صباح شهرزاد

676

قصة قصيرة

صباح شهرزاد

احمد الحاج جاسم العبيدي

نهض متكاسلاً بعد أن دقت الساعة دقاتها السبعة، وجد أكوام الأوراق وصفحات الجرائد تحيط به من كل جانب. تناول ما طالته يده من قطع الخبز البارد مع عدد من قطع الجبن كان قد إحتفظ به في الثلاجة الصغيرة ثم إحتسى كوباً من الكابتشينو وراح في إرتداء ملابسه المتكونة من قطعتين وحيدتين؛ قميص أزرق فاتح وبنطلون داكن، وعلى الرغم من كونهما شبه باليتين إلّا أن شبابه ونضارة وجهه قد أضفيا عليه هالة من الوقار تميِّزه عن كل من يعمل معه بضمنهم مرؤسيه. القى نظرة خاطفة على برنامجه لهذا اليوم فكانت مقالة مخطوطة على عجل بخط يده على أمل طباعتها لاحقاً. اتخذ طريقه إلى محل عمله في المستشفى حيث تقبع غرفة ادارة الردهة في الطابق الثالث ومن حسن حظه انها زودت مؤخرا بجهاز كمبيوتر وطابعة ليزرية بعد مناشدات ومرافعات طويلة وعريضة أنجزها مع مدير المستشفى وأمين المخزن.  كصباحه المشرق، دخل إلى الغرفة مبتسماً بلا شعور يراوده، يحمل رزمة من الأوراق يحتفظ بها في حقيبة يده اليمنى. إرتمى على الكرسي الدوار وأخذ في إفراغ محتوياته على المكتب، ضغط على زر الكمبيوتر بعد أن اسند ظهره للوراء بانتظار تحميل  النظام. شرع في ترتيب الأوراق المكومة أمامه من الواحد إلى الثمانية عشر، ثم راحت أنامله تداعب لوحة المفاتيح بخفة ورصانة. عندما أنهى طباعة الأوراق الثلاث الأولى، لاحظ أن معظم كلماته قد زخرفت بالأحمر القاني فلم يَرَ بداً من تصحيحها كلمة كلمة، وفقرة فقرة، تحسباً من الأخطاء التي لا تروق لأحد. عندما أنهى تصحيح ألورقة الثانية وهم بالانتقال إلى الثالثة، إندفع الباب بسخرية لم يكن يحبذها معلناً دخول أحد الموظفين ليخبره بأن المدير كان قد سأل عنه طالباً حضوره  لغرض وضع تصنيف جديد لبعض المراجع الحديثة التي أهديت للمكتبة المزعومة من قبل إحدى المؤسسات العلمية التي أوفد لزيارتها خارج القطر قبل اسبوع، وقبل أن يهم بالإعتذار لهذه الدعوة المزعجة، انطفأت الإضاءة وأعيدت خلال لحظات مخلفة وراءها أنين مروحة الحاسوب من كثرة الغبار العالق بها وكأنها طائرة قد انطفأ محركها النفاث تواً. أطلق زميله ضحكة مدوية مخاطباً إياه: “كان حضوري فألاً حسناً عليك حتى أن الكهرباء الوطنية أعيدت هذه اللحظة وانطفأت المولدة المتهالكة، وربما تستمر في صمتها حتى نهاية الدوام لهذا اليوم”.  