شهادة من زمن الكلمات في سفر الابداع العراقي

333

شهادة من زمن الكلمات في سفر الابداع العراقي
سنوات البداية.. المعاناة والإنجاز
عبد الرحمن مجيد الربيعي
-1-
بدأت سنوات رحلتي الأدبية عام 1964 محررا لصفحة ” أدب وأدباء ” بجريدة أسبوعية لم تواصل الصدور إسمها “الأنباء الجديدة” وكنا وقتها فتية فائرين لا يعجبنا العجب وفي داخلنا قناعة ترسخت بعد قراءاتنا وحواراتنا بأن علي جيلنا الذّي سيطلق عليه إسم “جيل الستينات” أن يكتب نصّه المختلف شعرا وقصة قصيرة إذ لم يفكر أحد منّا في كتابة الرواية وقتذاك، وكانت القصة العراقية علي يد الجيل الذّي سبقنا قد حققت شيئا مميزا علي المستوي الفني بعد أن كانت القصة علي يد الرواد مجرد “مقاصّة “أي مقالة قصة. ومع هذا لم تجد قصة الخمسينات الصدي الإيجابي لدينا أو تقنعنا بمعطياتها حيث كان الكتاب الروس حاضرين في رؤوس أولئك القصاصين خاصة مكسيم غوركي وأمه – والنزعة الواقعية بحيث كانت حوارات القصص بالدارجة ظنّا من كتّابها أن هذا سيقوّي من نزعتها الواقعية ويجعلها قصصا عراقية مائة بالمائة.
فترات الظهيرة
وبعد سنوات سيذكر الشاعر المعروف سامي مهدي في كتابه الهام “الموجة الصاخبة “أن صفحة “أدب وأدباء ” هذه التي كنا نستقطعها أسبوعيا من جريدة “الأنباء الجديدة” إذا لم تخضع لغارة من الإعلانات تستولي علي أكثر من نصفها هي أول تجمع لجيل الستينات حيث نشرت فيها النصوص الأولي لمعظم أدباء هذا الجيل من عبد الستار ناصر وسركون بولص ويوسف الحيدري وبثينة الناصري وموسي كريدي وعلي جعفر العلاق وخالد حبيب الراوي وحميد المطبعي وأسماء أخري.
كما أن عام 1966سيشهد صدور أول ديوان شعري لشاعر من جيل الستينات هو سامي مهدي وعنوانه “رماد الضجيعة” كما سيشهد العام نفسه صدور أول مجموعة قصصية لكاتب من جيل الستينات وعنوانها “السيف والسفينة”ومؤلفها العبدالله محدثكم الجالس أمامكم الآن.
لم نكن متشابهين ولا ينسج أحدنا علي منوال الآخر بل كنا مختلفين رغم إتفاقنا علي إنجاز نصوصنا المختلفة لا عن الجيل الذي سبقنا فقط بل وعن بعضنا البعض أيضا.
و كان الإختلاف واضحا في نصوصنا التي بدأت تأخذ طريقها للنشر ولما كانت لقاءاتنا يومية في مقاهي بغداد التي كانت تضمنا في فترات الظهيرة وخاصة مقهي البلدية الذي أزيح ليشيد بدلا عنه مبني تابعا “لوزارة الدفاع. كان المقهي الكبير يحتضن نقاشاتنا وفوضانا وأحلامنا ونصوصنا التي نقرؤها لبعضنا وتتبعها نقاشات صاخبة ومن ذلك المقهي الذي أعدمته معاول الهدم كما أعدمت الكثير من المعالم البغدادية، كانت نصوصنا تذهب إلي الصفحات الأدبية في جرائد بغداد الستينات وما أكثرها فكانت جريدة “صوت العرب” ويشرف علي صفحاتها الثقافية الشاعر سامي مهدي وجريدة “المنار” ويشرف علي صفحاتها الشاعر خالد الحلي المهاجر حاليا في أستراليا وجريدة ” البلد ” ويشرف علي صفحاتها الأدبية الشاعر الذواق زهير أحمد القيسي و جريدة “العرب” التي يشرف علي صفحاتها الثقافية الشاعر إبراهيم الزبيدي ثمّ جريدة “الفجر الجديد” التي تحوّلت للإشراف علي صفحاتها الثقافية بعد توقف جريدة “الأنباء الجديدة” عن الصدور.
