شقاوات النجف ـ أمير الحلو

شقاوات النجف ـ أمير الحلو
لابد في البداية من التفرقة بين ما يسمى بـ السرسري والشقاوة، فالأول هو شخص فاقد للأخلاق والعادات المتعارفة في المجتمع ويعتدي ويسرق ويرتكب الفاحشة بمختلف اشكالها دون رادع من ضمير أو التزامات حتى مع الجيران والمعارف، وهو أقل شجاعة من الشقاوة ويتهاوى ويتخاذل عندما يضبط بالجرم المشهود،أما الشقي فهو يمتلك شجاعة كبيرة يوظفها لمصالحه الشخصية وقد يكون من بينها حب السيادة والظهور والسيطرة في منطقته، وغالباً ما يريد الانفراد بهذه الصفة وتشهد المناطق قتالاً بين الشقاوات أنفسهم لأنها لا تتحمل أكثر من شقي متميز واحد ولا مانع من أن يعمل الآخرون تحت إمرته، وهذه حالة لا تنفرد بها النجف فقد عشتها في الستينيات في منطقة الكرخ ببغداد حيث كان هناك شقاوات معروفون بشجاعتهم وكنا نوظفهم لأغراض سياسية عند حصول صدامات مع الآخر .
كما أن الكاتب الكبير نجيب محفوظ قد سلط الاضواء على هذه الشريحة في أكثر من رواية ولكن من أبرزها شخصيات الحرافيش والفتوة التي كانت تخوض معارك دامية بينها.
ان الفترة التي وعيت فيها بوجود السرسرية والشقاوات في النجف في أواخر الاربعينيات وذلك عن طريق سماع القصص من الأهل والمعارف حول معارك هؤلاء السلبية والايجابية وكانت تتردد اسماؤهم بخوف من بعضهم واحترام للآخر، فالمواطن يحاول اجتناب السرسرية ويحتقرهم ويتناول تصرفاتهم باستهجان، وتحذر العوائل ابناءها من الاحتكاك بهم لأن صفتهم الرئيسية هي سقوط كل القيم لديهم فلا حرمة لجار أو ابن منطقة، كما أن مجالات انحطاطهم تصل الى حد التحرش الجنسي وخاصة بالأولاد، مما يجلب العار على الشخص المعتدى عليه وعائلته،كما إنهم يسرقون ويعتدون ويقتلون أقرب الناس اليهم لتحقيق مآربهم.
الشقاوة صفة قد تبدو أحياناً حتى في اطلاقها محببه فيقال عن الطفل المتحرك أو المعتد بنفسه وكرامته شقي أو وكيح ولا يقصد بذلك الطعن به، ومن صفات الشقي الشجاعة والجرأة مصحوبة بحمل السلاح، وفي الفترة التي عرفت فيها بعض الشقاوات في النجف وهي مرحلة الخمسينيات كان السلاح الطاغي والذي يحمله هؤلاء هو الخناجر والسكاكين و القامات ونادراً مايكون المسدس لأنه غالي الثمن ونادر الوجود كما أن هناك عادة اجتماعية تقول أن من يسحب المسدس في وجه الآخرين لابد له من استعماله وإلا يتهم بالجبن وعدم القدرة على حمل هذا السلاح الذي له أصوله و رجاله ، لذلك فأن من يحملون المسدسات من الشقاوات كان قليلاً جداً، بينما تتوفر الاسلحة الآخرى وأكثرها القامات والسيوف لأنها منتشرة في المدينة لأستعمالها في المواكب الحسينية المشق أو التطبير. والشقاوة لا يستعمل شجاعته على جيرانه أو أبناء منطقته إلا عند الضرورة القصوى، بل بالعكس فأنه يدخل بمعارك خطيرة دفاعاً عن اولئك خصوصاً اذا كان العدو من منطقة جغرافية اخرى، كما أن الشقاوة لا يرتكب السرقة غالباً لأنه يصبح حرامياً وهي صفة مذمومة، بينما ضرب الآخرين وحتى قتلهم من صفات الشجاعة و المرجلة خصوصاً إذا كانت مبررة. ولأن مجتمع النجف عشائري فإنني أحاول تجنب ذكر اسماء السرسرية، ومنهم شخص من منطقة العمارة كان محترفاً بالتحرش الجنسي