صابونة الحمام – جليل وادي

256

كلام أبيض

صابونة الحمام – جليل وادي

يشبهه البعض بــ ( صابونة الحمام ) ، لصعوبة مسكه ، لا تعرف صدقه من كذبه ، بهلوان بابتسامة عريضة ، له القدرة على التغلغل تحت ابط المتنفذين ، ويعرف كيف يمسح أكتاف أصحاب رؤوس الأموال ، لا تحرك مشاعره أقسى المواقف ، ولا يستحي من العتب ، ناعم ( كخيط البريسم ) عندما تكون له حاجة عندك ، ولن تقبض من وعوده شيئا عند حاجتك له ، تركه الجميع ليأسهم من صحبته ، او ان يكون رصيدا مضمونا في المواقف ، وفي يوم معلوم صار ( صابونة الحمام ) مديرا عاما ، وليس في أي مؤسسة  ، بل في أثرى المؤسسات ، ولن أستمر في الوصف ، فمخالبه حادة جدا ، ويمكن أن تنال من الذين يقفون في طريقه مع ابتسامة عريضة تغطي محياه .

بعد الاحتلال بسنة كنت مديرا لتحرير واحدة من الصحف التي حظيت باحترام النخبة بين مئات الصحف التي صدرت لتعكس ( الغد المشرق ) الذي وعدنا به ( المتنورون ) الذين خبروا تجارب الديمقراطية وحقوق الانسان الاوربية في مدن الضباب والأضواء والعطور ، حتى قلنا بالسر والعلن ان القادم ( گمرة وربيع ) كما يقول مثلنا ، وقد رأيتم الذي حصل ولا داعي للحديث عنه وتكرار الكلام فيه ، في هذه الصحيفة التي اختير لملاكها خيرة كفاءات الداخل ، طلب مني رئيس التحرير أن اضيف أحدهم لهذا الملاك ، فاذا به لا يملك من مؤهلات العمل الاعلامي شيئا ،  أخبرت رئيس التحرير بهذه المصيبة ، فطلب مني تكليفه بأي مهمة ، معللا ذلك بصعوبة الاعتذار من سياسيين مهمين كلفوه بتعينه ، فهو زميلهم أيام المعارضة ، هززت رأسي وعدت أدراجي ، فلم أرغب بإحراج مسؤولي في العمل مع سياسيين كانوا وقتها منشغلين بكتابة قانون ادارة الدولة ، وحسنة ذاك الشخص انه يتمتع بمظهر لافت ، بدلة ايطالية وربطة براقة وعطر باريسي ، فوجدت من المناسب اتخاذه ديكورا في أحد الاقسام ، لكن صاحبنا لم يبق طويلا معنا ، فسرعان ما صدر أمر تعينه مدير مكتب لمؤسسة اعلامية مهمة في واحدة من أهم العواصم الأوربية  ، لا تستغربوا ، في الواقع حكايات أغرب من الخيال كما قال الكاتب

ما زالت لم أكمل الحكاية ، وسأختمها بذاك الطالب الخلوق جدا الذي درسته في الجامعة ابان سنوات النظام السابق ، لكنه غبيا ، تعيد عليه الدرس أكثر من مرة ولا جدوى ، فاستغرب الجميع من كيفية وصوله للجامعة ، واضطرت عمادة الكلية بعد أن تضاعفت سنوات رسوبه الى ترقين  قيده ، الا ان أطرافا متنفذة في ذلك الوقت توسطت لديها ليمر بطريقة او بأخرى ، على كل حال تخرج طالبنا ، الا ان صورته ظلت ماثلة في الأذهان  ، وما عزز رسوخ صورته ، تعيينه سفيرا في دولة اوربية في اطار نظام المحاصصة التي تعرفون ، وعندما انتهت مهام عمله ، نُقل لسفارة اوربية اخرى .

لكل ذلك لا داعي للسؤال عن كيف وصل بنا الحال الى عجز الحكومة عن صرف رواتب الموظفين ، وان الدولة على حافة الافلاس ، وما ينتظرنا مخيف ومجهول ان لم يتداركه الحكماء .

بالتأكيد لا يمكن التعميم بالمطلق ، فمن بين الماسكين للمؤسسات كفاءات جيدة ، لكن ليس بمقدورهم كسر طوق منظومة فاسدة تمكنت من بسط سطوتها على جميع المفاصل ، وهناك الكثير من العقول النيرة خارج مؤسسات الدولة تحول من دون وصولها للمواقع المناسبة قيود سياسية ومصالح ضيقة لجهات عليا واعتبارات متخلفة ذات بعد طائفي او قومي وغيرها ، ليس هذا وحسب ، بل توجد في المؤسسات نفسها كفاءات كبيرة لم تتمكن جهات صنع القرار فيها من استثمارها وتفجير طاقاتها ، لأن تعبيد الطرق أمامها واستثمارها يقلقها ، ويثير تحسبها من احتمال أن يشغل الأكفاء مكانها . لهذا ظلت البلاد تراوح في مكانها .

[email protected]

مشاركة