ينبغي أنْ يكون مُوجّهاً نحو تحقيق الوظائفِ الثقافيةِ البديلةِ عن وظائفِ الثقافةِ المُستبدّة . فالأنساقُ الثقافية بما تحملهُ من دعائم الحركةِ والإختزالِ والعزل ؛ تحاولُ جاهدةً قطع قنوات الثورات الفرديَّة ؛ واصطياد ما يُناسبها وبثّ القيمِ المعرفيَّةِ وترغيبها بالأساليبِ والتكرار والإفاضة ، لتصبح بذلك الذات  في النسقِ مفتَّتة لا قيمة لها . ولذلك تكون مُهمَّة الذات الفرديَّةِ محفوفةً بالمخاطرِ والإشكالات لتداخل المُستويات في الثقافات المُختلفة ؛ وهذا الإشكالات تدفع باتجاه تحديد الآليات التي تضمن اختراقَ القيمِ السائدةِ وهدم القديم ونفيه ؛ وإعادة بنائه بصيغةٍ توافقيَّةٍ تؤمِّن لنفسها ديمومة المُواصلة ، ولا يُكتبُ النجاح لهذه المُهمَّة إلاّ في حال التسلُّح بقراءةِ الواقع قراءة واعية تُسجل مُدخلات الثقافةِ ومُخرجاتها وحيلها الجماليَّة والفكريَّة التي انطلقت منها لؤدِ كلّ النشاطاتِ الفرديَّةِ بتعاقُبيةٍ مُستمرة . ومن خلال ذلك كُلّه تبدأ الأنماط والأساليب الكتابيَّة والقرائيَّة بالتبدل تبعاً لتبدُّل الوعي الفكري ؛ وتأسيساً على ما عُرض ينبغي علينا تحديد مسارين مهمَّين مُنبثقين من حالةِ الصِراعِ الدائرةِ بين الهيمنتين الفرديَّةِ والمؤسساتيَّة ؛ وهذان المساران هُما :

1- تنطلقُ الهيمنةُ الفرديَّة من فكرةِ التنوّر العقلاني والنهضةِ المدروسة ؛ أي فرصة التحرُّر من تراكمات السلطةِ الفوقيَّةِ لا عن طريق المُجادلةِ والمُعارضةِ والرصدِ والصراع ؛ بل عن طريق اعتبار الماضي وكلّ ما يتصل به من أفكارٍ مرجعيَّةٍ  شيء قابل للتغيير .

2- كما تنطلقُ الهيمنةُ الفرديَّة في صِراعها مع الهيمنةِ المؤسساتيَّةِ من فكرةِ التمرُّدِ والثوريَّة الطامحةِ لإزاحة ترسُبات القيمِ الفكريَّةِ التي تبلورت ونمتْ وارتكزت ؛ ويتحقق لها ما تصبو إليه بعد استخدام طُرق المُجادلةِ والمُعارضةِ والرصدِ وما نحو ذلك .

ويتمثلُ الهدفُ في المسارين باجراءِ سلسلةٍ من الإصلاحات في منظومةِ القيمِ الجماعيَّة ؛ والإبتداءِ بتوعيةِ المُنتمين لها بضرورةِ الإنفتاح على التجديدِ البنَّاء الذي يتسمُ بالأهليَّة ؛ وتحفيزهم على مُساءلةِ كلّ ما يستحق المُساءلةِ للوصولِ الى نُقطةِ تغييرٍ مقبولة .

مشاركة