بالغلمان، وأعتبر متوسطتنا الخورنق في أعوام 1954 ومابعدها مادة خصبة لتحرشاته وكان من أهدافه أحد زملائنا الذي أسبغ الله عليه نعمة الجمال، وكان خجولاً ولايستطيع الدفاع عن نفسه إزاء ذلك السرسري ، الذي كان يقف بعد إنتهاء دوام المدرسة خصوصاً بعد الظهر في الطرق التي يعود فيها زميلنا الى داره في محلة الحويش لذلك فقد كنا نصطحبه الى باب داره ونرى السرسري ينظر الينا من بعيد ويحاول استفزازنا للدخول في معركة، وقد نجحنا في تجنيب زميلنا أي اعتداء حقيقي حتى تخرج وأصبح طبيباً معروفاً، والجميل في الأمر وكانت تلك المرحلة قد شهدت صراعات دعائية وكلامية وتنظيمية بين التيار القومي الذي كنا ننتمي اليه، والتيار السياسي الذي كان زميلنا الجميل محسوباً وعائلته المعروفة عليه ولكن ذلك لم يمنعنا من أن نؤدي واجبنا الاجتماعي والاخلاقي. الوحيد الذي كنت أتجنبه وأخشى غدره أحد السرسرية المدعو خليل شيحان وهو من محلة الحويش، ولكن الذي حماني منه أنه يسكن في منطقة أغلبها خوالي آل الحبوبي ويعرف أنه لن يكون وعائلته بمأمن فيما لو أصابني بمكروه، وكنت أشعر أنه يحقد علي ويتحين الفرص للاعتداء علي، ولكني وبعد أن احترفت السياسة وأصبحت معروفاً وزودني تنظيمي حركة القوميين العرب بمسدس ستار أحمله ورشاشة سترلينغ في البيت بت أشعر أنني اتحدى سلطة بأكملها، فمن هو خليل شيحان أو غيره من السرسرية؟
الشجاعة والالتزام
الاخلاقي والاجتماع
بالنسبة للشقاوة فكما ذكرت أنها ليست صفة للذم دائماً لذلك فإنني عندما أذكر بعض الاسماء فذلك لا يعني الطعن بها بل إبراز معالم الشجاعة والالتزام الاخلاقي والاجتماعي لدى يعضها.. فمنذ طفولتنا ونحن ننظر الى حديد بإعجاب لأنه أقسى من يضرب نفسه بالسيف عند التطبير يوم العاشر من عاشوراء في ذكرى استشهاد الامام الحسين عليه السلام وكان يرفض مشاركة موكب معين، بل ينفرد في التطبير في ساعات الصباح الاولى وكان الناس يتجمعون لمشاهدة مذبحته لنفسه، وتتطلع النساء اليه بإعجاب شديد وهو يعرف ذلك فيزيد من حدة الضرب وعدد الضربات، حتى نخال أن رأسه سينشطر الى نصفين ونحن نسمع صوت ضربات السيف على الرأس ونرى نافورات الدم وهي تتطاير من رأسه، وبعد أن ينتهي من دون تدخل أحد يكتفي بغسل المنطقة المضروبة بالماء ثم وضع مسحوق الجرة على الجروح ولف المنطقة، وبعد فترة نرى رأسه الحاسر وكأنه منطقة جبلية وعرة فيها الارتفاعات والسهول. وكان حديد متهماً بالسطو على ماتحمله الجمال من مواد غذائية وغيرها وهي ترقد في منطقة تسمى المناخة وهي مركز تجاري مهم كان يمون المدن والقرى السعودية الصحراوية المحاذية للحدود العراقية المفتوحة آنذاك بالسكر والشاي والدهن والنعل بنوعيها الاسفنج والجلد والعباءات واليشاميغ وغيرها، وكانت هناك مقولة توجه له حديد بالمناخة يبوك بعران ، ولكن الناس تتجنب الاحتكاك به لشجاعته وجرأته والخشية من انتقامه، ولكني ام أسمع أنه أعتدى يوماً على أي نجفي خصوصاً وأن عائلته تصاهر أسراً نجفية معروفة. أما الشخص الآخر الذي أتذكره فهو السيد محسن جريو ويمتاز بطوله وأناقته وطريقة وضعه للعقال على رأسه، وكان مؤدباً جداً ولكنه مخيف بسمعته على