ثمّ لاننسي في خضم لجّة الصحف هذه تلك المجلة الجميلة الرائعة التي صدرت من النجف الأشرف ومؤسسها الباحث حميد المطبعي ورئيس تحريرها القاص موسي كريدي ومعهما الشاعر عبد الأمير معلّة وعنوانها “الكلمة” التي كانت تقتدي بتجربة مجلة “غاليري68” المصرية صوت جيل الستينات في مصر.
لكن كلاّ من “الكلمة”وسابقتها “غاليري68” لم تكونا مجلتين بل كانتا كتابين دوريين بإلتفاف ذكي علي قانون المطبوعات الذي لا يمنح إمتيازات الصحف والمجلات بسهولة.
-2-
لا يمكنني الحديث عن تجربتي بمعزل عن تجربة جيلي الذي كثرت فيه الأسماء لكن من بقي منها وترسخّ قليل تناهبهم الموت أو الإغتراب أو الصمت والإنسحاب من الكتابة.
فمات سركون بولص ويوسف الحيدري وموسي كريدي وعبد الأمير معلّة وخالد حبيب الراوي وأحمد فياض المفرجي وغازي العبادي وعزيز السيد جاسم وعبد الأمير الحصيري وهاجر فاضل العزاوي ومؤيد الراوي وجمعة اللامي وخالد الحلي وقاسم حول وعبد القادر الجنابي وعمران القسيمي وغيرهم.
ولم يبق من أبناء ذلك الجيل في بغداد إلا سامي مهدي وأحمد خلف وعبد الخالـــق الركابــــي وحسب الله يحي وعبد الرزاق المطلبي ومحمد خضير في البصرة وأسماء أخري تعاطت النقد وتابعت تجربة جيلنا غادر بعضهم العراق ثم عاد إليه نذكر هنا فاضل ثامر رئيس إتحاد الأدباء الحالي وياسين النصير ود. نجم عبد الله كاظم وسليمان البكري ود. محمـــد صابــر عبيــــد ود. عبد الله إبراهيم المقيم للعمل في قطر.
مساحة مراجعة
وأتوّقف هنا قليلا عند مرحلة حكم العارفين بين عامي 1964 و1968 وهي مرحلة لا تتعدّي السنوات الأربع من عمر الزمن لكن الكثير من الأدباء والنقاد يعتبرونها محطة مهمة في مسار الأدب العراقي الجديد أو أن نظام العارفين كان إهتمامه الأوّل منصبا علي الشــــأن السياســـــي والصراع ما بين المدنيين والعسكر وما بين العسكر أنفسهم ولم يأبهوا بما يكتبـــــه الأدبــــاء أو ينشرونه فظهر أهم ملحق أدبي في تاريخ الصحافة العراقية بجريدة ” الجمهورية ” الرسميــة وكان يصممه الفنان والأديب إبراهيم زاير ويشرف علي تحريره أسماء كثيرة منها أنور الغساني الذي دارت به الهجرة من ألمانيا إلي كوستاريكا حيث توفيّ هناك وكان محدثكم أحد كتّاب هذا الملحق وسأكون المشرف علي الصفحات الأدبية لهذه الجريدة بعد الإطاحة بحكم عبد الرحمن عارف في 17 تموز 1968 وبقينا نتبادل الأشراف علي هذه الصفحات أنا ومحمد كامل عارف الذي سماها ” آفاق ” وصارت صفحة يومية ثم ماجد صالح السامرائي و إكتفيت بكتابة عمود في هذه الجريدة حتي مغادرتي العراق عام 1979 للإلتحاق بعملي في المركز الثقافي العراقي ببيروت.
رغم أنني وفي هذه الفترة قد تجوّلت بين مجلتي ” المثقف العربي ” ثمّ الأقلام ” اللتين تصدرهما وزارة الثقافة.
إن أهمّ الأعمال التي تحمل تواقيع جيل الستينات ظهرت في هذه الفترة، وأذكر هنا أن ملحق جريدة الجمهورية قد أعلن عن مسابقة للقصة القصيرة فكانت من نصيب القاص محمد خضير الذي لفت الإنتباه النقدي بقوّة إلي قصته الفائزة وإلي ما سيكتبه لاحقا.
و في هذه الفترة ظهرت الصفحات الثقافية التي ذكرتها وأضيف لها الصفحات الثقافية لجريدة ” النصر ” الأسبوعية التي أشرف عليها مؤيد الراوي وكتب فيها عدد من الأدباء ومنهم شريف الربيعي وسركون بولص وغيرهما.
