صراع السلطة في العراق ٫٫المخاطر والمخارج – خالد المعيني

صراع السلطة في العراق ٫٫المخاطر والمخارج – خالد المعيني

تتصاعد مبادرات حل أزمة إنسداد الأفق السياسي في العراق والناجم عن عدم إلإقرار بنتائج إنتخابات تشرين المبكرة الأخيرة ، وتأتي خطورة التشكيك بنزاهة الإنتخابات  وعدم الإعتراف بها  في كونها صادرة من أطراف فاعلة في العملية السياسية وليس من قوى المعارضة خارجها ، وأيضا كون هذه الدعوات مصحوبة هذه المرة  بنكهة السلاح والطائرات المسيرة ، مما يضع السلم والإستقرار المجتمعي برمته على كف عفريت ومفتوح على كافة الإحتمالات ناهيك عن دق آخر المسامير في نعش العملية السياسية الميتة سريريا أصلا كونها وصلت إلى طريق مسدود ، ولم تعد قادرة على الإيفاء بمتطلبات إدارة دولة بحجم وتعقيدات العراق الذي تحول بعد ثمانية عشر عام في ظل نظامها القائم على المحاصصة الطائفية والعنصرية  إلى بلد شبه منكوب بكافة المعايير الإنسانية والإقتصادية .

إن من شأن بقاء الوضع على ما هو عليه ومحاولة عبور خانق الأزمة الحالية من خلال آلية التوافق في توزيع المناصب والمسؤوليات عبر إعادة توزيع الحصص ، زيادة السخط والرفض الشعبي المحتقن أصلا وقد يؤدي إلى  موجة جديدة من الإنتفاض الشعبي لاتقل عن موجة تشرين 2019 ، كذلك من شأن عدم إصلاح المسار السياسي الكارثي وبقاء محركات ومولدات العنف المزمن ، إلى حصول موجة جديدة من التطرف والإرهاب قد تضرب المناطق الغربية والوسطى من جديد في ظل  الإنشغال بالصراع على الكراسي في بغداد ، ناهيك عن إنقسامات باتت طافية على السطح لفرقاء الضد النوعي من القوى القابضة على السلطة وصراعها على مقاعد البرلمان وتهديدها بإستخدام السلاح وإستعراض ذلك على الأرض والذي وصل ذروته من خلال قصف منزل رئيس الوزراء محور السلطة في العراق ورأسها بالطائرات المسيرة .

لا شك إن إستمرار تبني المنظومة السياسية لمبدأ المحاصصة التوافقية كنظام حكم وما نجم عنه من تغانم وتحاصص عناصر هذه المنظومة وإستيلائهم على السلطة والسلاح والمال والإعلام وعدم قدرتهم على العبور بالعراق من الإستقرار القلق والهش في أعقاب الإحتلال الأمريكي وإنهيار النظام السياسي السابق ، إلى الأستقرار المستديم وتحويل قوانين الديمقراطية التوافقية من حالة مؤقتة ومرحلة إنتقالية كما يجب إلى أعراف سياسية دائمية ، الأمر الذي ولد بالتراكم ظاهرة إنسداد الأفق السياسي وتفشي الفساد  وعدم إيمان الأطراف الخاسرة بنتائج الإنتخابات التي قد تحد من سلطاتهم ومكاسبهم على الأرض ، لاسيما مع إمتلاكهم للسلاح على الأرض والذي يعتقدون إنه أكثر شرعية من سلاح الدولة نفسها.

حاجة ماسة

من هنا تنشأ حاجة ماسة لحلول سريعة لغرض نزع فتيل الأزمة الحالية المتعلقة بعدم الإعتراف بنتائج الإنتخابات ، وكذلك الأزمة المستديمة الأعمق مقابل الشعب التي تهدد كامل بنية النظام  بعد إنهيار الثقة بنزاهة النظام من قبل أعمدته الرئيسية نفسها وهو ما يهدد شرعية العملية السياسية ومشروعيتها برمتها .

