شهادة العصر على رحيل الملكية الهاشمية – طارق النجار

صفحة الأمير عبد الاله ما زالت متشحة بالسواد

شهادة العصر على رحيل الملكية الهاشمية – طارق النجار

كان شاهداً حيا ً على الاطاحة بالنظام الملكي في العراق ، وعلى القبور الدوارس للاسرة الهاشمية وبانت معالمها في اعقاب الانقلاب العسكري الدامي في فجر يوم 14  تموز عام 1958

فشاهد العصر – شاخص للعيان على الاغتيال الانساني في حقبة تاريخية حقبة استمرأت شخوص اختفت ولم يبق لها اثر بعد عين

في تلك الصبيحة المضيية بالماسي والقتل من يوم تموزي  قائظ قصف الانقلابيين القصر بمدافعهم وانطلقت طلقات طائشة نحو الرحاب وشبت النار فيه فخرجت العائلة المالكة واثناء سيرها في حديقة القصر دخل مأفون القتل النقيب عبدالستار سبع العبوسي من الباب الرئيسي حاملاً غدارته التي كان يتأبطها فأطلق النار علىها فسقط الملك فيصل الثاني وخاله عبدالاله والملكة نفيسة ام عبدالاله وابنتها الاميره عابدية والعديد من الخدم وطباخ القصر . فسقطوا ارضاً مخضبين بدمائهم اما الاميرة هيام – زوجة الامير عبدالاله فقد جرحت مع خادمتها رازقية بعد ان اصيبت بطلق ناري طائش دونما ان يصيبهما بمقتل ونجوا باعجوبة من موت محقق حين انهمر الرصاص عليهن ونقلت على اثرها مع بقية الجثث الى مستشفى الرشيد العسكري للتاكد من موتهما بأستثناء جثة عبدالاله التي سحبت من قبل الغوغاء والرعاع . وعلقت عارية على احد الفنادق في الشارع المؤدي الى جسر الشهداء

ويقول الدكتور سيار الجميل في مقال له نشر في صحيفة الزمان اللندنية في 8 نيسان عام 2002

((ان الصفحة التاريخية للامير عبدالاله لا تزال متشحة بالسواد والكراهية عند الغالبية العظمى من الناس وبقيت صورته في المخيله العراقية والعربية صورة غاية في البشاعة ولاتفترق في حياتها عن مماتها))

وكانت النهاية التي انتظرته في شوارع بغداد مأساوية وتراجيدية ومؤلمة .. كان يمتلك حدساً واضحاً في قراءة نهايته البشعة حين يقول : نحن نقتل .. لا اريد ذرية .. نحن نقتل .. ولكن الهاشميون سيبقون

فأصابنا الخرس تجاه محنه قاسية ومؤلمة وحزينة تعلقت في اذهاننا زمناً طويلا لايمكن ان تمحى اثاراها مع توالي الايام والسنين لم تكن غريبة عن مجتمعنا الذي اعتاد على هذا فهي حبلى بالموبقات المشوبة بالدنس والعار والمتأصلة في الاعماق وتعلقت بنا منذ زمن بعيد بعد ولادات عسيره انجبت من رحمها احداث مماثلة من الصراعات الدامية التي ابتلى بها هذه المجتمع وتربى عليها واحتسى حليبها من اثداء مترعة بالمأسي والفواجع والملمات الصعاب .

هذا هو العراق الذي ترعرع على الالام المبرحة عبر ازمنته السحيقة وعصورة الغابرات وسنواته الضالة بالاحتراب والصراع والموات والفاجعات من الزمن الصعب.

فالشاهد المضطلع بالتاريخ السياسي والدبلوماسي سفير امريكا في بغداد غالمان –  شاهد حي على ماجرى في الفجر الدامي من يوم14 تموز 1958 لاندري مدى علمه بما جرى في ذلك اليوم العصيب على النظام الملكي وعلى اسرته الهاشمية الملكية .. هل كان لديه علم بماحدث في بغداد في تلك اللحظة التاريخية المأسورة بحركة الضباط الاحرار ؟ .. هل كان يغط في سبات عميق وهو المراقب لتلك اللحظات الخطيرة قبل وقوعها ؟

كان دوماً ينتقد العهد الملكي بأستمرار لما اقترفه رجالاته ورموزه وشخوصه من اعمال شائنه فضلا عن اتهامهم بالقسوة والتنكيل بمنائهم.