-3-
لا يمكن لأي شهادة نقدمها عن سنوات الحلم والولادة تلك إذا لم نقرن ما هو إبداعي بما هو سياسي، إذ أن السياسي كان ينشد الأدب الذي يسوّق له حزبا وأفكارا، والأدباء الصادقون الأصلاء عصيّون علي الإحتواء فهم دائما يغردون خارج السرب ونصوصهم فيها النبض المعارض فإن تواءم الأدباء مع ما يفرض عليهم ويمتثلون له فلن ينجبوا إلاّ النصوص الباهتة الهجينة.
وكانت كلّ التجارب العراقية في جرّ الأدباء إلي التنظيمات الحزبية المعروفة شبه فاشلة إذا لم أقل فاشلة فعلا هذا عدا بعض الأسماء التي إكتسبت قيمة إعتبارية في بعض الأحزاب ونظرا لهذا فأن أصحابها يتمتعون بمساحة من حرية الكتابة لا يمكن أن تتاح لغيرهم.
أعود من جديد للكتابة نفسها بعد أن تمددت علي مساحة مراجعة المرحلة التي ولدنا فيها أدبيـــــا وكتبنا فيها وعنها وأقول أن نشدان الإختلاف وإنجاز نصوص ذات مذاق جديد ليس أمرا هيّنا بل يراه البعض قريبا من الأدعاء خاصة وأن النماذج التطبيقية لدعواتنا كانت صادمة، وأذكر أنني كتبت قصة بعنوان ” البرتقالة ” نشرتها في مجموعتي ” السومري ” الصادرة طبعتها الأولي عام 1993، وهذه القصة مستوحاة من تعامل رئيس تحرير جريدة ” الفجر الجديد ” اليومية التي إلتحقت بها محررا ثقافيا بعد مغادرتي بجريدة ” الأنباء الجديدة ” إذ أنني قدمت له ذات يوم قصيدة ضمن مواد الصفحة وكانت تصدر أسبوعيا، وتوقف عند هذه القصيدة التجريبية لشاعر شاب مليئة بالمفردات العجيبة التي لم يعتدها رئيس التحرير الذي تربي علي قصائد الشعراء الكلاسيكيين من الزهاوي والجواهري والرصافي وعلي سماع عدد من الشعراء التقليديين الذين كان يلذ له الجلوس بينهم في مقهي الزهاوي بشارع الرشيد.
هذه القصيدة سيظل يستخرجها كلما زاره في مكتبه صديق له علاقة بالشعر فيقرؤها لها لتكون مثار تندرهمــا وعبثا حاولت أن إسترجعها منه لأعيدها لصاحبها.
كنّا ننشد كتابة نصوص جديدة ولكن كانت تواجهنا ذائقة تقليدية تنغصّ علي تجاربنا فتغلق أمامها الأبواب ما دام الذين يتصدون لهذه التجارب هم أصحاب الصحف التي لا فضاء لنا عداها.
كنّا نبحث عن أي منفذ لنثبت بأننا الآتون وأن خصومنا المنسحبون، ذات يوم كتبت بجريدة ” الأنباء الجديدة ” إفتتاحية للصفحة الأدبية وكانت بعنوان مندد »يا خصومنا «.
كانت حربا شعواء نخوضها لأن سنوات الستينات كانت مرحلة فاصلة بين جيليــن وذائقتيــــن، وكانت في العراق أكثر حدّة إذ من النادر أن يفلت عمل من العيون التي تنشد قراءة ما وراء السطور والمضيّ بعيدا في تفسير النصوص لإستخراج ما ليس فيها.
ومن المؤكد أن هناك أدباء متفتحين يدركون ما نصبو إليه، وما نوّد تحقيقه، وأن لكلّ جيل منطلقـاتــــــه وشواغله، بدليل أن حركة الشعر الحرّ في العراق التي فرشت جناحيها علي الشعر العربي كلّه وقد قادها الشعراء الرواد أمثال بدر شاكر السياب وعبـــــد الوهــاب البياتي ونازل الملائكة وبلند الحيدري، هذه الحركة وجدت معارضة كبيرة ومازلنا نتذكر ما يتندرّ به بعض الشعراء في مصر عن العقاد عندما كان مقررا للجنة الشعر في المجلس الأعلي للثقافة حيث أحال ديوانا للشاعر صلاح عبد الصبور وهو من الشعر الحرّ إلي لجنة النثر في المجلس الأعلي لأنه لم يعترف بشعر الديوان الحرّ .
