
كلام صريح
هذا هو عنوان الكتاب الذي أصدره الكاتب الصحفي سعد محسن، عنوانٌ شعبي لا يخلو من الطرافة إِذا صحَّ التعبير، ويجذب القارئ منذُ أول وهلة؛ وأخصُّ أولئك القرّاء الذين واكبوا تلك المرحلة التي شاعت فيها ظاهرة الأشقياء في المناطق الشعبية من بغداد وحتى في المدن العراقية الأخرى، بل كان الشقي أكثر شهرة بين أواسط الناس حتى من الساسة الكبار؛ وأحسبُ إنَّ الإقدام على تدوين هكذا كتاب أكثر صعوبة وجهداً وتعقيداً من إنجاز رواية أو دراسة نقدية وحتى ديوان شعر؛ ذلك أنَّ تناول هكذا ظواهر اجتماعية شائكة؛ يحتاج إلى جهدٍ استثنائي ومثابرة متواترة وتقصٍّ عن الحقائق من مصادر موثوقة، تلك المصادر التي نجدها في الغالب شحيحة وغير متوفرة حتى في أمهات المكتبات العراقية، ولذا يسجَّل للصحفي المجتهد سعد محسن هذا الإنجاز المائز والذي تفتقر له رفوف المكتبات، والذي يعتبر مرجعاً اجتماعياً ضرورياً حول هذه الفئة من الناس التي ذاع صيتها في سنوات الخمسينيات، وأعني أشقياء بغداد ومواقفهم البطولية والطريفة وحتى الدنيئة منها؛ وبنظرةٍ فاحصةٍ إلى هذا الكتاب من خلال مطالعة سطوره المؤلفة من 276 صفحة؛ تستوقفنا لغة الكاتب التي تتصف بالسلاسة والتشويق؛ كما لو أنهُ أراد من خلالها أنْ تكون مشابهة في بساطتها لطبيعة شخصيات الأشقياء الذين ألقى الضوء عليهم بحرص ودقّة، ولم يترك شاردة أو وارده عنهم مالم يذكرها، وكما هو واضح من العناوين الفرعية التي حفل بها الكتاب؛ إنَّ زميلنا الصحفي سعد محسن واجه صعوبة بالغة في الحصول على تلك المعلومات والقصص التي تحيط بأولئك الأشقياء، مع تأكيده على صدق الوقائع التي حصل عليها، سواء كانت من ألسنة شخصيات عاصروا أولئك الأشقياء، أو من مصادر كتب وإنْ كانت شحيحة جداً، ويبدو أنَّ تأليف هذا الكتاب استنزف كل وقته وجهده، وكان أمام تحدٍّ صعب وشاق بغية الانتهاء منهُ، وهذا ما تحقَّقَ له أخيراً، لقد ركَّزتُ على الجهد المبذول في هذا الكتاب، لأنَّ هكذا مؤلفات اجتماعية وحساسة حدثتْ بعهد قديم؛ لا يمكن لها أنْ ترى النور بيسر، إنّما لابد لمؤلفها أنْ يتسلَّح بالصبر وطول البال والبحث والتقصي حتى ينجزها. والكتاب بمجملهِ رحلة ممتعة في حياة شخوص أشقياء نادرين؛ وتجوال آمن في البيوتات البغدادية القديمة، طقوسهم وعاداتهم وأسرارهم وبساطتهم وشرورهم وطيبتهم وأوجاعهم وأحزانهم وأفراحهم ومقالبهم التي تدعك تضحك ملء شدقيك، طرائف غريبة وعجيبة ومواقف إنسانية بتنا نفتقدها في هذا الزمان ونتحسر عليها، إنَّ فضيلة هذا الكتاب تدعك تستنشق رائحة بغداد الطيبة مع كل ورقة تقرأها؛ ويثير مشاعرك وشجونك حدّ الحنين الجارف لذلك الماضي المثير برغم بؤسه وحرمانه. يكتب زميلنا سعد محسن في إحدى صفحات الكتاب عن الشقي ابن عبدكة بأسلوب محُبب يقترب من لغة الناس البسطاء: ”عندما علم الشقي ابن عبدكة بنبأ الثورة المسلحة ضد الاحتلال البريطاني في أنحاء العراق وتأجج نيرانها بين العشائر؛ تقدَّمَ من تلقاء نفسه للاشتراك في تلك الثورة؛ وبطريقته الخاصة؛ حيث ذهب إلى ديالى واقتحم حامية بريطانية وأمطرها وابلاً من الرصاص”. هذه العفوية بنقل المعلومات عن أولئك الأشقياء وما أحاطت بهم من قصص وحكايا، والتي تجدها في معظم صفحات الكتاب؛ تجذب القارئ على متابعة فصول هذه السيرة المثيرة عن ثلة من الأشقياء النبلاء الذين نذروا أرواحهم دفاعاً عن الوطن ومقارعة الاحتلال والتضحية بدمائهم من أجل الحفاظ على شرف امرأة مغلوبة على أمرها. مثلما حرص الكاتب على تعزيز سرده الشفيف بصور قديمة أضفتْ نكهة بغدادية خالصة على الكتاب، وحين فرغتُ من مطالعة الورقة الأخيرة من كتاب شقاوات بغداد، راودتني أمنية قد تحسبونها غريبة بعض الشيء، لقد تمنيتُ عودة هؤلاء الشجعان ” شقاوات بغداد” إلى هذا الزمن؛ حتى ينقذوا الشعب المحروم من هؤلاء الساسة اللصوص الذين ملأوا البلاد.


