ان الدوائر المخابراتية في واشنطن المطلعة على احوال العراق وبما تمتلكة من دراية ومعرفة حول مايجري في الكواليس السياسية والدهاليز المظلمة لم تخبره بها ..؟

وهو يعيش في قلب بغداد وماتكابده من ايام ثقيلة الوطاة

فشاهد العصر يصف الاحداث بقسوة بالغة وبحقائق مرة امر واقسى من ان توصف ويبدو انه لم يتوقع ابداً حدوث تلك الهزة التاريخية التي قوضت اركان النظام الملكي ولم يقدر ابعادها

فيشير الدكتور سيار الجميل في تحقيقاته لكتاب فالمان :

متسائلاً : هل يعتقد المحللون السياسيون والمضطلعون في الشان العراقي بأن هذا الشاهد المطلع على الوضع العام للعراق و الذي توفي عام 1980- في واشنطن .. لاعلم له بالحركة الانقلابية التي شرعنها الضباط الاحرار في فجر 14 تموز عام1958   الا يعقل بأن السفير البريطاني في العراق هو الاخر لا اعلم له بتفاصيل ماجرى في ذلك اليوم ؟ فالقلب قد اثقلته الهموم والولادات العسيرة المخاض والاحزان التي رانت بدموعها وهو طفل في العاشرة من عمره شاهد بأم عينيه ماحدث وكيف صلب عبد الاله و علق بالحبال ثم سحل .. في حدث شنيع مؤسف ضببتهُ غيوم المشاهدة المأساوية الموجعة بضمير انساني تائه في بغداد التي اجتاحتها النفوس الضالة من عبدة الامية الضاربة بالاطناب وبالافعال الشانعة يندى لها جبين الانسانية المعفرة بالرحمة والعطف وقد جرت ببشاعة ستقف الاجيال القادمة امام عملية السحل والقتل الهجمي وامام هذا الحدث التراجيدي وقفه طويلة يستبنط منها الكثير من الدروس التاريخية المريرة

اول سجل

فكان السفير فالديمارغالمان .. اول من سجل تلك المأسي والالام المحزنه معاً في كتابه الموسوم عراق نوري السعيد – دراسة وتحقيق د. سيار الجميل

((بأنت في اجواء مستوحشة وهي تودع رحيل الباشا سعيد .. الذي ذهب ضحيه هوس ايديولوجي وتأمري الى مثواه الاخير فكتب عنه الكثير من خصوصياته واسلوب حياته الممزوجة بالجد والفرح وحتى ولعة بالحياة الشعبية العراقية ويشيد بلباقته وروعة مزاجة الذي يتقبل الامور على عواهنها مازجاً اياها بالسياسة بذهنية متوقدة وبذاكرة حادة يمتلك شخصية قوية بواقعية سياسية وبذكاء مفرط في ارسال رسائلة الشفوية لما يريد ان يقوله للاخرين .. كرس طيله حياته لصيانه مصالح الحيوية للامة العربية وشغفه المطلق بالقومية العربية وكان قومياً عربياًنذر نفسه لها ومن ابرز دعاتها .

فغالمان تربطه صداقه حميمة ومن النوع الخاص بالزعيم عبدالكريم قاسم وكثيراً ما كان يتردد عليه في السفارة ويحضر حفلاتها قبل الاحداث التي ولت واخذت معها الكثير من الشخصيات المهمة المفتونه بالسياسة وبأحوال البلد الذي عصفت به العواصف والرياح الهوجاء في تغيير سياسي كما بقيت علاقة السفير البريطاني – السير مايكل رايت قوية بالزعيم خالد الذكر .. الذي انقلب على سيده الذي له الشرف العمل في معية البباشا – وكذلك حارسه الشخصي المقدم وصفي طاهر الذي يتودد اليه كثيراً في تزلف ونزق وفضول في ارتزاق محبته وانضم الى الجوقة الانقلابية رغم حبهما الشديد لسيدهما نوري باشا السعيد الذي ذهب ضحية مؤامرة دنيئة انكلو امريكي في اجنده دولية .. لتغير الوجود الكالحة واستبدالها بنظام عسكرة الدولة لعدم فهمية ضباطة في السياسة الداخلية والدولية كون النظام لم يعد يقوى على الحياة وافتراق المصالح معه وشيخوخة السعيد في ادارة البلد الذي فقد الكثير من رصيدة السياسي وقد انتهي النظام دون رجعة تماما. ويقول فالديمار غالمان .. ان البعض من عاصرهم يقولون في الباشا كاحد اعظم الرجال في عصر يفتقد فيه الرجولة والشهامة والعزه بالنفس والجيرة والصحوبية والانسانية كشخصية عالمية تحمل تلك الصورة  التي رسمت ملامح الرجل واضحة المعالم كرجل دولة وعقيدة يقظاً مع صلابة في معتقداته وفي مواقفه واراءه ..

