شهادات من دمشق.. رمضان 2012
الأحياء تعاني الدمار والقتال يجبر العراقيين واللبنانيين والإيرانيين على مغادرة دمشق
دمشق ــ الزمان
يتجمع شباب صغار حول حاجز للجيش السوري يفصل بين نهاية شارع اليرموك، مخيم اليرموك، وامتداده المؤدي إلى شارع العروبة الشارع الرئيسي في حي التقدم، وإلى أحياء منطقة الحجر الأسود ، التي تعد في التصنيفات الإدارية السورية مدينة ، لكن الناس لم يتعودوا على ذلك، وظلوا يعاملونها كمنطقة. يتبادل الشباب الأحاديث القصيرة مع جنود الحاجز، ويلتقطون الصور أمام دبابة روسية من طراز ت 72 ، إذ لا يبدي الجنود، وكلهم من المجندين صغار السن، علامات استياء أو تذمر من حشرية المتجمهرين حولهم، لكن ضابط صف مجند يناشد الحشد أن يتفرق، مؤكداً أن المنطقة غير آمنة بعد لأن الجيش لم يستكمل عمليات التمشيط ضد مجموعات الجيش الحر التي انسحبت من أحياء الحجر الأسود إلى الأحياء المجاورة.. وأمام إصرار عدد من الحشد على عدم المغادرة ووصول عدد جديد من الشباب بدافع الفضول، ومع اقتراب آذان المغرب معلناً نهاية يوم من أيام رمضان، يطلق مجند عدة طلاق في الهواء، ليتفرق الشباب وهم يضحكون.. ضرب مدفع رمضان بصلية كلاشنكوف.. .
يتكرر المشهد في اليوم التالي، حيث يريد عدد كبير من الشباب التقاط صورة أمام الدبابة، ولا يخلو الأمر من وجود نساء حشريات أيضاً، يتفحصن الدبابة وكأنها كائن فضائي نزل من السماء.. تنظر إحداهن إلى جنود الحاجز وتقول ياحرام بعدهم شباب صغار.. . وقبيل الإفطار بقليل تسمع صلية طلقات دوشكا في الهواء، ينظر المارة في الشارع إلى الحاجز والحشود التي تفرقت من حوله ببطء، دون إظهار ردود فعل عصبية، فهم يبدون اهتماماً أكبر بأصوات الانفجارات التي يخمن بعضهم أنها في حي التضامن الذي يفصله عن مخيم اليرموك شارع فلسطين الضيق.
في اليوم الثالث سحب الجيش الدبابة عن الحاجز، غير أن الشباب وجدوا ضالتهم هذه المرة بالتقاط صور تذكارية إلى جانب سيارة نصف شحن عسكرية تحمل دوشكا، وإلى جانب الجنود الذين يتبرعون عن طيب خاطر بتقديم خوذاتهم العسكرية كإسسورات تجعل الصور مشوقة.. وليس بعيداً عن الحاجز تغص واجهة الفرن بعشرات النعوات لشباب سقطوا في المواجهات أو على حوافها.
تداخل اللهجات في شوارع مخيم اليرموك يدل على تحوله إلى أكبر تجمع للنازحين من أحياء دمشق الأخرى ومن المدن والبلدات السورية في محافظات الشمال والوسط، تتجاور اللهجة الفلسطينية مع اللهجات الشامية المتنوعة، واللهجات الحمصية والإدلبية والحموية والحلبية.. الخ، لكن الصورة بدأت تختلف بعد دخول الجيش إلى أطراف المخيم، الكثير من العائلات النازحة من محافظات أخرى بدأت بالعودة إلى ديارها بحثاً عن ملاذ أكثر أمناً، وهو ما يعطي الفرصة لعائلات من أحياء الحجر الأسود والسيدة زينب والذيابية والتضامن لإيجاد مكان مؤقت للسكن في مخيم اليرموك، حيث تتكفل جمعيات أهلية بتقديم كل ما يلزم للنازحين من مأوى ومأكل ومشرب.. تتغير اللهجات ولا تقل أعداد النازحين. لأول مرة منذ انفجار الأحداث في سورية لا يستطيع أبناء مخيم اليرموك والأحياء المجاورة الخروج إلى مركز المدينة. حي الميدان المجاور للمخيم شهد معركة قاسية بين الجيش النظامي و الجيش الحر ، وبعد انتهاء المعركة بدأ الكثيرون من أبناء الأحياء القريبة بتفقد الخسائر التي حلت بحي الميدان، ورشات العمل الحكومية تعمل على إصلاح شبكة الكهرباء والهاتف والأرصفة وإزالة السيارات المحترقة، ورغم هذا فإن آثار الدمار في البيوت والمحلات التجارية تحتاج إلى وقت وجهد حتى تُزال. ويقول أحد أبناء حي الميدان كورنيش إن المنطقة لن تستعيد حيويتها كما في السابق إلا عندما يحل الهدوء في الأحياء المجاورة القاعة والزاهرة ونهر عيشة والقدم ، للتداخل الجغرافي بين حي الميدان وهذه الأحياء. علاقة المارة في حي الميدان مع حواجز الجيش متحفظة نوعاً ما، على عكس ما رأيناه على مداخل حي التقدم المحاذي لليرموك، ولعل مرد ذلك إلى الطبيعة المحافظة لأبناء حي الميدان، بيد أنه لا توجد علامات توتر قد ينذر باحتكاكات، والواضح أن الجنود تلقوا أوامر صارمة بعدم استفزاز أي قاطن في الحي. يقول أحد الشبان من ربح المعركة الأسبوع الماضي أو من خسرها، ليس هذا هو المهم، المهم أن يعرف الجميع أن سوريآ قد تغيرت إلى الأبد، ولم تعد هناك إمكانية للاستمرار في الصيغة التي كانت قائمة سابقاً، الحرية والديمقراطية أصبحتا مسألة وقت.. .
