
تسود ظاهرة الشعوذة وسحر العرافين في الحياة عندما يعجز العلم عن تلبية رغبات وتطلعات الناس، إضافة إلى سلاح فتَّاك آخر يسهم في الترويج لهذه الظاهرة الغريبة؛ ألا وهو الجهل الذي يهيمن في عقول بعض البشر. جالتْ هذه الخواطر في رأسي خلال متابعتي إلى فضائية عراقية تقدّمُ يومياً ذلك العطَّار الشعبي الذي يدّعي أنَّ بوسعه شفاء الناس من جميع الأمراض التي عجز الطب من ايجاد علاج لها، وكان هذا العطاّر بملابسه المدنية وطريقة حديثه التي لاتخلو من المداهنة والفهلوة؛ يجيب على أسئلة المتصلين بسرعة؛ ويشخِّصُ أمراضهم قبل الإفصاح عنها؛ بعد تحويل اسم المتصل مع اسم امه الى أرقام فلكية؛ ولم يكتف هذا العطّار المشعوذ بتقديم الوصفات السحرية للمتصلين؛ إنما تطرَّقَ إلى ما سيحدث من عواصف وزلازل وحروب وأزمات سياسية في أصقاع العالم؛ بناءً على اتصال مع (معلِّمه)؛ مثلما أسدى خدمة عظيمة للمشاهدين حين أهداهم وصفات اجتماعية يمكن من خلالها سيطرة المرأة على زوجها وذلك بجمع أظفاره مع أظفار الهدهد وحرقها عند الغروب؛ ومزج تلك التميمة مع الماء وحالما يشربها زوجها من دون علمه طبعاً؛ سترى بعلها وقد أصبح خاتماً في إصبعها، وبثقة مفرطة أعلن عن وصفة ثانية يمكن للأم السيطرة على ولدها من خلال جنجلوتية طويلة وعريضة شرحها على الهواء مباشرة؛ لقد دهشت حقا من قدرته العجيبة على إقناع الناس الذين كانوا يتصلون به لشكره لأنَّ (متمماته) أشفتهم من السُقم؛ وكدتُ أصدق قدرته الخارقة شخصياً؛ لولا فطنتي أنَّ المتصلين كان هذا المشعوذ على اتفاق معهم ليكيلوا له هذا الإطراء السخي. والطريف أنَّ لاعب كرة قدم في فريق شعبي اتصل به حتى ينتقل إلى أحد أندية نجوم البلاد، فوعده بقصاصة يذيبها في الماء ويشربها وسيصبح أشهر مهاجم في العالم. هذه الظاهرة الغريبة التي تروّج لها هذه الفضائية، ذكرتني بكتاب كولن ولسن الإنسان وقواه الخفية، وبكتب قرأتها منذ أمد بعيد عن علم الباراسيكولوجي، واذكر منها أنَّ طفلاً بلغارياً كان يستدلُّ على مرض الإنسان الواقف أمامه بوضع سبابته على موضع الداء مباشرة؛ الأمر الذي حيَّر العلماء، ليكتشفوا أخيراً أنَّ هذا الطفل يحمل في جسده شحنات كهربائية عظيمة جدا؛ لكنها لا تسبب الأذى لأي كائن يلمس جسده، واذكر في طفولتي أني حضرت لعرض سحري قدمه الساحر الشهير مالك؛ ورأيت بأم عيني كيف تمكَّن من رفع فتاة بالهواء لثلاثة أمتار تقريباً بعد تنويمها مغناطيسياً؛ ثمَّ أدخل حلقة دائرية وحركها من رأسها إلى قدميها ليبرهن لنا انها محلقة بالهواء بدون اي مسند، كما أنَّهُ وضع عصابة سوداء على وجه رجل وأخضعه ُ إلى التنويم المغناطيسي ثم نزل نحو الجمهور وأخذ بطاقة أحدهم وطلب من الرجل المعصوب العينين والجالس على كرسي فوق المسرح من ذكر رقم البطاقة واسم حاملها، ونجح الرجل من ذكرهما بشكل صحيح؛ وكرر العملية على معظم الجمهور وسط دهشتهم ، لكن الذي لا أنساهُ ما فعلهُ العرَّاف الهندي الذي كان يجاور بيت عمتي في الكاظمية؛ إذْ جاءت سيدة تطلب معونته بالكشف عن زوجها المعتقل إبَّان النظام البائد والتي لا تعرف أيَّة معلومة عنه؛ وتمكَّن بعد خلوة مع نفسه من الاتصال بالمعتقل من مكانه تلباثيا، ثم أخبر السيدة أنَّهُ بوضع جيد وأنَّ الحارس الذي يقف على زنزانته يتعاطف معه كثيراً، وسيطلق سراحه خلال أيام، وكانت المفاجأة أن الحكومة أعلنت بعد يومين عن عفو عام عن السجناء؛ فعادت تلك السيدة حاملة حلية من الذهب بثمن باهظ وقدمتها هدية للعراف الهندي. لكن الذي حدث معي كان موقفاً مضحكاً حقاً؛ حيث كنت في كل إجازة من جبهة الحرب؛ أمضي الأيام السبعة بمعاقرة ابنة الكروم وبإفراط وحشي؛ لتسلية مواجعي وحياتي المهددة بالزوال في أيّة لحظة على السواتر المتقدمة من الحرب، الأمر الذي جعل والدتي رحمها الله أنْ تلجأ إلى أحد السحرة؛ فكتب وصفة سحرية توقف رغبتي باحتساء المنكر؛ لتضعها بكأسي من دون علمي؛ لكن الذي حدث أنَّ رغبتي بتناول ابنة الكروم ازدادت أضعافاً، فعادت للساحر وأخبرتهُ أنَّ الأمر ساء أكثر، فعلَّل الساحر لها أن روحي أقوى من السحر، وقد اعترفت والدتي بهذه الحكاية حين يئست من أمري، ولا أدري إذا كان للسحر أي تأثير على الساسة في الوطن، فلنبحث جميعاً عن تعويذة سحرية نضعها أمام المنطقة الخضراء، عسى أنْ يتركوا صراعهم المستميت على الكراسي، وينتبهوا لمرة واحدة إلى معاناة الناس؛ لكني على يقين أنَّ جيبوهم ملأى بالتعاويذ التي تجنبهم أي مكروه، إضافةً إلى الخواتم الثمينة والنادرة التي تزيِّن أصابعهم والحسود في عينيه خازوق.
حسن النواب



