كانت العبارة مدعاة لدهشته وهو ينظر إلى الحاسوب الميت وكأنه تمثال إله بابلي محفوظ في متحف لم تطله يد منذ زمن غابر. “ماذا جلب الغراب لأمه” العبارة الوحيدة التي تمكنت من الخروج من بين ذهوله ودهشته، فلم يرَ زميله من بد سوى الإنسحاب مخلفا وراءه عبارة “مبارك ضياع عملك، أعِدْ الطباعة من جديد ولا تنسَ طلب المدير وتصنيف الكتب”، ثم أختتم المشهد بصوت إصطفاق الباب. راح في إعادة مسح الغرفة بعينيه مرتميا على الكرسي بدأً بأوراقه المكومة على الطاولة مروراً بالطابعة الليزرية التي كان يأمل في أن تدب فيها الحركة فيما لو أنهى طباعة مقالته، ثم الساعة الدائرية على الجدار أمامه وهي تكاد تلامس سقف ألغرفة إذ لم تترك لها اللوحة المثبتة تحتها مكانا بعد أن شغلت نصف المساحة. كانت من مخلفات الانطباعين لوحة الارجوحة للفنان الفرنسى جان اونورييه شغلت النقاد لفترة من الزمن، يذكر انه قرأ عنها تحقيقاً في إحدى المجلات التي طالتها يده في مرحلة مبكرة من حياته. “بلا شك أن من أحضرها هنا لم يعرف ماهيتها عدا التشبه بمظاهر الثقافة”. مشهد إناء الشاي بجانب الطباخ الكهربائي أثار في نفسه رغبة بإعداد كوب من الشاي راح يتجرعه بمضض، فيما كانت الأحداث تتسارع في ذاكرته كأنها سيل من الالكترونات لقطعة معدنية تم تعريضها لضوء الشمس اللاهبة في هذه اللحظة، أعاد جلوسه على الكرسي شيئاً من الهدوء وأخذ يبحث عن طريقة تمهد له الخروج من هذا اليأس/ الصمت القاتل. لم يرَ بداً من أن يكمل ما بدأ، فأعاد تشغيل ألحاسبة عله يتمكن من مواصلة عمله لهذه اليوم. كانت فترة تحميل النظام أكثر إيلاماً من ذي قبل. اتجه بمؤشر الماوس تجاه إيقونته حيث برنامج الطباعة القابع على سطح المكتب ليدرك ما تبقى من عمله/ مأساته/ ألمه. البرنامج كان قد احتفظ بنصف كلماته منتصف الشاشة، وعلى اليسار كانت الحافظة ماثلة أمامه بشكل عمود أزرق تؤطرها جملة في الأعلى “أي الملفات ترغب في استعادتها؟” كرر هذه الجملة مرات ومرات، ثم بصوت مسموع وهو يسأل نفسه: “حقاً أي الملفات يمكن لي أن أستعيدها؟”، “وهل يمكن لأحد ما من استعادة ماضيه الأليم؟ أم طفولته المشردة؟”، أعاد على نفسه السؤال مرة أخرى: “أي من الملفات تريد أن تستعيد؟”، سؤال ما زال قائما يتحدى حيرته وأيامه ومستقبله. رفع إبهامه للأعلى ونظر إليه نظرة متفحصة، فحمد الله وأثنى عليه إذ لم يلوثها ولا مرة في حياته بأي نوع من أنواع الحبر، أزرق أم أحمر أم بنفسجي، فلم يدخل مركز إنتخابي في حياته، كما لم يتذكر أنه قد وقف أمام مسؤول أو باب سلطة في يوم من الأيام. “أي من الملفات ترغب في استعادتها؟”، حاضره المشتت، أم مستقبله الغامض؟ هل يعيد لوحته المسروقة؟ أم يعيد حبه الضائع؟ عندما وصل إلى العبارة الأخيرة وجد نفسه ينتصب على قدميه ويتجول في الغرفة على غير هدى. سأل نفسه: “هل حقا يمكن لأحد ما من استعادة ملفه المفقود؟”