القتال،وذلك ماجعل البلدية توظفه كحارس لمحلة البراق، وكان أهالي المحلة ينامون مطمئنين من السرقة وهم يعرفون أنه يحرسهم، ولاأدري كيف يستطيع بمفرده وهو متسلح بمسدس وقامة وخنجر أن يدخل ليلاً وفي الظلام كل أزقة المحلة الموحشة والمتشابكة بحثاً عن اللصوص الذين كانوا يخشونه، ولا أعرف من أين جاءته حاسة إدراك وجود لص ما في زقاق ما إذ يلاحقه حتى يقبض عليه حتماً… وبعد أن ينهي واجباته الليلة يذهب الى عمله الرئيسي في كراج النجف ــ بغداد حيث يقوم بتنظيم حركة السيارات بعدالة ويوزع الركاب عليها ولا يطمأن حتى يرى السيارة وقد غابت عن نظره، كما أن الركاب كانوا يطمأنون في رحلتهم ما دام السيد قد أركبهم وودعهم. لذلك كان صفة الشقاوة بمعناها البطولي والايجابي كشجاعة هي التي تنطبق عليه وبما يعني قدرة أي شخص مواجهته أو التحرش به وبمعارفه. وكان من أكثر الشقاوات معرفة بي المدعو ناجي أبو ركيبة وقد اكتسب هذه الصفة لأن رقبته كانت معوجة ولادياً وقد يكون لذلك أثر نفسي لديه للتعويض عن حالته هذه باتخاذ صفة الشقاوة، وكان ابن محلتنا في البراق ويسكن مع عائلته في دار تجاور سور النجف القديم من تلك الناحية. وكان يحمل الخنجر باستمرار ويضعه تحت دشداشته بشكل بارز كأداة للتخويف المسبق، ويدخل بمعارك مستمرة مع شقاوات محلته والمحلات الأخرى وخصوصاً الحويش وقام مرة بقتل اثنين منهم بالخنجر ودخل السجن بسبب ذلك، وعند خروجه استمر بمسيرته ذاتها وقد شاهدت مرة ونحن نلعب كرة القدم في الشارع الترابي العريض الممتد من بيت سنبه الى بيت عبدالله الصراف أنه اشتبك مع أحد شقاوات المحلة المدعو نجم عبدالله الذي كان يحمل هراوة أخذ يضرب ناجي بها حتى اسقطه على الأرض، ولم تنفع محاولات ناجي باستلال الخنجر من وسطه، إذ تدخل الناس لفك الاشتباك وتفريقهما، وكنا ننتظر أن يُقتل احدهما ولكن يظهر أن صلحاً قد حدث بعد ذلك، فقد كان نجم يعمل في دار محمد ابن محسن شلاش الشخصية الثرية ووزير مالية حكومات الملك فيصل الاول… وقد تحول أعجابنا الى نجم بعد هذه الحادثة. ولكني أود أن أسجل لناجي ابو ركيبة أنه محسوب على التيار اليساري ثم التيار الوطني الديمقراطي وكان يخوض نقاشات حادة دفاعاً عن معتقداته، ولكنه وفي فترة الصراع الدامي اللاموضوعي بين التيارين لم يعتدِ على أحد منا بل كان يستهزئ بآرائنا ويشتم عبد الناصر والقومية ولكن دون التعرض لنا. غادرت النجف بعد انهائي الدراسة الثانوية عقب ثورة 14 تموز 1958 الى بغداد وأنا سالم من جميع النواحي من السرسرية والشقاوات وقد يكون الاتجاه للعمل السياسي هو الذي حماني الى جانب الاعتبارات العائلية والاجتماعية، فلم يكن أحد يجرؤ بالتحرش بسياسي لأنه يعرف أن التنظيم الذي ينتمي اليه يحميه وسينتقم ممن يؤذيه، كما أن تحدينا للسلطة بجبروتها وتقديمنا للشهداء وقيامنا بالمظاهرات والنوم بالمقبرة مع الموتى ليلاً خشية اعتقالنا، أحاطنا بهالة من الشجاعة والحماية، أبعدت السرسرية والشقاوات عن التحرش بنا. هذه نبذة مختصرة ومحصورة في فترة زمنية، ولاشك أن أبناء مدينتي ممن هم أكبر مني سناً أو أصغر يتذكرون أفضل مني. حمانا الله وأياكم من شقاوات هذا الزمان.
AZP02