

شقاوات الكرخ.. سيرة رجال صنعتهم أزقة بغداد – جواد الرميثي
لطالما ارتبطت ذاكرة بغداد الشعبية بمصطلح “الشقاوة”، وهو تعبير بغدادي قديم كان يُطلق على الرجل الشجاع الذي يحمل السلاح ويلف اليشماغ على رأسه ، ويتصدر الدفاع عن أهل محلته وزقاقه . ولم يكن الشقي في الوعي الشعبي مجرد رجل قوي أو صاحب نفوذ ، بل كان في كثير من الأحيان رمزاً للشهامة والنجدة ، يقف إلى جانب الفقراء ويحمي أبناء منطقته ويغيث الملهوف .
وقد انتشر الأشقياء في معظم أحياء بغداد القديمة ، بحيث كان لكل محلة أو زقاق “شقيها” الذي يمثلها ويكون الناطق باسمها والمدافع عن مصالح سكانها. ورغم السمعة الصاخبة التي ارتبطت بهم ، فإن الشقاوات كانوا في الغالب ملتزمين بالأعراف والتقاليد الاجتماعية التي تحكم المجتمع البغدادي ، فمبادئ الشهامة ، وإغاثة المظلوم ، والدفاع عن العرض ، وحماية المال ، واحترام الناس ، كانت من القيم التي يتقيد بها الشقي كما يتقيد بها سائر أبناء المجتمع .في جانب الكرخ من بغداد ، برزت أسماء عدة من الشقاوات خلال فترة الأربعينيات وحتى منتصف الخمسينيات من القرن الماضي ، وهي مرحلة شهدت حضوراً واضحاً لهذه الظاهرة في الحياة الاجتماعية . ويذكر أبناء تلك المرحلة أن من أبرز أشقياء الكرخ آنذاك عبد الأمير العجمي ، الذي كان يوصف بأنه شديد البأس وواسع النفوذ ، حتى قيل إنه كان طاغياً على معظم الأشقياء في تلك الفترة .
وكان لكل محلة في الكرخ رجالها المعروفون بالشجاعة والنفوذ ، ومنهم من ارتبط اسمه بمنطقته حتى أصبح جزءاً من ذاكرتها الشعبية .
ففي الفلاحات عُرف كل من حمودي الأقجم وخالد دونكي وطالب ابن ماهية ، بينما برز في الفحامة اسم جاسم الحمدان ونعيّم الكسوب .
أما منطقة ساحة الشهداء فقد عُرف فيها سعيد عكار وسفيان العاصي .
وفي علاوي الحلة كان اسم جواد الأجلك حاضراً بين أشقيائها ، فيما عُرف في سوق الجديد كل من طارق محمد كاظم وثامر محمد كاظم وحسام القشطيني وضاري أبو السوس . وفي منطقة خضر الياس برزت أسماء ناجي سبع وعبيدة رزوقي ووليد محمود الجوهر .أما محلة التكارتة فكان من أبرز أشقيائها علي ماما ، بينما شهدت منطقة الشيخ علي نفوذ محسن السهيل ومعاونيه مشكور وسلام واوية وكريم شواكة . وفي الشيخ بشار برز اسم مهدي الأسود المعروف بلقب “ابن العبدة”.
اسماء معروفة
وفي الرحمانية ذُكر اسما وهاب جاسم أبو الجش لي وستار جاسم أبو الجش لي ، بينما كان في الجعيفر كل من خالد مولود وحسين أبو دية . أما الصالحية فقد عرفت أحمد أبو النفط وسلمان الأسود ، وفي الشواكة اشتهر وليد طاوة ، في حين كان سهيل عبود من الأسماء المعروفة في منطقة الدوريين ( الازرملي ) .لقد كانت ظاهرة الشقاوة جزءاً من الحياة الاجتماعية في بغداد القديمة ، حيث امتزجت فيها القوة بالشهامة ، والنفوذ الشعبي بروح النخوة البغدادية .
ومع مرور الزمن وتغير الظروف الاجتماعية والقانونية ، انحسرت هذه الظاهرة ، لكنها بقيت حاضرة في الذاكرة الشعبية والحكايات البغدادية التي يتناقلها الناس عن رجالٍ صنعتهم أزقة المدينة وأسواقها .
واليوم ، عندما يستعيد البغداديون سيرة الشقاوات ، فإنهم لا ينظرون إليها بوصفها مجرد قصص عن القوة والسطوة ، بل يرون فيها جانباً من تاريخ بغداد الاجتماعي الذي يعكس طبيعة الحياة في أحيائها القديمة ، حيث كانت المحلة عائلة كبيرة ، وكان الشقي أحد أبنائها الذين يقفون لحمايتها والدفاع عنها .



















