شعرية الغموض –  عيسى الصباغ

564

قصيدة رحلة الطير أنموذجاً

 شعرية الغموض –  عيسى الصباغ

هناك فارق كبير بين قولنا قصيدة مبهمة وأخرى غامضة ، فالغموض سمة شعرية حديثة أو تكاد ، والإبهام غير ذلك ، فمن معاني الغموض في لسان العرب : خفيَ ودقّ ولطُف أيْ أصبح دقيقا ولطيفا لرقّته وسيولته وشفافيته ، والإبهام أن يَشتبه فلا يُعرف وجهه ، وأمر مبهم لا مأتى له ، ومنه اشتُقّتْ البهيمة . فالفرق ، إذن ، واضح بين الدلالتين المعجميّتين ، وحينما نُقلتا الى حقل الدراسات النقدية لم يطرأ عليهما كثيرا من التغيير . سوى ما ألقت عليهما تلك الدراسات من ظلال معانٍ مرتبطة بها. فالإبهام غير الغموض وهو سلوك مفتعل يلجأ اليه بعض من الشعراء ضعيفي المواهب ظنّا منهم أن ذلك يُضفي الشعرية على قصائدهم . وظّف الشعر الحديث ، في وجهه الإبداعي ، مستويات شتّى من الثقافة والمعارف الإنسانية ، وأدخلها في صلب العملية الإبداعية ، كالمستوى الفكري والمستوى الأسطوري ، والصوفي والفلسفي والتاريخي ….. الخ . بمعنى آخر أن الشاعر الحديث يحاول أن يفيد من مجمل التيارات المعرفية القديمة منها والحديثة بما يعزّز رؤيته الشعرية . ومن المفيد القول إن هذه المستويات قد خلقت بدائل فنية وتقنية للفكرة الرئيسة أو الموضوع الرئيس للقصيدة ، إلا أنها ، من جانب آخر ، أضفت طابع الغموض على شعره ، فهو إذن ، أي  الغموض ، ينبع من  تقنيات التوظيف لتلك المستويات المشار اليها في الأعلى ، وهو جزء من شعرية النص . ومن مهماته استدعاء ثقافة القارئ عبر التأمّل والتفكّر للمشاركة في تشكيل الدلالة ، وتبئير الرؤية الشعرية . ومن الغموض أيضا استعمال اللغة استعمالا غير تقليديّ ، فمن المعروف أن  اللغة نظام عرفي يضرب طوقا حول المتكلم ، فلا يستطيع أحد الخروج عليه ، فحينما يريد توصيل أفكاره أو مشاعره أو متطلّباته يستخدم ذلك النظام ، وفي حالة عدم معرفته بآلياته أو أساء استعماله ، ينقطع التواصل بينه وبين مستخدمي ذلك النظام ، فلا يستطيع توصيل ما يريد ، ولا يفهم الآخر رطانته . غير أن الشاعر المبدع ، والمبدع تحديدا ، يخرق ذلك النظام ، ومع ذلك يبدو كلامه مفهوما للقارئ ( ليس أيّ قارئ ) ذلك أن الخرق يكون في مواضع معينة ، يتلمّسها حسّه الشعري ، وليس في مجمل النظام ، لنأخذْ مثلا على الغموض بنمطيه الموصوفين الثقافي – المعرفي واللغوي :

وأنا عجلان في سرب من الطير أطيرْ

دونما قلب يغنّي

أو جناح قادر أن يستدير

أخذتنا الريح نحو الغرب

حتى لم نعدْ ندري أهذا شوطنا الأول في السبق

أم الشوط الأخير .

المشهد من قصيدة ( رحلة الطير) للشاعر سامي مهدي وهي من مجموعته (مدوّنات هابيل) 2006 .

مرجعية القصيدة

القارئ الذي لم يطّلع على مرجعية  القصيدة وقيمتها الاستعارية  سوف يتساءل مع نفسه (وربما مع الآخرين)  لماذا استعار الطير لنفسه ؟ وما معنى أن يكون هناك سرب من الطير ؟ وما القصد من طيرانهم جميعا ؟ ولكن سرعان ما تتكشّف لديه الأجوبة إذا ما كان مطّلعا على التراث الصوفي – الإسلامي ، إذ لا بدّ أنه مرّ على منظومة (منطق الطير) لفريد الدين العطّار، وعرف رحلة الطير ومقاصدهم فيها . هذا نوع من الغموض الثقافي أو المعرفي اتصف  به الشعر الحديث ، فالقارئ الاعتيادي غير الملم بثقافة عصره ومعارف التاريخ (ليس إلمام العلماء) سوف يبقى لاهثا خلف القصيدة دون أن يدرك  مراميها ، وربما وضع لها رؤى نقدية مغايرة لمقاصد الشاعر ولا تقترب منها أصلا  ، فكما يبدو أن الشاعر استعار منظومة العطار ووظّفها في شعره مغيّرا دلالاتها ومراميها بما يناسب فكرته الشعرية وتجاربه في الحياة . والحقيقة أن هذا التوظيف للموروث الصوفي يعد نوعا من التناص الذي يضفي قيمة شعرية على النص . ومن الغموض الثقافي أن يلجأ الشاعر الى توظيف الرموز والاستعارات التاريخية ، ذلك بأن ينقلها من بيئتها التاريخية الى بيئة شعرية متلاعبا بقيمها الدلالية ما يتطلب متابعة رحلة الرمز التاريخي بين البيئتين ، فعندما يقول الشاعر :