لماذا لا يحتكم الى شيخ القبيلة ويطالب بفصل عشائري ويحسم قضيته، كما حسمت قضية ديانا ودودي الفايد أو كما حسمت قضية جبل طارق وطائرة لوكربي؟

– ولكن الحرب ستنشب بين قبائل زبيد حتى تباد عن بكرة أبيها.

– وماذا في ذلك؟ فلتباد ! طروادة كانت مملكة قائمة أحرقت من أجل عيني إمرأة.

– ولكن الحرب كانت بالسيف وحده.

– وإن أصبحت بالقلم، فما الفرق؟

– ستهبط جموع الفايكنك من مركباتهم وطائراتهم وسيدمروا بلدانك، ويريقوا دمائك، ويحرقوا مكتباتك.

– سيثأروا لعمورية التي دُمرت بصرخة إمرأة.

– ولماذا لا نثأر نحن لقصر الحمراء وقصور قرطبة وأشبيلية؟

 حانت منه التفاتة إلى الحاسوب فوجد الشاشة تتخبط بعلامة الإكس بي الإفتراضية فلم يكن قد خصص نموذجاً جديداً لحفظ الشاشة. شعر برغبة في الجلوس وملازمه زر الماوس كي تعود شاشته إلى حالتها السابقة فوجدها مازالت مصرة على سؤالها الأزلي: “أي من الملفات ترغب في استعادتها؟”، تساءل في نفسه: “هل ممكن لأحد أن يعيد لوحته المسروقة؟”

– ولكن عالمها قد تلاشى وأُناسها قد تشتتوا في البراري والقفار.

–         “إذن لماذا لا أعيد ملف حربي القديمة؟”

–         ولكن أسلحتك قد تأكسدت وإندثرت تحت التراب.

–         “لماذا لاتكون معاهدة سلام وتوقيع هدنة على غرار كامب ديفيد أو اتفاق أوسلو؟”

–         ولكنك ستضيِّعُ كل أرضك المغتصبة.

 من الأفضل التفكير في كيفية الخروج من هذا المأزق، أربعة جدران، وإضاءة مهددة، وملف ضائع، لماذا لا يجد كوة يطل منها على بصيص من نور وسط كل ما هو اليم ومسروق وضائع؟

–         “هل أعود من حيث أتيت؟ “

–         ولكن الشعراء سيتغنون بهجائك بأبشع القصائد.

–         “وماذا في ذلك؟ ماذا جنى كافور من مدح المتنبي له؟ وماذا جنى الأخير من هجائه لكافور؟”

–         ولكن وقع الكلام أمضى من السيف، كما يقولون.

–         “أم أجلس في منتصف الطريق بانتظار عروة ابن الورد أو عامر بن الطفيل؟”

–         ربما تعرض لك احد اللصوص أو قطاع الطرق.

–         “وماذا في ذلك؟”

–         وستكون نهاية مفجعة، وستباع أسلابك قي بورصة وول ستريت أو سوق مريدي.

–         “لماذا لا أتقدم خطوة إلى أمام؟”

–         ولكنك ستواجه كل الغزاة الطامعين.

–         “وماذا في ذلك؟”

–         وستلاقي مصير أرسطو أو عمر المختار.

–         من الممكن أن يُركِّبَ له جناحين ويطير بهما من فوق الرؤوس.

–         ولكنه سيواجه مصير ابن فرناس.

–         “وماذا في ذلك؟”

–         وسيخلدك التاريخ وسينصبون لك تمثالاً أمام مطارات بغداد وبيروت وصنعاء ونوتردام وهيثرو.

 استدار في جلسته، فقد أراد أن يعرف مصدر الصوت الذي كان يرد على مناجاته/ حيرته/ ألمه، فقد تذكر أنه وحده في الغرفة، ربما كان يتعرض لنوبة هلوسة سمعية، أم شبح تَلَبّسَ جدران الغرفة، أم أن الحجارة بدأت تنطق، فربما انتقل الى العالم الآخر حيث أن الجماد والنبات والحيوانات سوف تنطق وتشهد على ظلم البشر. نهض من مكانه ومشى عدة خطوات بإتجاه النافذة وأزاح الستارة قليلا وراح ينظر الى ساحة المستشفى الأمامية، كانت تعج بالمرضى والسيارات وكذلك الشارع العام للمدينة. كل شيء حقيقة دنيوية ماثلة أمامه وليست من تلك العوالم الغيبية التي قرأ أو سمع عنها. أعاد غلق الستارة وعاد الى ما كان عليه، ولكن:

–         “لماذا لا تكون الحاسبة نفسها؟”

–         نعم أنا من كنت أرد عليك.

–         وهل يمكن لآلة أن تتكلم؟

–         كلا لا يمكن لآلة – كما تعلم – أن تتكلم وخاصة أنها من صنع البشر، ولكن حيرتك وشتاتك وحزنك كلها قد أرغمتني على الثوران.

