(صاحب السعادة) هل هو حقا صاحبها؟ -1- مفارقات ساخرة يوظّفها المؤلف بتورية بلاغية منهل الهاشمي في تجربتهم الدرامية التلفزيونية للسنة الثالثة على التوالي يعود الثلاثي : النجم الكبير (عادل امام) بطلا, ونجله (رامي) مخرجا، و(يوسف معاطي) مؤلفا في المسلسل التلفزيوني لرمضان الفائت (صاحب السعادة). بعد مسلسليهم الرمضانيين للعامين الماضيين : (فرقة ناجي عطا الله), و(العرّاف) على التوالي. قراءة على صعيد المضمون (النص) بدءاً من عنوان المسلسل المخادع (صاحب السعادة) والمبني على التورية فالمتلقي الذي يسمع بالعنوان لاول مرة يخال له ان قصة المسلسل تدور حول شخصية مهمة في الدولة, فهذه العبارة تستخدم عند مخاطبة كبار المسؤولين كالوزير او السفير وسواهما, خصوصا اذا ما علمنا سلفا ان المسلسل من بطولة النجم (عادل امام) من خلال (البرومشنات) الاعلانية للمسلسل والتي كانت تبث بزخم كبير في العديد من القنوات الفضائية قبل قدوم شهر رمضان الفضيل بايام. فقد امسى (عادل امام) يؤدي مثل هذه الشخصيات مثل رجل اعمال كبير او وزير او مسؤول وغيرها منذ ما يقارب مطلع هذا القرن بعد تقدمه في السن وتخليه عن ادوار البطل الشعبي المسحوق المعدم والمهمش من قاع المدينة او الريف الذي يعيش على هامش الحياة لكنه رغم ذلك يستطيع الوقوف على قدميه ويصل في النهاية الى مبتغاه وما يريده من هدف. فبات بذلك ظاهرة فنية متفردة واصبح انموذجا للشاب الفقير العصامي المكافح الشهم والخفيف الدم والظل, والذي اخذ يقتدي به معظم الشباب ويتعاطفون ويتماهون معه كنوع من التعويض النفسي من اجل الوصول ـ مثله ـ …للحلم !!. كانت هذه معظم الادوار والشخصيات التي جسدها في العقد الثمانيني والى حد ما العقد التسعيني ايضا حينما كان لا يزال من الممكن ان يؤدي ادوار البطل (الشاب). أَما وقد تقدم به السن فقد تغيرت الاحوال بناءً على هذه المتغيرات والمعطيات فاخذ يؤدي الادوار والشخصيات التي ذكرناها آنفا. وعنوان المسلسل كما اسلفنا يقوم على التورية فمعناه الظاهري المعلن يوحي بانه يدور حول شخصية مسؤولة مهمة في الدولة لكن معناه المضمر المستتر والحقيقي يقصد به السعادة نفسها كقيمة مجردة. ومن المعروف ان المؤلف (يوسف معاطي) يمتاز بتوظيفه الذكي واللمّاح لبلاغة التورية كما انه متخصص ومبدع في مجال الكتابة الكوميدية فهو يعتمد على بناء كوميديا الموقف الذي يقوم على المفارقة المتناقضة الصارخة الساخرة وليس الاضحاك عن طريق ما يسمى في الوسط الفني المصري (الافيهات) البائسة في الحوار كما هو شائع لدى بقية كتاب السيناريو. كما انه صاحب حوار ساخر ذكي موحي ولمّاح. وهذه الاسباب مجتمعة هي من دعت (عادل امام) المعروف بذكائه الحاد لاحتكاره وحصر التعامل معه منذ اكثر من عقد ونيّف في كتابة معظم الافلام والمسلسلات والمسرحيات التي قام ببطولتها. وسناتي لاحقا لذكر المشهد الذي استطاع به من توظيف واستثمار التورية