 إبتداءا هناك حاجة لطرح مبادرة “عقد سياسي وطني ” يغطي مرحلة إنتقالية من سنتين ، أطرافها جميع القوى الفاعلة داخل العملية السياسية وخارجها ، يتمخض عن هذا العقد السياسي الوطني حكومة مهمتها حل إحتقان الأزمة الحالية والتحضير جديا وعمليا لتفكيك منظومة المحاصصة التوافيقة من خلال حزمة إجراءات، لخطورة تداعياتها الكارثية في حال إستمرارها وضرورة إسدال الستار عليها كونها مرحلة إنتقالية ووقتية تجاوزتها الوقائع على الأرض .

وعلى الرغم من طرح عدة مبادرات حالية للحل ، لكن يلاحظ إنها مبادرات منفردة من هذا الطرف أو ذاك ، كذلك تطرح من قبل أطراف هم أصلا يعدون شركاء فيما آل إليه  الوضع الكارثي الذي وصل له العراق وليسوا محايدين ، والأخطر من ذلك وطبقا لتجارب عراقية سابقة فإنه لاقيمة لأية إتفاقات بلا ضمانات حقيقية ملزمة لا سيما وإن بعثة الامم المتحدة لم تعد طرفا موثوقا من قبل جميع الأطراف .

 عليه لابد لأي حل حقيقي لغرض تفكيك منظومة المحاصصة والأزمة العميقة المنبثقة عنها والحيلولة دون إنفجارها ، أن يمر عبر بوابة الإنتخابات كطريقة وحيدة للتداول السلمي للسلطة ، وبناء على الظروف والأحداث التي أعقبت النتائج الأخيرة للإنتخابات فإن الثقة بقانون الإنتخابات والهيئة المشرفة عليها أصبحت في أدنى مستوياتها ، لذا لابد من إستعادة هذه الثقة لدى الناخب العراقي والمقاطعين الذين يمثلون أغلبية الشعب العراقي ويشكلون نسبة أكثر من 80  بالمئة من الشعب ، وذلك من خلال حزمة إنتخابية متكاملة :

1 – تفعيل قانون الأحزاب المرقم 36 لسنة 2015  المعطل الذي من شأنه حل الأجنحة العسكرية للقوى السياسية المشاركة في التنافس الإنتخابي وكذلك يضع حد لتأثير المال السياسي الفاسد ، إضافة لإستبعاد الأحزاب ذات البرامج السياسية العنصرية والطائفية والمذهبية .

2 – كتابة قانون إنتخابات ينسجم مع إرادة الشعب العراقي ومتطلباته وليس مفصلا على بقاء أحزاب السلطة ، يتم إعداده من قبل مختصين في النقابات والإتحادات القانونية والحقوقية والجامعات والكفاءات القانونية الوطنية  المتخصصة.

3 – حل جميع الفصائل المسلحة خارج نطاق القوات المسلحة والتي لاتخضع لأوامرها .

4 – تفعيل محاكمات ملفات الفساد

5 – إقرار وتفعيل جميع القوانين الدستورية المعطلة نتيجة مصالح الأحزاب الضيقة والتي من شأنها تخفيف حدة الإحتقان وفي مقدمتها المجلس الإتحادي .

في الختام ، ليس من مصلحة أي طرف من أطراف منظومة المحاصصة السياسية إنهيار الوضع في العراق لأن النتيجة هي إنهيار وضع العراق برمته المعلق أصلا بقشة ، وكذلك لأن هذه المنظومة ككل تعيش أصلا صراعا مع الشعب العراقي برمته وباتت معزولة عنه ، بالنتيجة لا يوجد رابح في حال تصعيد الأمور وكذلك في بقاء الوضع على ماهو عليه ومن الواضح إن لحظة تقديم التنازلات المؤلمة باتت أمرا واقعا لامفر منه من قبل جميع الأطراف التي تتحمل نتائج سياساتها الخاطئة طيلـة ثمانية عشر عام من الحكم.

{ مديـر مركـز دجـلة للتخـطيـــط الإسـتراتيــجي

مشاركة