–         ولكنك تتكلمين وتردي علي بحكمة بالغة ورأيٌّ سديد؟ أم أني قد اصبت بالجنون؟

–         لا هذا ولا ذاك، فأنا حقيقة ماثلة أمامك. أليس لدي وحدة معالجة مركزية تجري فيها عمليات الحساب والمنطق؟

–         أيُ منطق بحق الرب؟

–         القويم.

–         وماذا تريدين؟

–         أردت فقط إخراجك مما أنت فيه.

–         ولكن قولي لي أيتها الآلة، هل لي أن أعرف كيف اخرج من هذا النفق المظلم؟

–         عندما يلوح لك بصيص ضوء حتى ولو من شمعة ضئيلة في نهاية النفق.

–         كليشة جاهزة وحكمة قديمة وفكرة لم تعد مجدية الآن.

–         سيكون القديم حديثاً والحديث قديماً.

–         وكيف لي أن أعرف من أنا؟

–         عندما تعرف من تكون.

–         هذه فلسفة لن أقرَّ بها.

–         لأنك قد ضيعت ذاتك وغايتك وحلمك.

–         لماذا لا تعيدي لي ملفاتي بدلاً من تلك السفسطة التي زادتني ضياعاً فوق ضياع؟

–         أنا لا أعيد ملفات احد لأنني لا أحفظ شيئا، وهذا ما برمجني عليه بني البشر.

–         قولي لي أيتها الآلة: هل من الممكن إصلاح العالم؟

–         بل مستحيل.

–         لماذا؟ أعطيني سبباً وجيها ومنطقيا يا صاحبة المنطق والمعالجة الفلسفية.

–         لأن العالم أحمق.

–         أحمق!

–         نعم أحمق. ألا ترى أنهم يبجلون الأغبياء ولا يحترمون العلماء؟

–         فقط!

–         ويكرمون الأغنياء ويحتقرون الفقراء؟

–         إذاً أنتِ مثلنا، تنشدين اللؤلؤ في سوق الفحم.

–         وهل اللوحة إلّا مرآة لرسامها!

              نهض من مكانه مرة ثانية وقد تملكته الحيرة والدهشة مما سمعه، دار حول نفسه وحول المكان عدة دورات، وفرك عينيه ومسح على شعره مرات ومرات، فقد أراد ألتأكد من أنه ليس في حلم من تلك ألأحلام والرؤى التي تداهمه في ليالي الشتاء الطويلة عندما ينكب على أوراقه وكتبه، ثم ينهض فجأة بكابوس قد ألم به، فيبدأ بلملمة كتبه وإبعاد أوراقه والعودة الى فراشه كي ينعم بنومة هادئة نوعا ما لما تبقى من الليل.

          عاد الى مكانه ونظر الى الحاسبة وأراد أن يتأكد مرة أخرى من حالته، فسألها:

–         حسناً قصي لي حكاية معبرة كي أتأكد من صدق حدسي.

–         سبق وأن حكيت لك ألف حكاية وحكاية وكلها عِبَر، ولكنك لم تعتبر بواحدة منها.

–         ولكنكِ لستِ شهرزاد!

–         ولأنكَ لستَ شهريار!

                    قبل أن يهم بسؤالها مرة أخرى، ساد المكان ظلام فجأة، فقد أُطفِأَت الأضواء جميعها في الغرفة وتزخرفت الشاشة بلوحة الإنطفاء ولم تترك له الحاسبة سوى طنين مروحتها لعدة ثوانٍ قبل أن تدخل في سبات عميق. شعر بألم شديد يقطع أمعاءه، تذكر أن بركانه الساكن منذ ربع قرن قد إنفجرَ في لحظةٍ وأخذ في قذف حممه الملتهبة بكل اتجاه، لم يبقَ هناك من ماضٍ أو حاضر أو مستقبل. ما تبقى منه سوى قرحة نازفة، أخبره الطبيب المشرف على علاجه بأنها قد أتعبت فريقه لمدة ثلاث ساعات من اجل السيطرة على نزيفها.

مشاركة