

انقرة – سماره موفق ابراهيم
عندما نتحدث عن القوة الخالية من العقل, وعمن يستطيع ان يحمل أثقالاً تفوق قدرته الجسدية, بل حتى وانه قد اعتبر من الخوارق في ذاك الزمان, ليس لشدة ذكائه او فطنته او اثره الجميل الذي تركه خلفه بل فقط بسبب بطشته القوية الخالية من التعقل, لهذا السبب بالذات اصبح اسمه لامع وذكره خالد حتى هذا الوقت, فمن يكون هذا الرجل وما هي صفاته ؟

شمشون
شمشون بن منوح الدني من الشخصيات التي لاقت اهمية في الموروث القديم , عاش في القرن الحادي عشر قبل الميلاد, وهو احد القضاة و”الحكام الدينيين في المرحلة ما بين وفاة النبي موسى عليه السلام وتتويج الملك طالوت” بقى في منصبه هذا لمدة عشرين سنة , ثم تزوج من امرأة فلسطينية دون موافقة والديه, وهو بهذا الزواج قد خالف الطقوس والقانون السائد في زمانه .
يعتبر شمشون بطلا شعبيا في اسرائيل القديمة, وان مصدر قوته الوحيدة تكمن في شعره الطويل ودونه فهو شخص ساذج لا منطق لديه ولا مقدرة, وقد ورد ذكره في الكتاب المقدس لكن اسم امه مجهول حيث ورد ذكرها بـ “أمراة المنوح” ليس اكثر, وان معنى اسم “شمشون” في العبرية هو “شمس”.
عُرف عن شمشون انه كان جباراً قوياً, يحارب اعداءه ببسالة وقوة, فهو لايعرف ان يخادع ولكنه يعرف ان يقاتل بقوة وقسوة حتى يغلب اشجع الرجال, وان كان لا يمتلك المنطق ولا سرعة البديهة في حل تلك المشاكل .
حياته

لم تكن قصة حياته وحيا من الخيال, بل انها قصة حقيقية وتعد الأكثر غرابة في الكتاب المقدس, وقد عثر علماء التأريخ على اثار وتلميحات تؤكد على وجوده الواقعي, وكما ورد في الكتاب المقدس “فها انك تحبلين وتلدين ابنا, ولا يعل موسى رأسه, لأن الصبي يكون نذيراً لله من البطن, وهو يبدأ يخلص اسرائيل من يد الفلسطينيين” (قض 5:13)
وما ان اصبح شاباً يانعاً قرر ان يترك اسرائيل ويذهب لرؤية بقية المدن الفلسطينية, وفي اثناء رحلته تعرف على امرأة من “تمنة” وهي مدينة فلسطينية, وقد احبها ورغب بالزواج منها, وفي طريقة للذهاب لطلب يدها للزواج هاجمه اسد اسيوي فشقه شمشون وقتله بيده دون اي سلاح, وبعد ذلك عندما عاد في الطريق نفسه حتى يتمم الزواج رأى شمشون النحل وقد عشش في جثة الاسد وصنع عسلاً فغرف منه بيديه واعطى لوالديه منه.
وفي حفل الزواج اجتمع شمشمون مع ثلاثين رجلاً فلسطينياً, واخبرهم احجية ووعدهم اذا ما تمكنوا من حلها فسيعطيهم ثلاثين قميصاً وثلاثين قطعة ثياب, والاحجية كما ذُكرت في الكتاب المقدس “من الآكل خرج أكل , ومن القوي خرجت حلاوة” (قض 5:13)
أعطاهم مهلة سبعة ايام لحل الأحجية, لم يتمكن احد من حل الأحجية لأنها كانت تتمثل بقصته مع الاسد في الطريق, لذلك غضب الفلسطينيون منه وذهبوا الى منزل زوجة شمشون وهددوها بحرقها مع اسرتها ان لم تأتي لهم بالحل, وفعلا ما ان جاء شمشون اليها حتى اخبرته بما حدث فأعطاها الحل ,فذهبت اليهم مسرعة واعطتهم الحل قبل غروب اليوم السابع , فأجتمعوا واخبروه: فقالوا له رجال المدينة في اليوم السابع قبل غروب الشمس : “أي شيء احلى من العسل, وما اجفى من الأسد؟”
فقال لهم:”لو لم تحرثوا على عجلتي, لما وجدتم حل أحجيتي”(قض 5:13)
وبعدها غضب غضباً شديدا وقتل ثلاثين رجلاً فلسطينياً واخذ ملابسهم واعطاها لثلاثين رجلاً قد حضروا الحفل, ومن ثم بعد ان انتهى حفل الزواج قام شمشون بهجر زوجته لأنها خانت سره ورحل من تمنة, وبعد ان مضى وقت طويل عاد الى فلسطين ليصالح زوجته, لكنه فوجئ بأن زوجته قد تزوجت من رجل اخر وحتى ان اهلها قد رفضوا ان يسمحوا له برؤيتها وعرضوا عليه ان يزوجوه اختها لكنه رفض, فأمسك بثلاثة مائة من بنات آوى ووضع مشعلاً بين كل ذنبين, واشعل تلك المشاعل واطلقهم بين مزارع الكروم واحرقها, فما كان من الفلسطينيين الا ان يعاقبوا شمشون , ولكن شمشون لم يسكت عندما رأى فعل الفلسطينيين الشنيع فقام بقتل عدد كبير من الفلسطينين دون رحمة ولا شفقة, وبعدها هرب واختبأ على صخرة عظيمة في ارض يهوذا, وما ان عرف الفلسطينيون مكانه حتى جاءوا للأنتقام منه, فطوقوا كل المدن حوله, فخاف رجال يهوذا وذهبوا الى شمشون, وقد لاموه لانه أثار عليهم الفلسطينيين الا ان شمشون لم يهتم وقد طلب منهم ان يقيدوه بسلاسل وان يسلموه للفلسطينيين مذعناً, وفعلا ربطوا شمشون بسلاسل وسلموه للفلسطينيين الذين فرحوا فرحاً شديداً, واذا به يحل السلاسل من ذراعيه ويمسك بفك حمار ويضرب به الفاً من الفلسطينيين.
شمشون ودليلة

