شين كونري معيدي – نعيم عبد مهلهل

شين كونري معيدي – نعيم عبد مهلهل

في صدف الحياة تتشابه الوجوه وعندما يُقال: يُخلق من الشبه أربعين، فهذا معزز بوقائع الحياة، وليس غريباً أن يكون الشبه كبيراً بين رجل من أهل بوينس آيرس وآخر من أهالي حلب. وأتذكّر أني في تجوالي بين مدن المغرب كانت أغلب ملامح الوجوه تذكرني بملامح وجوه عراقية أعرفها أو صادفتها في محطات حياتي فأتذكر أبي ما قاله في التشابه بين البشر عندما قال: نحن أبناء آدم وآدم يشبهنا جميعاً. ذات يوم أتى (شاني أكوين) وأكوين هو تصغير لكلمة (كون) بالعامية، جاء كمعلم تعيين جديد في مدرستنا ويفتخر أنه أتى من قرية القصب إلى قرية القصب فهو مواليد قرية فرحان تلك القرية الشعبية الواقعة في مركز مدينة الناصرية وجميع أهلها من الفقراء وبيوتهم من الصرائف، وعندما جاء (شاني) ليسجل مباشرته في المدرسة فوجئنا بالشبه الكبير بينه وبين الممثل البريطاني شين كونري بطل سلسلة الأفلام الشهيرة جيمس بوند، والمفاجأة الثانية أن اسمه قريب الشبه في الحروف والإيقاع مع اسم كونري عندما كان وجدنا في توازن موسيقا السماع بن الاسمين، وقتها وضحكنا وسألناه: أستاذ شاني هل تعرف شين كونري؟

قال: كلا، من يكون هذا.؟

قلنا: ممثل أفلام بوليسية يسمى (جيمس بوند) أنت تشبهه اسماً وشكلاً.

انتبه وقال: إي والله سمعت لأكثر من مرة ينادونني في المعهد وبعض الأصدقاء بجيمس بوند إلا أنني لم أنتبه.

قلت: عندما تذهب إلى الناصرية عرج بطريقكَ إلى سينما الأندلس الشتوي، وانتبه إلى المانشيتات المعلقة ستجد على بعضها صورتكَ وأنت تمسك مسدساً وتعانق ممثلة شقراء وفوقك الرقم 007.

ضحك. واستغربنا عندما قال: بيتنا يقع في أول قرية فرحان وبيننا وبين سينما الأندلس شارع طويل ومستقيم يبدأ من باب الشطرة ويمر بسوق القماشين وحتى النهر، حيث تقع سينما الأندلس، ولكن صدقوني لم أدخل سينما في حياتي سوى مرتين، فيلم عنتر وعبلة لكوكا وسراج منير، وآخر هندي وهو فيلم سنكام. ولكن بسبب جيمس بوند الذي يشبهني سأذهب لأكتشف ذلك.

ومنذ أن ذهب (شاني أكوين) ليبحث بين مانشيتات الأفلام عن وجه شبيههُ حتى تغيرت حياته، أصبح عاشقاً لأفلام كونري واقتنى كل صوره وعلقها فوق جدار الصريفة التي ينام فيها مع زميل له، وصار يختلق الأعذار ليذهب إلى الناصرية ليشاهد أفلام بوند حين تعرض، وأخيراً ذهب إلى الحلاق وعمل تسريحة شين كونري حتى أنه صار يذهب كل يوم جمعة إلى سوق البالات في الناصرية لعله يجد بدلة تشبه البدلات التي كان يلبسها بوند في الأفلام، وذات يوم وجد ربطة عنق فسفورية ومخططة تشبه مثيلها لواحد من أربطة شون كونري في أحد أفلامه فظل يرتديها مع كل مناسبة يكون فيها ارتداء القاط ضرورةً.

هاجرت إلى مدن بعيدة وتركت شبيه شين كونري هناك في مدرستنا، وبسبب زحمة السنين نسيته، ولكني كنت أتذكّره كلما يعرض التلفاز فيلماً لجيمس بوند.

بعد فراق كل السنوات عدت إلى مدينتي زائراً، وقادني الحنين لأزور قريتنا التي كانت مسرحاً لأحلام أيام التعليم في مدرستها التي تشبه ناطحة سحاب صغيرة.

عدت للمكان وأنا أستعيد مع ولد المرحوم شغاتي تفاصيل الذكريات والأمكنة التي تغيرت عندما فوجئت برجل يقود أربع جواميس فكانت ملامحه ذات ملامح شبيه شون كونري.

هو لم يعرفني، ولكني صحت بوجهه: أنت أستاذ شاني أكوين.؟

قال نعم وابتسم.

قلت: تخيلتكَ الآن في هوليود ممثلاً بديلاً لشون كونري عندما يتعب من تصوير أحد أفلامه.

قال: هوليود ليست أجمل من أم شعثة..

عانقته وعرفت من القصة أن شاني أكوين حصل على قسمة الزواج مع فتاة من بيوت القرية واستقر هنا، وبعد تقاعده قبل سنوات قليلة، ارتضى ليعيش مثل حياة نسيبه فاشترى له عدداً من الجواميس ومارس وبحب ذات حياتهم.!

مشاركة