
شيء عن الغابة.. ذاكرة صمت مقروءة
التقريرية المباشرة والسطر القصير
حامد عبد الحسين حميدي
( شيء عن الغابة ) عنونة فيها إبهام وغموض ، ومجهولية الرؤية التي تحتمل تنبؤات متضاربة ، فما الشيء الذي نعتقد أن نجده في الغابة ؟ هل نجد الهدوء والراحة والسكينة ، أم نجد الانفلات ولغة الافتراس وظلامية المكان وغريزة اللهاث ؟! الغابة حاضنة لفخاخ وشباك عدّة ، فخاخ ليست من النوع الذي قد نذهب اليه كمعنى سطحي بل فخاخ توقعنا ضحية لعبة افتراسات مبهمة ، فهل الغابة هي نفسها المقصود منها : ترميز عالم الافتراس والقوة الحيوانية والمتاهات ، إذ / لا نجد فيه سوى قانون البقاء للأقوى ، أم انها غابة الانسان الذي انسلخ من مبدئه ، وضياع في قرارة الجور والظلم والتسلّط ، وفرض مهيمنات أطاحت بكلّ معاني السمو والترفّع ، ليقع أمام رحى الحياة الغابوية التي يسودها الضغط المنفلت والبقاء في تعاسات الخيبة ومطاردات الذكريات المثقلة ، فالماضي والمستقبل يعانيان من تعاسة … نلاحظ كيف تعامل الشاعر مع لفظة ( الغابة ) في مجموعته الشعرية ، اذ وردت مرتين :
الكلّ يصطاد في هذه الغابة
لكنّ الخنازير تكثر .1
ويقول أيضاً :
ستركضين بعيداً ، ونقف . الى أين تريد … ؟
توغل في الغابة . ليس هذا الزاد بوصلة .2
شيء عن الغابة 3 مجموعة شعرية للشاعر كاظم مزهر4 اتسمت قصائده ( ما يليق بهذه المرأة / رغوة في فراغ / النهاية الفارغة / تحت ظل الغيمة بعد سكوت المطر / هذا ما فكر به صياد السمكة / موت الشاعر ) بالسطر المفتوح والطويل ، والذي تميّز بسردية حكائية سلسة وبلغة خالية من الغموض ، كونه يتعامل مع ادراكيات نص مفتوح … اذ منح القارئ / المتلقي رغبة التتبع والاستقصاء ، كل ذلك يعود الى الحالة النفسية التي تؤثر على الشاعر .بينما القصائد الأخرى نجد فيها الجنوح الى السّطر القصير وما تراوح بين ذلك ، علّ ذلك يعود الى الشاعر نفسه ، كون ما يحمله لا يمكن ان يكون إلا ضمن تداعيات الاختزالية ، فهو يعرف كيف يعطي للنصّ روحه التي تجعلنا نتفاعل معه .
وما أنا وسكون أجهله ،لأحشر قدمي في فخ سافر
سأمطّ علكة الحياة وأنفخها لتبلغ الهواء خارج فمي
وأقفز فوق صفائح وحجر لأنجز العبور 5.
هذا الرمز الباطني المتأزم بفكرة الخلاص والعبور ، والذي جاء نتيجة لإفرازات حياتية مثقلة بالهم والتعب النفسي ، ولدت لدى الشاعر رغبة القفز وتجاوز المجهولية التي جثمت لتكون مطبّاً ، يولّد لدينا تأملاً يمنحنا لذّة : ( سأمطّ علكة الحياة وأنفخها لتبلغ الهواء خارج فمي ) ضرورياً لحالة الانسلاخ وانصهار المعنى الدلالي الذي ينبثق منه ، تاركا في ذاته تلك المحاولات الموهومة بالخلاص .
كان عصر الاثنين لقاؤنا فيما يظنّ اهلك أنك ذاهبة
للاجتماع القسري
للحزب الذي يلزم الطلبة بحفظ شعاراته وأقوال الرئيس
كنت تهربين اليّ لألقي عليك تعاليم الحب بدل تعاليم
الحزب …
فما حاجة مراهقة في الثالث المتوسط لمذكرة تقرير
المؤتمر القطري للحزب كل اسبوع 6.
الشاعر – هنا – بتقريريته المباشرة ، حيث يشدّنا الى ذاكرة متخمة من الماضي المملوء بلقاءين متناقضين ، احدهما : لقاء قسري يمثل سطوة الحزب الحاكم ومدى تعسفه ومحاولاته دسّ افكاره وشعاراته بالإلزام والإكراه ، ولقاء آخر : وهو مصاحب للأول ومقترن به ، لكنه يبثّ روح الحبّ ونشوته المفرطة لتلك المراهقة ، وشتان ما بين الأمرين ، صناعة الحبّ في أتون الظلام ، هذه المشاهد اليومية الساخنة المصحوبة بحوارية غير صريحة ، شكّلت لدينا تقنية ارتباطات نفسية تنضّد لغة الرفض والقبول ، الرفض لأفكار الحزب والقبول بتعاليم الحبّ وتقبلها .