هنا تحضرني ردود أفعالنا أمام هذا الهجوم المبيت مما إتفقنا عليه في حواراتنا الصاخبة بأن نهاجر بنصوصنا إلي المجلات العربية، وكانت هناك مجلتان لبنانيتان الأولي ” الأديب ” لصاحبها ألبير أديب والثانية ” الآداب ” لصاحبها د. سهيل إدريس، وكانت الأولي تستهوي الأدباء التقليديين فينشرون فيها أخوانياتهم و علي فكرة أن الأخوانيات كانت من أطرف الجوانب في الأدب العربي وقد إحتفت بها مجلات عربية مثــــل ” الورود ” وهي لبنانية أيضا وكانت مجلة ” الأديب ” تنشر قصائد النثر إذ أن صاحبها كان يتعاطي كتابة هذا الشعر.
وقد بعثت بأوّل قصة لي لمجلة ” الآداب ” تنشر خارج العراق وذلك عام 1962 وكانت بعنوان ” الخدر اللذيذ ” وقد نشرت في وقتها.
معادلة الإبداع
وأود هنا أن أتطرق إلي جانب آخر من هذه المعاناة هو أن من يرسل نصا ” لمجلة عربية لا يضمن بأنّ رقابة البريد ستسمح به إذ كان الوارد والصادر يخضع للرقابة، ولكن من حسن الحظ أن رقيب المطبوعات في سنوات العارفين كانت له إهتمامات أدبية وهو تونسي وكنّا نحمل الرسائل إلي مكتبه في إدارة البريد فما أن يري أحدنا حتي ويخرج الختــــم بالسمـــــاح وليختم به الرسالة حتي قبل أن يطلع علي ما تحتويه.
-4-
قلت أن كتابة نصوص جديدة لا تكون بالنوايا، فهناك سؤال هو : كيف بحكم علي نص بأنه جديد لا يجترّ ولا يكرر بل يحمل ملامحه أو فلنقل بذور ملامحه؟
هذا تساؤل مشروع خاصة وأن كل جيل يعمل علي مقاومة الجيل الآتي بعده ظنّا منه أنه سيأخذ مكانته ودوره وهذا أمر غير صحيح لأن الأبناء دائما يحملون ملامح الآباء وأن ” قتل الأب ” لا يصح في معادلة الإبداع، هذا شعورنا اليوم وقد جاءت العقود التي تلت الستينات بأسماء كثيرة وتجارب لا تحصي وأحدث التحوّل الرقمي ما أحدثه في الكتابة.
كما أن منطلقات جيل الستينات وإن خضعت لسؤال الإضافة والتجاوز فإن كلّ كاتب جاء من منحدر فنّـــــي وأدبي غير الذي جاء به الآخر حتي بالنسبة لأدباء البلد الواحد.
فهناك من جاء من الفنون التشكيلية وهناك من جاء من الفنون التطبيقية أو من المسرح أو من العلم كالطّــــب والهندسة أو من الحقوق…إلخ.
ولكن من المؤكد أن ” التجريب ” كان شاغلا إذ به وبواسطته نستطيع إنجاز النصوص ومن رحمه تولد القصص والقصائد والروايات.
لابّد لأي نصّ أن يخضع لأسئلة الكاتب التي يرددها مع نفسه عن المراد والطريق والمنجز.
كم كتبنا وإختلفنا عن الحوار القصصي والروائي بين الدارجة والفصحي، وكم تحاورنا حول الواقعية بكلّ إشتقاقاتها النقدية والجديدة والإشتراكية أو الفوتوغرافية.
وكم كتبنا وتحاورنا حول اللغة الجديدة للقصة و حول الإفادة من الفنون الأخري، وبما أن منحدري الشخصي من الفنون التشكيلية فإن مجموعتي البكر ” السيف والسفينة ” الصادرة في مرحلة حكم العارفين فإنّني مثلتها بالحقل الذي نثرت فيه مجموعة من البذور لأري أيها أصلح للنمو والإستغلال جاء هذا في شهادة لي عن هذه المجموعة ضمها كتابي ” الخروج من بيت الطاعة “.
تحدث بعضنا عن تأثير التراث في كتابة الرواية والقصة، وأعيد الحديث عن ” ألف ليلة وليلة ” مثلا بإعتبارها منجما ” سرديا ” لم يفد منه الكاتب العربي بقدر ما أفاد الكاتب الأوروبي الذي إستغلها خير إستغلال حتي بروست وبحثه عن زمنه الضائع لم يفته هذا الأثر.
الفترة الملكية
وحدنا لم نفد منه، بل أن لم أقل ولم ننتبه له، أو لم نعره إهتماما والسبب لغته البسيطة شبه العامية والأشعار العادية التي ضمها والعربي ميال إلي قراءة النصوص المتينة المكتوبة ببلاغة راسخة ثمّ أن الكتاب مطبوع غالبا بطبعات شعبية كاملا أو بمجتزءات وكان من أكثر الكتب رواجا لدي الجنود وأشباه المتعلمين.
