شعرية اليومي في نص “ورطةُ الحياةِ هنا،وليست في مكانٍ آخر”

بولص آدم

“ورطةُ الحياةِ هنا، وليست في مكانٍ آخر” — بهذا التصريح الكاشف، يختزل الشاعر مروان ياسين الدليمي مأساة الإنسان المعاصر، لا في رحيله ولا في انتمائه، بل في عجزه عن مغادرة زمنه، زمنٍ خطّي يمضي إلى الأمام لكنه لا يبرح مكانه. تتجلى هذه المفارقة الزمنية، كجذر شعري وأنطولوجي، في مفاصل نصوصه، حيث تنقلب الحياة اليومية إلى فخّ وجودي، ويصبح الزمن ساحةً معلّقة بين الخديعة والتكرار. المقالة تقرأ هذا النص الشعري بوصفه أرضًا خصبةً لتحليل مفهومي الزمن الخطّي والدائري، من منظور فلسفي وشعري، مع إحالة إلى تمثلات الحياة اليومية في المدينة الحديثة.

“النص الشعري تم نشره في صحيفة الزمان اللندنية بتاريخ 25 أيار (مايو) 2025 ”

الزمن الخطي والزمن الدائري :

1. الزمن كمعطف مثقوب: جدلية الخطيّة والدائرية
في إحدى أبرز استعارات النص، يقول الشاعر:
“بَيْنَ عُرُوتَيْنِ مُعَطَّلَتَيْنِ فِي مِعْطَفِ الوَقْتِ، تَحْصلُ الحَيَاةُ”

هذه الصورة تضعنا أمام تصور مزدوج للزمن. فـ”معطف الوقت” يشير إلى الزمن بوصفه كساءً نرتديه، شيئًا نمرّ عبره لا نملكه. لكن ما يلفت الانتباه هنا هو “العروتان المعطلتان”، كأن الزمن لا يغلق، لا يحفظ حرارة الجسد، بل يتسرب منه المعنى. نحن لا نعيش في زمنٍ يمتدّ إلى الأمام (خطّي)، بل في قشرة زمنية مثقوبة، تدور علينا من جديد في صورة عادات واستهلاك وانكسارات صغيرة.
وبذلك، فإن النص يتحرك بين نموذجين معروفين في الفلسفة:
الزمن الخطّي (Linear Time) الذي يحيل إلى سردية التقدّم، حيث الحياة “تمضي”، كما في تصور الفلسفة الحديثة.
والزمن الدائري (Circular Time) كما يظهر في تصورات نيتشه، أو في الأنثروبولوجيا الطقسية، حيث كل شيء يعاد في طقوس العادة واللاجدوى.

“فِي المُنْعَطَفِ الرَّابِعِ لِلْعَادَةِ، تَسْقُطُ الحَيَاةُ مِنْ جَيْبِ اللَّامُبَالَاةِ”
هنا تتجسد الدائرية الزمنية في صورتها القاتلة: العادة. فالحياة لا تنهار في حدث مفاجئ، بل تتسرب بهدوء من “جيب” لا ننتبه إليه. هكذا يغدو الزمن لا تقدمًا، بل تكرارًا محبطًا، بلا بداية أو نهاية.
2. المدينة كزمن: اليوميّ كقدر وجودي
يحتل “هنا” موقعًا مرجعيًا مهيمنًا في النص، ليس كمكان جغرافي، بل كزمن معلق بين الفعل والتعليق، بين النشرة المؤجلة وإشعارات التطبيقات:
“الحَيَاةُ،
تَخْرُجُ مِنْ سَطْرٍ جَانِبِيٍّ فِي اتِّفَاقِيَّةِ الخُصُوصِيَّةِ”
تتمظهر المدينة المعاصرة هنا كمسرح زمني جديد، حيث تُدار الحياة من خلف شاشات، وتُخفى في “فاتورة”، “إشعار”، “ابتسامة إيموجي”. إنها حياة تتدفق خارج المجال المرئي، تنزلق في الهامش، في حين يُدار الزمن كتطبيق.
إننا نعيش في “زمن التطبيق”، حيث اليوميّ لا يحمل تجربة، بل تنبيها، لا حدثًا، بل تحديثًا. وهو ما يتقاطع مع أطروحات بول فيريليو حول “زمن السرعة” و”لحظة الاتصال اللحظي” بوصفها زمنًا محكومًا بالأداء لا بالتأمل. يقول الشاعر:
“نُعَدِّلُ مِزَاجَنَا عَلَى إِيقَاعِ البَطَّارِيَّةِ”

في هذا السطر، يتحول الإيقاع الزمني من قلب الإنسان إلى آلة الشحن. لا تعود الحياة مؤطره بفصولها، بل بقدرة البطارية على الاحتمال. وهكذا تُحوَّل الذات إلى آلة زمنية لا تعرف سوى التآكل المستمر.