في أحياء الحجر الأسود حركة نشطة لإعادة دولاب الحياة إلى الدوران، العائدون إلى بيوتهم تفاجئوا بحجم الخراب، يعلق طالب جامعي على ما حل بشارع الناحية، الذي كان أكثر الشوارع تضرراً لأن المعارك الرئيسية وقعت فيه، عسكرة الحراك الشعبي خطأ قاتل في ظل عدم وجود توازن قوى بين الجيش النظامي والجيش الحر، وكلنا يعرف أن الجيش الحر ليس بإمكانه أن يحتفظ بسيطرته على أحياء سكنية لفترة طويلة.. تسليحه بسيط.. لذلك كان يجب أن يبقى طابع الحراك سلمياً.. . كلام الشاب الجامعي لا يعجب زميلاً له، فيعلق الزميل بالقول يا أخي رح أسايرك وأقول عسكرة الحراك جريمة.. لكن من الذي دفع إليها وتسبب فيها أليس من كان يطلق النار على المظاهرات السلمية.. ، يرد عليه الشاب الأول أنا لا أبرئ السلطة من مسؤوليتها، إلا أن الخسائر التي كنا ندفعها بالحراك السلمي كان أقل.. .
حي الحجارية في مدينة دوما أكثر أحيائها فقراً، ويضم خليطاً واسعاً من أبناء بلدات وقرى ريف دمشق، وأبناء المحافظات السورية الذين يخدمون في الجيش أو في مؤسسات حكومية في العاصمة السورية أو أعمال حرة، بالإضافة إلى عدد كبير من العائلات الفلسطينية، أهالي الحي نزحوا منذ أكثر من شهر ونصف الشهر، جراء اشتداد المعارك بين الجيش النظامي والجيش الحر، معظمهم لجئوا إلى مخيم الوافدين القريب، والذي يضم نازحين من الجولان السوري المحتل. يقول أحد سكان الحي الأخطر من الدمار الذي أصاب حينا نتيجة المعارك والقصف هو تفكك العلاقات بين سكان الحي مابين مؤيد ومعارض.. .
حالة مشابهة تحدث عنها أحد سكان منطقة القدم الدمشقية العريقة، حول توتر شديد في العلاقات بين أبناء أحياء المنطقة وأبناء حي الجورة، وهو حي صغير تقطنه غالبية من المواطنين السوريين العلويين العاملين في الجيش والدوائر الحكومية المختلفة. ويؤكد سكان منطقة القدم أن العلاقة في السابق كانت ودية رغم عدم وجود علاقات واسعة بين أبناء حي الجورة والأحياء المجاورة.. ماذا عن المستقبل؟ يقول شيخ متقدم في السن الله أعلم شو بيكون بكرة، لكن اليوم الجرة مكسورة بيننا وبينهم.. ، ويستدرك في منهم، بل أكثرهم، ناس أوادم لا ناقة لهم ولا جمل.. لكن شو ممكن نعمل.. الشيء اللي صار وعم يصير حقن النفوس.. .
المشكلة تتخذ طابعاً أكثر تعقيداً في منطقة السيدة زينب، التي شهدت خلال السنوات العشرين الأخيرة تحولها إلى تجمع ديني وسكني وتجاري للمسلمين الشيعة، من إيران والعراق ولبنان وبعض الدول الخليجية، تتركز فيه العديد من المؤسسات الحيوية الإيرانية من حوزات وحسينيات ومدارس وممثليات دينية ومستشفيات، وبني اقتصاد هذا المنطقة والمناطق المجاورة لها على هذا الأساس، غير أنه ومنذ عدة أشهر يكاد الشلل التجاري يخنق المنطقة، ودفع توتر الأوضاع، وامتداد الاشتباكات إلى أحياء المنطقة، غالبية العائلات الإيرانية والعراقية واللبنانية للمغادرة، تاركين وراءهم أحياء وأسواق خاوية، كانت قبل أشهر من أكثر الأحياء حيوية في دمشق.
/8/2012 Issue 4265 – Date 1 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4265 التاريخ 1»8»2012
AZP02