ان لشمشون على مدى التأريخ الكثير من الأعداء وقد كان لأعدائه محاولات حثيثة للتخلص منه لكنهم لم يفلحوا, فقرروا ان يبحثوا عن اشد نقاط ضعفه, وعندما علموا انه يحب دليلة, وهي امرأة فلسطنية الاصل من وادي سورق أسمها “دليلة” كانت امراة ذكية وفطنة داهية, حيث انها دخلت له من اشد مناطق ضعفه, حتى ان شمشون كان يثق بها ثقة عمياء , وانه كان يبيت في بيتها قبل الزواج, تمكنوا اعداء شمشون من اغراء دليلة بالمال مقابل ان تبيع لهم سر قوة شمشون, وعدوها ان يعطيها كل رجل منهم الف ومائة شاقل من الفضة, وبالفعل استعملت الحيلة وتدللت عليه وتملقت له حتى تعرف سره, لكنه حاول مباغتتها ولم يخبرها بسر قوته الحقيقي بل اخبرها ان قوته تضعف عندما يتم شد وثاقه بسبع حبال من الكتان الطري(اي لم تجف بعد), وما ان نام شمشون حتى قامت دليلة بربط شمشون بسبع حبال من الكتان طرية ودخلت غرفتها واخبرت شمشون ان الفلسطينيون قادمون, فقطع الحبال وكأنها خيوط, فغضبت دليلة منه وطلبت منه ان يخبرها سر قوته فقال لها حيلة اخرى .. “يتم ربطي بسبع حبال جديدة” وفعلت ذلك فعلاً وقالت له ان الفلسطينيون قادمون ليقوم يتقطيعها كأنها خيوط من حرير, وعادت لتسأله مرة اخرى وبطريقة اخرى حتى ظنت انه باح لها بسره وان قوته تكمن في خصلات شعره السبع وان هي ضفرتها على وتد فأنه سيصبح ضعيفاً ولا قوة له ففعلت ما اخبرها واخبرته ان الفلسطينيين قادمون فحل شعره دون ادنى جهد, فما كان من دليلة الا ان تغضب وتقول له؛ انه لايثق بها وانه لا يحبها وامام الحاحها الشديد والمستمر قرر ان يخبرها انه “نذير من الرب منذ مولده وان شعره مصدر قوته”, وان حلق شعره فلن يكون قوي بعد ذلك, وما ان عرفت سره حتى اخبرت الفلسطينيين, وقد كان اعداؤه ينتظرون اشارة دليلة وبعد ان اعطتهم الأشارة وانتظرت حتى ينام فقامت بأستدعاء احد الرجال, وقد قام بقص خصلات شعره السبع لأذلاله.. وما ان استيقظ من النوم حتى اخبرته دليلة ان الفلسطينيين قادمون ولكنه كان ضعيفاً لا قوة لديه , فدخل الفلسطينيون عليه وقيدوه واقتلعوا عينه واخذوه الى سجن غزة وهناك اوثقوه بحبال نحاسية وسخروه ليطحن الحبوب في السجن,وفي هذا الوقت بدأ شعره بالنمو مرة اخرى.
علي وعلى اعدائي

في مرة قرر الفلسطينيون ان يقيموا حفلاً يقدموا فيه القرابين لألههم “داجون” وان يجلبوا شمشون لأذلاله والضحك عليه, وبينما كان المعبد مليء بالرجال والنساء اوقفوا شمشون بين اعمدة المعبد وبينما هو واقف هناك دعا الرب ان ينتقم من الفلسطينين بعد ما اذلوه واقتلعوا عينه فضرب بكفيه على العمودين وقال جملته الشهيرة ” علي وعلى اعدائي” لتجتمع قوة الكون بين ذراعيه ويُهدم المعبد وتسقط الأعمدة على ثلاثة الاف فلسطيني فيموت الجميع وهو ضمنهم , دفن في غزة قبره في حي الشجاعية في غزه .
هل ذكر في القرآن؟
وعن حقيقة ذكر شمشون في القرآن الكريم فقد اختلفت الروايات في ذلك لكن الحقيقة ان شمشون لم يرد اسمه ولا حتى ذكره في اي سورة من سور القرآن الكريم , لكنه ذكر بالكتاب المقدس .
وبذلك تنتهي حياة شمشون الجبار دون اي فائدة تذكر من تلك القوة التي منحها الله له, ليترك في التأريخ اثر وذكر فقط لانه قوي ومدمر ليس لأنه اعاد حق او فعل خير او حارب للدفاع عن قضية مهمة بل فقط فعل طائش وخراب وقتل دون ادنى فائدة للبشرية.
المصادر:
– قاموس الكتاب المقدس/ دائرة المعارف الكتابية المسيحية .
– سفر القضاة / تأليف عبد الله عبد الفادي .
– شمشون الجبار/ تأليف كامل كيلاني .
– موقع منشور / وليد فكري .
– موقع كتب الألكتروني .
