3. اليومي كطقس عبثي: “نَقْضِمُ أَعْمَارَنَا”
في زمن مروان ياسين الدليمي، لا يحمل الروتين معنى الاستقرار، بل يتحول إلى طقس يومي من التفكك التدريجي:
“نُعِيدُ تَرْتِيبَ ضُلُوعِنَا كَيْ نُلَائِمَ الكُرْسِيَّ ذَاتَهُ”
إنها صورة جراحية لعلاقة الجسد بالزمن المؤسسي، حيث لا يُعاد ترتيب الأثاث، بل الضلوع، لتتناسب مع وضعية السكون. وهذا ما يحيل إلى تصور ميشيل فوكو للزمن كأداة انضباط بيولوجي داخل فضاءات العمل والسجن والمدرسة.
وبينما تُغيّر المرآة “شكل القميص”، يبقى الباب المفتوح يؤدي إلى “نفس الغرفة”. هنا تبلغ الدائرية حدها الأقصى: الحركة لا تنطوي على خروج، بل على وهم الخروج. يذكرنا ذلك بما يسميه بودريار “موت الواقع”، حين لا تقود الحركة إلى معنى، بل إلى مرايا ساخرة تُملي علينا ابتساماتنا.

4. الإنسان الرقمي: “نُغَيِّرُ خَلْفِيَّاتِ هَوَاتِفِنَا”
“نُغَيِّرُ خَلْفِيَّاتِ هَوَاتِفِنَا
كَأَنَّنَا نُغَيِّرُ العَالَم”

يقدم النص صورة نقدية للإنسان المعاصر الذي يعيش حياته من خلف شاشة، ظنًا منه أن التغيير في “الواجهة” يطال عمق الزمن. وهنا يعيدنا الدليمي إلى الورطة الجوهرية:
“وَرْطَتُنَا لَيْسَتْ فِي العَالَمِ،

بَلْ فِي هَذِهِ النُّسْخَةِ مِنَّا الَّتِي نُجْبِرُهَا عَلَى أَنْ تَبْتَسِمَ لِلمِرْآةِ”
الزمن إذن ليس فقط ما يحدث خارجنا، بل ما نرتديه من “نسخ” مبتسمة تحت ضغط الميديا. إن الحياة هنا لا تقام في الفعل، بل في المحاكاة؛ في نسخة من الذات تجبر على الرضا، فيما الأصل ينهار.

5. خاتمة: الحياة كقميص نسيته الحرب
ينسج مروان ياسين الدليمي في هذا النص خريطة زمنية معاصرة، تتداخل فيها الخطية مع الدائرية، ويتحول “هنا” إلى سجن مفتوح على لاشيء. ما يبدو كـ “تقدّم” ليس سوى تكرار، وما يبدو كـ “حياة” ليس سوى نسخة متحركة من العطالة والانتظار.

“نَحْنُ نَعِيشُ فِي خِزَانَةٍ مُغْلَقَةٍ
مُكَدَّسِينَ كَقُمْصَانٍ نَسِيَتْهَا الحَرْبُ”
هكذا تتجلى الحياة، لا كمشروع أو اختيار، بل كورطة وجودية داخل زمن مأزوم، يتجدد دون أن يتغير، ويتحرك دون أن يتحرر.

إحالات نظرية:

بول ريكور: الزمن السردي بين “الكونية” الزمنية و”التجربة المعاشة”.
ميشيل فوكو: الزمن كأداة سلطة في “المراقبة والمعاقبة”.
بول فيريليو: زمن السرعة والميديا واللاحدث.
نيتشه: العود الأبدي والزمن الدائري كعقوبة أبدية.
جان بودريار: الواقع كنسخة مزيفة في زمن المحاكاة.