صحافة المال والإستثمار – ياس خضير البياتي

236

شهق الناس

صحافة المال والإستثمار – ياس خضير البياتي

سعدت بصدور العدد الاول من مجلة (دنيا المال والاستثمار) التي يرأس تحريرها الصحفي الزميل زيد الحلي ،وهي خطوة جريئة في اتجاه صناعة صحافة اقتصادية في العراق تكون قادرة على رفع منسوب  المهارات  المهنية والثقافة الاقتصادية للاعلامي والقارئ معا ،لانها ذات طبيعة تخصصية تختلف عن انواع الصحافة الاخرى ،مثلما تعكس وضع اقتصاد البلد ومستوى المعيشة فيه شريطة أن تكون ذات مصداقية لا أن يكون فيها تجميل للوقائع أو مغالاة بالأرقام . بمعنى ان تكون لها عمقاً وتحليلاً ،وأن تكون لديها حرية كشف مواطئ الخلل ، لا أن تتحول الصحافة الاقتصادية إلى علاقات عامة وبزنس .

ما يقلقني حقا في صدور هذه المجلة ،واستمرار ديمومتها ونجاحها،بعد قراءة العدد الاول ،هو وجود اكثر من تحد،يشكل مدخلا صعبا في تكوين هوية خاصة للمجلة ،لعل اول هذه التحديات هو مواجهة الواقع الاقتصادي في العراق ،والكشف عن هويته السياسية ،وبعده الاجتماعي والاقتصادي ،لأن الاقتصاد العراقي اليوم يعيش اكثر فترات انحطاطه وضعفه ،وتفكك بنيته ،وفقدان عناصر قوته ،وقوة الصحافة  الاقتصادية ونجاحها في اي بلد من قوة اقتصاده المزدهر والمتحرك ، وهذا مايجعل دور المجلة اصعب ،وطريقها سالك بالمخاطر في كشف سلبيات الواقع الاقتصادي ،وفساد الانظمة السياسية والاقتصادية ، مما يدعوني الى القلق والخوف ان تنحو المجلة الى العلاقات العامة من اجل ان تحافظ على استمرارها .

التحدي الثاني ، المرتبط بثقافة القارئ الاقتصادية ،وهي ثقافة هشة ترتبط بعوامل عديدة ابرزها ادارة النظم التعليمية والأجتماعية والثقافية للحياة ، اضافة الى ضعف تقاليد القراءة  ونمطيتها ، خاصة في المجال الأقتصادي ، حيث يتضح ان معظم الناس لا يميلون لقراءة المواد الأقتصادية  ويعتبرونها مادة ثقيلة غير مفهومة،ولاترتبط بحياتهم اليومية ، بل ان البعض يعتبرها ترف تخص فئة محددة من الجمهور، وهم رجال الأقتصاد ورجال الأعمال .

وبقدر ما هي ازمة قارئ ، فأن التحدي الثالث هي ازمة صحيفة أقتصادية ، وصحفي متخصص، حيث تبدو صناعة الأخبار والتحليلات قوالب جامدة بدون حياة تفتقر الى الجاذبية والتشويق ، ويفترض ان تساهم بإثراء الطرح وتبسيط المعلومات بالرسوم البيانية والجرافيك،وخلق ثقافة اقتصادية ، ليستطيع القارئ استقاء المعلومة بشكل صحيح مبسط،وتحويل الموضوعات ذات الوزن الثقيل الى موضوعات محببة للقارئ  من خلال ربطها بحياتهم اليومية . ولا شك أن طرح القضايا الاقتصادية التي تلامس المواطن واهتماماته من خلال مواد مبسطة تغنيه عن بقية الصحف إن توفرت بها عوامل النجاح والتخطيط السليم والمصداقية أيضا.                    فالصحفيون الجيدون يركزون على كيفية تأثير الأرقام على الإنسان العادي. فإدخال الناس العاديين في القصة الإخبارية سوف يزيد عدد قراء المقال، ويجعلهم قريبي الصلة بالواقع ويبرهن على الآثار الملموسة التي تتركها البيانات المجردة على الناس الذين تكتب القصة الإخبارية لهم وعنهم.