في عبارة عنوان المسلسل (صاحب السعادة). ملخص قصة المسلسل تدور احداث المسلسل حول الشخصية المحورية بهجت ابوالخير (عادل امام), وهو قبطان بحري سابق متقاعد لفّ الدنيا طولا وعَرضا, شرقا وغربا ـ كما يقول ـ له من البنات خمسة (بهيجة, فرح, سعاد, زهرة, بوسي) والكثير من الاحفاد. وبعد هذه الحياة الطويلة الحافلة التي عاشها بالطول والعَرض تبلور لديه مفهوم فلسفي خاص للسعادة وهو ان يعيش اليوم لليوم لا غده ولا امسه, وان افضل شيء للانسان هو ان يحيا الحياة كما يحلو له ان يحياها, دون ان يحمل هموم الماضي وآلامه واحزانه واخفاقاته او الخوف والقلق من المستقبل المجهول المتربص بنا فقد تكون تلك المخاوف والوساوس مجرد خيالات واوهام لا وجود لها على ارض الواقع والحقيقة, فلمَ نستبق اذن المصائب والنكبات الوهمية ؟!!. ومن هذا المنطلق الفلسفي نراه يبذخ بصرف الاموال التي جمعها من عمله طيلة حياته وادخرها في البنك على اسرته وهم بناته وازواجهن واحفاده الذين يعيشون معه في نفس البيت بناءً على رغبته ويصرفها دون حساب. فالاموال في النهاية هي وسيلة لا غاية, وسيلة لاسعادنا وامتاعنا لا غاية تجعل منا اسارى وفريسة الخوف والقلق والجزع من ان تزول منا يوما ما فتزول بذلك سعادتنا. اذن هو يعيش اللحظة التي يحياها ويستمتع بها قدر ما يستطيع لان اللحظة التي تمضي لن تعود ابدا. وبصرف النظر عن ظرف اللحظة وطبيعتها فبهذا تكمن حقا السعادة الحقيقية, وآية ذلك انه عندما يبيت ليلة في التوقيف بامر من وزير الداخلية فاروق (خالد زكي) نكايةً به وكوسيلة للضغط عليه لاجبار ابنته بوسي على التخلي عن ابنه سيف (محمد امام). حينما يبيت ليلته تلك مع اللصوص والمجرمين والخارجين على القانون ويراهم محبطين مكتئبين آيسين يسأل مجاوره : لمَ تقضون ليلتكم بهذا الحزن والاكتئاب ؟!!. فيجيبه اللص مستغربا : وكيف تريدنا ان نقضيها اذن, بالرقص والغناء ونحن في السجن ؟!!. يجيبه بهجت وفق فلسفته البراجماتية العملية التي لا تخلو من منطق : ولمَ لا تفعلون ذلك ؟! فانتم في كل الاحوال ستقضون ليلتكم هذه في السجن حتى تعرضون على النيابة غدا صباحا, فلمَ لا تقضونها بالرقص والغناء بدل الهم والغم والنكد ؟!!. يقول لهم هذا رغم انه دخل السجن ظلما وعدوانا. لنرى بعد ذلك المساجين جميعا برفقة بهجت وهم يغنون متعانقين ومتشابكين يتمايلون طربا ونشوة وفرحا : علشان احنه مع بعضينا….و… انا قلبي دليلي وقالّي ح تحبي !!!. الخط الدرامي للاحداث والحبكة في الحلقات الاولى من المسلسل نجد ان هناك خطين متوازيين للاحداث مستقلان ولا علاقة بينهما قبل ان يتشابكا سوية ويتعالقا فيما بينهما كما سنرى لاحقا. الخط الدرامي الاول المتمثل بشخصية بهجت ابو الخير واسرته الذين يعيشون حياة فوضوية حافلة ملؤها الحب والفرح والسعادة والود والحميمية, فهو يرفع الحواجز والكلفة تماما بينه وبين بناته وازواجهن بل وحتى احفاده الاطفال