وقد قرأت أخيرا حوارا نشرته مجلة نزوي العمانية »عدد يناير 2012 « مع الكاتب والمفكر المغربي عبد الفتاح كليطو وقد قال بشأن ” ألف ليلة وليلة ” أنها عندما ترجمت في القرن الثامن عشر أحدثت دويا في أوروبا ويصفها بأنها »ستظلّ الكتاب العربي الأكثر شهرة « رغم أنها ليست كذلك في الأدب العربي ويرجع كليطو هذا إلي أن العرب في السابق »ازدروا ألف ليلــة وليلة « ولكنهم – والقول ما زال لكليطو »إنتهي بهم الأمر بمباركة الأوروبيين إلي تبني كتابهم الخاص بهم «.
-5-
إنتبهت وأنا أسترجع ما كتبته روائيا والذي يضمّ تسع روايات عدا كتابين في السيرة أحدهما منشور »أية حياة هي؟« والثاني منجز ومعدّ للنشر وعنوانه ” زمان الوصل في بغداد ” أقول انتبهت إلي أن رواياتي تشكل قراءة للعراق منذ أواخر الفترة الملكية إلي ما قبل الإحتلال الأمريكي للعراق عام 2003.
كانت ” القمر والأسوار ” عن المرحلة الملكية والأحزاب التي كانت تمتلك النفوذ فــي البلـــــد وخاصة المعارضة منها وهي أحزاب ليبرالية غالبا لم تعد قائمة اليوم مثل الحزب الوطني الديمقراطي ” و” حزب الإستقلال ” وحده الحزب الشيوعي بقي ولكنه لا يمتلك وهجه الأول حيث كان يتحكم في الأحداث الكبري في البلد وله يده فيها.
كما أن روايتي القصيرة “عيون في الحلم” وهي عن الفترة الملكية كذلك وقد قدمت فيها ما كانت تفعله الحكومة بمعارضيها إذ تبعدهم من مدتهم إلي مدن أخري بعيدة داخل العراق فإبن الشمال يبعد للجنـــــــــــوب وبالعكس، وكان هؤلاء المبعدون يقيمون بيننا، وكانت مدينة بدرة التابعة لمحافظة داسط إحدي مدن الأبعاد وكتب عنها الروائي العراقي هشام توفيق الركاني رواية بالعنوان نفسه ” المبعدون ” كما كان قانون إسقاط الجنسية عن المعارضين العراقيين معمولا به وقتذاك.
ثمّ تحدثت في روايتي ” الوشم ” عن تجربة السجن السياسي وهي من بواكير الرواية العربية في هذا المجـــال وقد صدرت عن دار العودة ببيروت سنة 1972 لتتتابع طبعاتها وآخرها في المغرب.
وكانت إختلاطات الوضع السياسي العراقي في الستينات والسبعينيــــات موضــــوع روايتـيّ ” الأنهـــــار ” و” الوكر” وصولا لي روايتي الكبيرة ” نحيب الرافدين ” عن إنعكاس الحرب العراقية الإيرانية علي حياة النّاس اليومية وقد وصفتها بالكبيرة لأنها تقع في قرابة السبعمائة صفحة من القطع الكبير ثمّ روايتي الأخيرة ” هناك في ” فج الريح ” التي تدور حول حياة رسام عراقي يعمل مع منظمة التحرير الفلسطينية عندما تحوّلت إلي تونس وهذا الرسام جاء شبه هارب من وطنه بعد سنوات الحصار ثمّ أقدم في الرواية عالم الفلسطينيين في تونس قبيل إتفاق أوسلو ثم تنتهي بمغادرة من غادروا إلي هناك حيث مشروع وطن أو حلما بوطن.
هي رحلة سردية، لها ما لها وعليها ما عليها ولكنني كنت مخلصا للكتابة، جاعلا من الصدق منهجا ومن الإضافة إيقاعا لم يغادر هذه المسيرة منذ بداياتها حتي يوم الله هذا.
قرابة الخمسين عاما في الكتابة، ومازال الحلم هو الحلم لا يأبه بهذا البياض الذي كان حلمي أن يقتحم فوديّ فقط فإذا به يكتسح كلّ شعر رأسي ويحيله إلي غابة ثلج.

/4/2012 Issue 4164 – Date 3- Azzaman International Newspape
جريدة »الزمان« الدولية – العدد 4164 – التاريخ 3/4/2012
AZP09