ان مهمة الصحافة المباشرة هي ترجمة اللغة الاقتصادية الصعبة للمواطن البسيط، مع ضرورة التركيز على مجمل الأخبار التي تنعكس على استهلاكه من ارتفاع للسلع الأساسية وأسعار مواد البناء،وازمة السكن ، وغيرها من الأمور التي تؤثر عليه بشكل مباشر، فتبسيط المفاهيم الاقتصادية فن في حد ذاته، حتى لا يقع المواطن في المشكلة المزمنة المتجسدة في عدم استيعاب المضمون الاقتصادي ،وهروبه منها.

  وبدون شك ، فان الصحافة الأقتصادية والمالية لها دور توعوي وثقافي في  تعميق ثقافة القارئ بالقضايا العالمية مثل  الازمات المالية والانهيارات المصرفية وانعكاساتها على الدول المصدرة للنفط وأثرها على مجتمعنا، والاستفادة من توابعها، بإبرازها في قوالب إعلامية قادرة على أن يستفيد منها الوطن ، وبالتالي تنعكس إيجابياتها على المواطن .

ولسوء الحظ ،كما يؤكد رجال الاتصال، ان الكثير من الصحفيين مازال يستخدمون المصطلحات الأقتصادية الغامضة التي يستعملها رجال الأقتصاد والمال بدلا من اللغة البسيطة والواضحة ، وهو أمر لايتفق مع سايكولوجية القارئ العربي وثقافته وبيئته ،لأن المصطلحات الأقتصادية المتخصصة كثيرا ما تسبب البلبلة والملل ،وهروب القارئ العادي من الموضوعات الأقتصادية . وهذا يتطلب من الصحفي تبسيط المصطلحات وشرحها ،لأنها مازلت عند القارئ تمثل شفرة غامضة تحتاج الى فك رموزها . كذلك مشكلة الأحصائيات والجداول التي مازال الكثير من القراء يجدون فيها ارقاماً جافة وصعبة الاستيعاب ، تحتاج من الصحفي المتخصص ان يشرح دلالتها ويفسر معناها للقارئ العادي ، ويربطها بحياته ،ويغلفها بطابع أنساني .بشكل عام هناك ندرة (الصحفي الاقتصادي) الآتي إلى ميدان الصحافة من (مرجعية اقتصادية وأكاديمية)، وهو ما توفر لدى الغربيين. مثلما هناك اشكاليات ترتبط  بالصحيفة وسياستها، وايدولوجية الدولة ونظامها الأقتصادي ، منها عدم وضع حدود فاصلة بين الإعلان والتحرير ،والتخلص من صحافة الاستعراض والترويج وبيانات العلاقات العامة،وتغيير الذهنيات والخروج من دروب الروتين وتبرير الموجود. فإشكالية الصحافة الاقتصادية يجب أن تُعالج على المستوى الكلي وليس الجزئي، أي من خلال النظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والاعلامي،.وهذا يعني الحاجة إلى تبني صحافة الاستقصاء والتقييم والنقد والتحليلات والتحقيقات والآراء من أجل نشر الوعي الاقتصادي في المجتمع.

القول الاخير ،امام الزميل زيد الحلي تحديات كبيرة ،ورسالة صعبة التحقيق، في دولة اقتصادها مدمربل غير موجود ،واستثمار فاقد لعناصره الاقتصادية والسياسية ، لكن ما يخفف قلقي معرفتي بمهنيتة الدقيقة ،وحدسه الصحفي المتميز ،والمعية فكره الصحفي ،وجرأته في اقتحام المسالك الصعبة،كلها تجعلني اطمئن ان المجلة ستحقق حضورواضحا في الواقع الاقتصادي العراقي ، حتى ولو كان حضورا من باب المغامرة والاحلام والتمنيات  في مواجهة دنيا المال المسروق والاستثمار المفقود في عراق غني الموارد وشعب فقير الاقتصاد والحال!

مشاركة