فالجميع ينادونه باسمه المجرد (بهجت) او يدلّعونه احيانا بلقب (بيبو) !!. وهذه الحياة الفوضوية الصارخة بصخبها واحتفالاتها المتواصلة تثير انزعاج جاره, الممثل (لطفي لبيب) وتجعله يشكو منه باستمرار ويوبخه مرارا على الضجيج والفوضى العارمة دون جدوى. الخط الدرامي الثاني المتمثل بالشاب سيف الذي يعمل ضابطا بالداخلية قبل ان نفاجأ ـ مع شخصيات المسلسل ـ بكونه نجل وزير الداخلية الذي يرفض تماما سوء استغلال السلطة والنفوذ وما تترتب عليه من محسوبية ومنسوبية ووساطات. فالرجل (والده) يعمل بمهنية وامانة حازمتين وصارمتين وهو ما ربّى ابنه سيف عليه فسار على نفس خطاه في حياته المهنية كضابط ، بل وحتى اخفى صلته العائلية بالوزير عن اقرب المقربين له في العمل رافضا هو الاخر اللجوء للوساطات والتسلق في وظيفته مستغلا سطوة ونفوذ والده الوزير فتدرج وخدم في وظيفته بعصامية ومهنية شديدتين كضابط عادي حاله حال اقرانه الاخرين. وهذان الخطان الدراميان المستقلان اللذان سارا كما اسلفنا بخط متوازٍ لا علاقة بينهما في الحلقات الاولى ما ادى بالتالي لاصابتها ـ بعد ان طالت بعض الشيء ـ ببعض الرتابة والفتور ان لم نقل الملل وهو المأخذ الذي نأخذه على الحبكة. فباتت تخلو في هذه الحلقات من التشويق والترقب والاثارة, وهي العناصر الاساسية لأية دراما. فهذه العناصر هي التي تدفع بالمشاهد او المتلقي لمتابعة الدراما بلهفة وترقب ومتعة من خلال السؤال المحوري الذي سيدور في ذهن المشاهد : (ترى, ماذا سيحدث بعد ذلك ؟!!). وبانتفاء الحاجة لهذا السؤال المحوري سينتفي الحافز او الدافع لمتابعة العمل الدرامي. ثم تبدأ نقطة التحول الدرامي وبدء تصاعد الاحداث المتلاحقة حينما يتعرف سيف على بوسي وتنشأ بينهما علاقة حب وينوي الزواج بها رغم معارضة والديه الشديدة بعد ان شاهدوا الحياة الفوضوية التي تعيشها اسرة بهجت والتي يصفونها بـ(المنفلتة). فهنا بالذات ـ وبعد مرور عدة حلقات ـ تبدأ الانعطافة الحقيقية في المسلسل. فيدفعنا الفضول وحب الاستطلاع لمعرفة ما سيحدث بعد ذلك حينما سألنا انفسنا ذلك السؤال المذكور, بعد ان اصبح لبطل العمل او لنقل احدى الشخصيات الرئيسية هدف ما تسعى لتحقيقه. حيث ان اي بناء درامي لأي سيناريو في اي وسيط فني تتمثل فيه الدراما (سينما ـ مسرح ـ تلفزيون ـ اذاعة) يكون كالآتي : خلق او ابتكار شخصية رئيسية (البطل). وضع هدف محدد له يسعى ويكافح للوصول له او الحصول عليه. خلق شخصية (الخصم) المضادة والمعاكسة للبطل والتي تحاول اعاقته للوصول لذلك الهدف بكل ما اوتيت من قوة. تحدث (العقدة) او الازمة التي تقود بالتالي الى (الصراع) بينهما والذي هو اساس وعصب اية دراما كانت فبدونه ينتفي وجود الدراما. يتصاعد الصراع ليصل الى قمة الازمة او ما تسمى (الذروة) ، وصولا الى الحل او (النهاية) التي تكون اما بانتصار البطل على الخصم او العكس, او قد تكون ما تدعى بـ(النهاية