شقاوات بغداد – حسن النواب

كلام صريح

هذا‭ ‬هو‭ ‬عنوان‭ ‬الكتاب‭ ‬الذي‭ ‬أصدره‭ ‬الكاتب‭ ‬الصحفي‭ ‬سعد‭ ‬محسن،‭ ‬عنوانٌ‭ ‬شعبي‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬الطرافة‭ ‬إِذا‭ ‬صحَّ‭ ‬التعبير،‭ ‬ويجذب‭ ‬القارئ‭ ‬منذُ‭ ‬أول‭ ‬وهلة؛‭ ‬وأخصُّ‭ ‬أولئك‭ ‬القرّاء‭ ‬الذين‭ ‬واكبوا‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬التي‭ ‬شاعت‭ ‬فيها‭ ‬ظاهرة‭ ‬الأشقياء‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الشعبية‭ ‬من‭ ‬بغداد‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬العراقية‭ ‬الأخرى،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬الشقي‭ ‬أكثر‭ ‬شهرة‭ ‬بين‭ ‬أواسط‭ ‬الناس‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬الساسة‭ ‬الكبار؛‭ ‬وأحسبُ‭ ‬إنَّ‭ ‬الإقدام‭ ‬على‭ ‬تدوين‭ ‬هكذا‭ ‬كتاب‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة‭ ‬وجهداً‭ ‬وتعقيداً‭ ‬من‭ ‬إنجاز‭ ‬رواية‭ ‬أو‭ ‬دراسة‭ ‬نقدية‭ ‬وحتى‭ ‬ديوان‭ ‬شعر؛‭ ‬ذلك‭ ‬أنَّ‭ ‬تناول‭ ‬هكذا‭ ‬ظواهر‭ ‬اجتماعية‭ ‬شائكة؛‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬جهدٍ‭ ‬استثنائي‭ ‬ومثابرة‭ ‬متواترة‭ ‬وتقصٍّ‭ ‬عن‭ ‬الحقائق‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬موثوقة،‭ ‬تلك‭ ‬المصادر‭ ‬التي‭ ‬نجدها‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬شحيحة‭ ‬وغير‭ ‬متوفرة‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬أمهات‭ ‬المكتبات‭ ‬العراقية،‭ ‬ولذا‭ ‬يسجَّل‭ ‬للصحفي‭ ‬المجتهد‭ ‬سعد‭ ‬محسن‭ ‬هذا‭ ‬الإنجاز‭ ‬المائز‭ ‬والذي‭ ‬تفتقر‭ ‬له‭ ‬رفوف‭ ‬المكتبات،‭ ‬والذي‭ ‬يعتبر‭ ‬مرجعاً‭ ‬اجتماعياً‭ ‬ضرورياً‭ ‬حول‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬التي‭ ‬ذاع‭ ‬صيتها‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬الخمسينيات،‭ ‬وأعني‭ ‬أشقياء‭ ‬بغداد‭ ‬ومواقفهم‭ ‬البطولية‭ ‬والطريفة‭ ‬وحتى‭ ‬الدنيئة‭ ‬منها؛‭ ‬وبنظرةٍ‭ ‬فاحصةٍ‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مطالعة‭ ‬سطوره‭ ‬المؤلفة‭ ‬من‭ ‬276‭ ‬صفحة؛‭ ‬تستوقفنا‭ ‬لغة‭ ‬الكاتب‭ ‬التي‭ ‬تتصف‭ ‬بالسلاسة‭ ‬والتشويق؛‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنهُ‭ ‬أراد‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬أنْ‭ ‬تكون‭ ‬مشابهة‭ ‬في‭ ‬بساطتها‭ ‬لطبيعة‭ ‬شخصيات‭ ‬الأشقياء‭ ‬الذين‭ ‬ألقى‭ ‬الضوء‭ ‬عليهم‭ ‬بحرص‭ ‬ودقّة،‭ ‬ولم‭ ‬يترك‭ ‬شاردة‭ ‬أو‭ ‬وارده‭ ‬عنهم‭ ‬مالم‭ ‬يذكرها،‭ ‬وكما‭ ‬هو‭ ‬واضح‭ ‬من‭ ‬العناوين‭ ‬الفرعية‭ ‬التي‭ ‬حفل‭ ‬بها‭ ‬الكتاب؛‭ ‬إنَّ‭ ‬زميلنا‭ ‬الصحفي‭ ‬سعد‭ ‬محسن‭ ‬واجه‭ ‬صعوبة‭ ‬بالغة‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬المعلومات‭ ‬والقصص‭ ‬التي‭ ‬تحيط‭ ‬بأولئك‭ ‬الأشقياء،‭ ‬مع‭ ‬تأكيده‭ ‬على‭ ‬صدق‭ ‬الوقائع‭ ‬التي‭ ‬حصل‭ ‬عليها،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬ألسنة‭ ‬شخصيات‭ ‬عاصروا‭ ‬أولئك‭ ‬الأشقياء،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬كتب‭ ‬وإنْ‭ ‬كانت‭ ‬شحيحة‭ ‬جداً،‭ ‬ويبدو‭ ‬أنَّ‭ ‬تأليف‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬استنزف‭ ‬كل‭ ‬وقته‭ ‬وجهده،‭ ‬وكان‭ ‬أمام‭ ‬تحدٍّ‭  ‬صعب‭ ‬وشاق‭ ‬بغية‭ ‬الانتهاء‭ ‬منهُ،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬تحقَّقَ‭ ‬له‭ ‬أخيراً،‭ ‬لقد‭ ‬ركَّزتُ‭ ‬على‭ ‬الجهد‭ ‬المبذول‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب،‭ ‬لأنَّ‭ ‬هكذا‭ ‬مؤلفات‭ ‬اجتماعية‭ ‬وحساسة‭ ‬حدثتْ‭ ‬بعهد‭ ‬قديم؛‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لها‭ ‬أنْ‭ ‬ترى‭ ‬النور‭ ‬بيسر،‭ ‬إنّما‭ ‬لابد‭ ‬لمؤلفها‭ ‬أنْ‭ ‬يتسلَّح‭ ‬بالصبر‭ ‬وطول‭ ‬البال‭ ‬والبحث‭ ‬والتقصي‭ ‬حتى‭ ‬ينجزها‭. ‬والكتاب‭ ‬بمجملهِ‭ ‬رحلة‭ ‬ممتعة‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬شخوص‭ ‬أشقياء‭ ‬نادرين؛‭ ‬وتجوال‭ ‬آمن‭ ‬في‭ ‬البيوتات‭ ‬البغدادية‭ ‬القديمة،‭ ‬طقوسهم‭ ‬وعاداتهم‭ ‬وأسرارهم‭ ‬وبساطتهم‭ ‬وشرورهم‭ ‬وطيبتهم‭ ‬وأوجاعهم‭ ‬وأحزانهم‭ ‬وأفراحهم‭ ‬ومقالبهم‭ ‬التي‭ ‬تدعك‭ ‬تضحك‭ ‬ملء‭ ‬شدقيك،‭ ‬طرائف‭ ‬غريبة‭ ‬وعجيبة‭ ‬ومواقف‭ ‬إنسانية‭ ‬بتنا‭ ‬نفتقدها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الزمان‭ ‬ونتحسر‭ ‬عليها،‭ ‬إنَّ‭ ‬فضيلة‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬تدعك‭ ‬تستنشق‭ ‬رائحة‭ ‬بغداد‭ ‬الطيبة‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬ورقة‭ ‬تقرأها؛‭ ‬ويثير‭ ‬مشاعرك‭ ‬وشجونك‭ ‬حدّ‭ ‬الحنين‭ ‬الجارف‭ ‬لذلك‭ ‬الماضي‭ ‬المثير‭ ‬برغم‭ ‬بؤسه‭ ‬وحرمانه‭. ‬يكتب‭ ‬زميلنا‭ ‬سعد‭ ‬محسن‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬صفحات‭ ‬الكتاب‭ ‬عن‭ ‬الشقي‭ ‬ابن‭ ‬عبدكة‭ ‬بأسلوب‭ ‬محُبب‭ ‬يقترب‭ ‬من‭ ‬لغة‭ ‬الناس‭ ‬البسطاء‭:‬‭ ‬‭”‬عندما‭ ‬علم‭ ‬الشقي‭ ‬ابن‭ ‬عبدكة‭ ‬بنبأ‭ ‬الثورة‭ ‬المسلحة‭ ‬ضد‭ ‬الاحتلال‭ ‬البريطاني‭ ‬في‭ ‬أنحاء‭ ‬العراق‭ ‬وتأجج‭ ‬نيرانها‭ ‬بين‭ ‬العشائر؛‭ ‬تقدَّمَ‭ ‬من‭ ‬تلقاء‭ ‬نفسه‭ ‬للاشتراك‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الثورة؛‭ ‬وبطريقته‭ ‬الخاصة؛‭ ‬حيث‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬ديالى‭ ‬واقتحم‭ ‬حامية‭ ‬بريطانية‭ ‬وأمطرها‭ ‬وابلاً‭ ‬من‭ ‬الرصاص‭”‬‭. ‬هذه‭ ‬العفوية‭ ‬بنقل‭ ‬المعلومات‭ ‬عن‭ ‬أولئك‭ ‬الأشقياء‭ ‬وما‭ ‬أحاطت‭ ‬بهم‭ ‬من‭ ‬قصص‭ ‬وحكايا،‭ ‬والتي‭ ‬تجدها‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬صفحات‭ ‬الكتاب؛‭ ‬تجذب‭ ‬القارئ‭ ‬على‭ ‬متابعة‭ ‬فصول‭ ‬هذه‭ ‬السيرة‭ ‬المثيرة‭ ‬عن‭ ‬ثلة‭ ‬من‭ ‬الأشقياء‭ ‬النبلاء‭ ‬الذين‭ ‬نذروا‭ ‬أرواحهم‭ ‬دفاعاً‭ ‬عن‭ ‬الوطن‭ ‬ومقارعة‭ ‬الاحتلال‭ ‬والتضحية‭ ‬بدمائهم‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬شرف‭ ‬امرأة‭ ‬مغلوبة‭ ‬على‭ ‬أمرها‭. ‬مثلما‭ ‬حرص‭ ‬الكاتب‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬سرده‭ ‬الشفيف‭ ‬بصور‭ ‬قديمة‭ ‬أضفتْ‭ ‬نكهة‭ ‬بغدادية‭ ‬خالصة‭ ‬على‭ ‬الكتاب،‭ ‬وحين‭ ‬فرغتُ‭ ‬من‭ ‬مطالعة‭ ‬الورقة‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬شقاوات‭ ‬بغداد،‭ ‬راودتني‭ ‬أمنية‭ ‬قد‭ ‬تحسبونها‭ ‬غريبة‭ ‬بعض‭ ‬الشيء،‭ ‬لقد‭ ‬تمنيتُ‭ ‬عودة‭ ‬هؤلاء‭ ‬الشجعان‭ ‬‭”‬‭ ‬شقاوات‭ ‬بغداد‭”‬‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الزمن؛‭ ‬حتى‭ ‬ينقذوا‭ ‬الشعب‭ ‬المحروم‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬الساسة‭ ‬اللصوص‭ ‬الذين‭ ‬ملأوا‭ ‬البلاد‭.‬