الصيّاد يهرسُ خشونة عمره ناقراً على ركبتيه المعقوفة
كالبيانو 7.
نلاحظ كيف نجح الشاعر في توظيف الفعل ( يهرس ) الذي جاء مناسباً للصياد الذي يفني عمره وحياته في هذه المهنة المتعبة ، وهو يتعامل يومياً مع البحر والماء ، فهما مادته التي تدرّ عليه رزقه ومصدر عيشته ، ورد في لسان العرب (8) : الهَرْسُ : الدَّق ، ومنه الهَرِيسَة . وهَرَسَ الشيء يَهْرُسُه هَرْساً : دقَّه وكسره ، وقيل : الهَرْس دقك الشيء وبينه وبين الأَرض وقاية ، وقيل : هو دقُّك إِياه بالشيء العريض كما تُهْرَسُ الهَرِيسَةُ بالمِهْراس . والمِهْراس : الآلة المَهْرُوس بها . والهَرِيسُ : ما هُرِسَ ، وقيل : الهَرِيس الحب المهْروس قبل أَن يُطْبَخ ، فإِذا طبخ فهو الهَريسة ، وسميت الهَريسَةُ هَرِيسَةً لأَن البُرَّ الذي هي منه يدق ثم يطبخ ، ويسمى صانعُه هَرَّاساً .
ثم يبدأ الشاعر ( مزهر ) بإطلاق ضجيجه وتمرّده في القصيدة نفسها ، كونه يعاني من أزمة الاقصاء والتهميش كونه يحمل سمة الجنوب وطبائعه المكتنزة ، اذ يقول :
أيّ قدر منحوس حين يطاردني التابوت
أنا الهارب عند الموت
من جسدي المعطل على رصيف أحمر
البيت تابوت ، الشوارع توابيت ، والأسواق
المدينة تابوت يوميّ يتأنق
الارض تابوت أحدب 9
الشاعر ( كاظم مزهر ) يتعامل مع مفردتي (الموت والتابوت ) بدقّة متناهية كونهما يشكلان نقطة اشتغال مترابطة ، تصل به الى لحظة التشاؤم والانكسار النفسي ، فهو انسان مستهلك ، لا يقوى على مواجهتهما ، حتى الهروب لم يسعفه من ذلك الخطر الذي يطارده ، فهو يتعامل مع قدره ، فجسده المعطل والمشلول الذي يرى فيه صورة لتابوت اخذ حيزاً مكانياً كبيراً ، فالتابوت : ( البيت ، الشوارع ، الاسواق ، المدينة ، الارض ، كل شيء تحوّل الى تابوت) هذا القدر المقيت الذي يلطخ بالدم الاحمر ، إنها تورمات يومية .
ماذا يعني موت الشاعر ؟
موت شجرة ؟
انحسار غيمة
البارع المتواري عن شاشات العرض
واهناً يطأ الارض …10
يطلق الشاعر ( كاظم مزهر ) صوته مستفهماً الى روح صديقه الشاعر ( حسين عبداللطيف ) ، لهذا الرحيل الذي شكّل نقطة توهّج لدى ( مزهر ) فالإشارة اليه ، حملت تفرعات : ( الشاعر / شجرة / غيمة / شاشات عرض ) ، ليتنفس الصمت عن انحسارات لذلك الموت الذي أطبق فكيه ، وهو يواري استفهامه الذي لم يعد يجدي نفعاً ، فمرارة الفراق والرحيل ، بـ ( موت الشاعر ) كانت كضوء ساطع ، وبروز الالوان ، وتفتق حبر الكتابة ، الشاعر رسالة صمت مقروءة .
{ ص 52 . أوراق طائشة .
{ ص 62 أوراق طائشة .
{ شيء عن الغابة : كاظم مزهر الطبعة الاولى 2017 . اصدارات اتحاد الادباء والكتاب في البصرة
{ كاظم مزهر : شاعر تولد البصرة1966 حتصل على شهادة بكالوريوس علم المكتبات والمعلومات / جامعة البصرة ، عضو اتحاد الادباء والكتاب / فرع البصرة .. صدر له : بستان الليل . دار أمل الجديدة . دمشق / ما لا ينطق .. تحكيه القسمات . دار تموز . دمشق . / وكتب شعرية مشتركة .
{ ص 9-10 . رغوة في الفـــــــراغ .
{ ص 19. تحت ظل الغيمة بعد سكوت المطر .
{ ص 23 . هذا ما فكر به صائد السمك .
{ لسان العرب . ابن منظور . دار صادر بيروت
{ ص 24 . هذا ما فكر به صائد السمك .
{ ص 84 . موت الشاعر .


