المفتوحة) او السائبة , وهي النهاية غير الحاسمة او المحددة المعالم ويترك للمتلقي تخيلها او تصورها بالطريقة التي يرغب بها اويتمناها. فبالتالي نستطيع القول بأن : لا دراما بلا صراع , ولا صراع بلا فعل , ولا فعل بلا شخصية , ولا شخصية بلا هدف. هذا هو باختصار البناء الدرامي السليم لاي سيناريو او دراما. التوظيف البلاغي للتورية ذكرنا سابقا عن توظيف المؤلف (يوسف معاطي) البلاغي للتورية في عنوان المسلسل المراوغ (صاحب السعادة) في احد المشاهد. ففي المشهد الذي يدور بين بهجت ابو الخير والوزير فاروق في مكتب الاخير حينما يحاول بهجت اقناعه بضرورة زواج ابنته من ابنه كون الوزير يرفض ذلك بشدة. ينفعل الوزير ويطرده, وقبل ان يخرج ابو الخير يخاطبه بالقول : (قبل ما اخرج عايز اسالك سؤال واحد, انت طول عمرك كلهم بيقولوا لك صاحب السعادة, لكن ياترى انت فعــــــلا صاحب السعادة؟!!). وهنا تكمن قمة المفارقة الساخرة والاشتغال الذكي على عبارة (صاحب السعادة) حيث وظفها المؤلف بذكاء كتورية بلاغية. فالمواجهة تدور بين رجلين, الاول وزير الداخلية الذي تهابه ملايين الناس وتحسب له الف حساب, وهو يملك السلطة والجاه والنفوذ, ويخاطب من قبل الجميع بـ(صاحب السعادة). ورغم كل ذلك فهو يفتقدها تماما بل وحتى لا يعرف السبيل اليها. في حين ان الثاني (بهجت ابو الخير) هو مواطن عادي لا يملك اي سلطة او نفوذ, وكل ما يملكه ثروة محدودة فقط الا انه رغم ذلك فهو يعيش واسرته في سعادة وهناء دائمين ، فمن هو اذن (صاحب السعادة) الحقيقي ؟!!!… ذلك هو السؤال !!. ولا يفوتنا ان نذكر هنا ان هذا (الكاركتر) او الشخصية التي لعبها الفنان المبدع (خالد زكي) هو نفس (الكاركتر) الذي سبق وان لعبه (عادل امام) نفسه في فلم (التجربة الدنماركية), وهو شخصية الوزير الذي يقضي طيلة سني عمره في كفاح متواصل في عمله من اجل النجاح فيه حتى اذا ما صار كهلا وبلغ منصبا رفيعا مرموقا يشعر آنذاك بان الزمن قد استغفله وسرق منه زهرة شبابه واجمل سني حياته راكضا لاهثا في عمله من دون ان يشعر بذلك الا بعد فوات الاوان, فما فائدة المنصب والسلطة والجاه بعد ذلك وقد بلغ من الكبر عتيا, وفاته ما فاته من العمر ؟! مع الفارق بالتاكيد بين الشخصيتين على صعيد الجرعة الكوميدية في الشخصية والاداء التمثيلي وحتى مساحة الدور. النظرة الفريدوية للسعادة من ضمن ابعاد شخصية بهجت ابو الخير الاخرى غير التي ذكرناها التي رسمها المؤلف وهي بالتاكيد تمثل وجهة نظره التي حمّلها على هذه الشخصية, وهو ان السر الرئيسي من اسرار سعادته هو لجوءه المفرط لتعاطي المنشطات الجنسية (حبوب الفياغرا) !!. حيث يقول بهجت لرئيس البنك الذي يتعامل معه مشيدا بذكاء وكفاءة الدكتور (فريد وجدي) الذي وصفها له : (لولاه كنت انا قاعد تحت الشمس بَنِشْ الدبّان من على وشّي !!!). اي يقصد بذلك انه سيغدو عاجزا تماما لايقوى على فعل اي شيء.