كان رجلاً فهيماً وهي ليست صورة قديس ولاصورة ذئب ولكنهما مزيج من الصورتين التي تعكس المحيط الذي عاش فيهما ولم يحمل احقاداً ولاتوجد فيه اثار من الضعه او التزلف تسؤة شخصيته الناضجة فخسارة العراق برحيله بعد ان ترك بصماته في اديم السنوات المخضبة بالدماء والقتل وتعذيب النفوس التائه في الوجدان الانساني والادمي وجاءت من بعده سحب داكنه مكفهره بزمر مجللة بما يسئ الى الانسانية مرتديه لباس الفقير والجوع والبؤس والضغينه والحقد والحرمان ومن شظف العيش التي ابتليت به العائلة العراقية في تلك الاعوام العجاف فخسرت البلاد به اقوى حصن التاريخ السياسي العراقي وهو داهية ميدانه الذي غادره برحابة صدر وقناعة  والامتثال بما يحيط به من موت محقق بعد ان اطلق رصاصة الرحمة على راسه قبل القبض عليه والذي سيتم حتماً وهو في حالة من اليأس ومات منتحراً وهرباً من عذابات المارقين من جياع الفوضى المستعرة في نفوسهم السادية والمستوحشة لبعض القوى السياسية التي اطلقت العنان لذائابها المفترسة ورعاعها في الانطلاق نحو الهمجية والغوغائية .. وامر عبدالكريم قاسم بعد ان انتحر الباشا وتأكد من موته بدفن جثته في مقبرة باب المعظم ولكن الغوغاء ذهبوا الى المقبرة في اليوم التالي واخرجوها واخذوا يسحلونها بعد ان استولوا على جثته في شوارع بغداد ويرغمون اصحاب السيارات ان يمروا فوقها بسيارتهم فأية شريعه سماوية ترضى بمثل هذا العمل المخالف للكرامة الانسانية واي عرف انساني اومبدأ اخلاقي يقر بهذا الاعمال البريرية التي لايستسغها انسان يهاب ضميره ويخاف ربه الا الهوج من انصار الشيوعية العراقية  فبغداد لا تزال تئن من وجع السنين التي تركت جراحتها نازفه لا تندمل وقلوب تخفق حنيناً لتلك القبور الدارسات في مقابر العراق فأنها اماكن عزيزة المنال غادرت ارواح الساكنين فيها في زمن فائت ولي وترك ندبات في وجدان العائلة العراقية لاتنفك تحن على امواتها  الراحلة واي حديث اقرب من هذه الديار الى قلوبنا المتعبة بوجع الزمان ان تلين وترق يعاود الحنين والظهور في جنباتنا من حين الى اخر

فالرجل لايستحق كل مافعله به الاوباش والفوضويين في سيناريو بشع مثير للقرف  وكانت نهايته حزينه لا تليق به ابداً ولا بتاريخة مهما كانت سيئاته لقد دفع الثمن باهضاً اذ سحل جسده العاري في شوارع بغداد الملتهبة بالحرارة وقطعت اوصاله وسحقت عظامه وحرقت اشلائه.

سيناريو مثير

بعد خمس سنوات ونيف من الهوس الاممي والصراخ الفوضوي سقطت دوله قاسم ومنيت شر هزيمة كما سقط الغوغاء والرعاع وماتعرضو له بعد عناء اشد فتكاً مماسبق فالجروح قصاص فذاقوا العذاب والموت والقتل والانتقام نفسه  وذهبوا الى مثواهم جميعاً بعد ان ذاقوا المر الهوان وهنا نتساءل لاندري متى تنجلي الغمة عن هذه الامة التي فقدت يقينها  بالواحد الاحد الذي يبصر ويرى ماذا فعلت وتفعل النفوس الضائعة في دنيا المحارم والتبعية والخذلان

ففي غفوة تاريخية لم يشعر العوام بحدس عبد الاله الذي استشعره منذ زمن بأن الرحيل ات اطلقه على عواهنه قبل قتله بسنوات…

مشاركة