” وأنا أنظر في هذا المصير

 وأرى الإنسانَ في الجبِّ صريعًا يستجيرْ

وأرى القيصرَ ما زالَ، كما كان،

إلهًا يَمْلكُ الإبرامَ والنَّقْضَ وتصريفَ الأمورْ

قلتُ: لا بدّ إذنْ من رحلةٍ أخرى،

ومن شوطٍ أخيرْ. “

لابد هنا من استحضار قصة يوسف (ع) ، وما لحقه من غدر وعذابات الغياب في الجب أو في السجن ، وتعد كلمة ” الجب ” في سياقها هذا هي المحفّز الشعري الذي نقل عذابات يوسف الى إنساننا المعاصر . وعلى نحو ذلك يأتي المحفز الشعري الآخر في المشهد نفسه ” قيصر ” ،

فالقيصر لقب يطلق على من تفرد بالسلطة ، واتخذ القرارات  دون الرجوع الى الآخرين ، فهو دال من مدلولاته التفرّد والظلم والاستبداد والإيقاع بمخالفيه ، وقد لُقّب به كل  مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الرُّومَانِ وَالبِيزَنْطِيِّينَ وَالرُّوسِ ، يقول امرؤ القيس حينما كان متوجها الى قيصر الروم :

بَكَى صَاحِبِي لَمَّا رَأَى الدَّرْبَ دُونَهُ … … وَأَيْقَنَ أَنَّا لاَحِقَانِ بِقَيْصَرَا

فالاستعلاء في الأرض واستضعاف أهلها من خصائص القيصر ، وعلى هذا النحو وُظّف في القصيدة  إلها يملك الإبرام والنقض وتصريف الأمور .

وفي مشهد آخر يقول :

رحلةٌ أخرى؟

إلى أين؟

وكلُّ الأرضِ بستانٌ لقيصرْ

وعلى أطرافِهِ الجندُ يقيمونَ له ألفَ معسكرْ

ويغنُّون سكارى شِعرَ فرجيلَ

وروما تتبخترْ؟

ربما يتساءل القارئ : لماذا شعر فرجيل دون غيره من الشعراء ؟

من المؤكد هناك صلة تاريخية بين قيصر وفرجيل فكلاهما رومانيّ ، وكلاهما عاش في الحقبة نفسها ، فرجيل كتب الإنيادة وهي ملحمة شعرية عدّها الرومان إحدى القصائد الوطنية ، أراد شاعرها أن يصنع مجداً لدولة فتية لا مجد لها. فلجأ إلى الموروث الشعبي – الأسطوري  وكان يرمي من وراء ذلك الى تمجيد روما والإشادة بإمبراطورها ( القيصر) ، وقد كتبها على غرار الاوديسة لهوميروس حتى قيل إن هوميروس يتغنى بالأمجاد وفرجيل يصنعها ، وعليه كما كان شعر فرجيل يُسكر الرومانيين بصناعة أمجاد أسطورية لهم أصبح لقياصرة عصرنا شعراء وإعلاميون يتغنون بأمجادهم الموهومة .

رموز التاريخ

هكذا يوقظ الشاعر رموز التاريخ ليضفي عليها مسحة شعرية معاصرة محوّلا دلالاتها بما تعبّر عن مواقفه من أحداث عصره ، شريطة أن يكون هناك مشتركات أو قرائن – بالمعنى البلاغي – بين الرمز التاريخي ، والرمز الشعري

                                                   ***

أما الغموض الآخر وهو غموض اللغة ، فقد وردت في النص   :

” وأنا عجلان في سرب من الطير أطيرْ

دونما قلب يغنّي

أو جناح قادر أن يستدير “

الصورتان الآتيتان

1- دونما قلب يغنّي .

2- أو جناح  قادر أن يستدير .

الصورة الاولى (دونما قلب يغنّي) تستدعي التأمّل لسبر دلالتها ضمن السياق الذي وُضِعتْ فيه ، فقد جرت العادة أن يكون الغناء بالفم وليس بالقلب ، والشاعر هنا خرق العادة اللغوية لتأسيس معنى جديد ، ذلك أن القلب موضع العاطفة وآلة الحدس ( قلبي يحدّثني بأنّك متلفي) ، والغناء تعبير عن الهوى والحب ، إذن هناك  تناغم دلالي بين طرفَيْ العبارة : قلب يغنّي .  ومن الملاحظ أنها وُضِعتْ في سياق النفي : (… أطير دونما قلب يغنّي ) مما يعني أن نجري تعديلا طفيفا على دلالتها ، وذلك بإضافة (الحدس) ، فالطيران خالٍ من الاندفاع النفسي ، بلا حبّ ولا هوى ( مرغم )، وخالٍ من التوقّع وما ستكون عليه نهايته، ولكن كيف نوفّق بين خلوّ طيرانه من الاندفاع النفسي وبين عبارة (وأنا عجلان ) فالعبارة الأخيرة تنطوي على لهفة ،غير أن المسألة في غاية اليسر ، فتفسير ذلك يتمثّل في تبعية الفرد للجماعة ( في سرب من الطير أطير ) والتبعية نفسها سلبتْ قدرة الجناح على الاستدارة (أو جناح قادر أن يستدير) وقد تكون هناك أسباب أخرى تقع خارج النص . هذه الصورة أيضا يكتنفها غموض شعري وعماء استفهامي من القارئ ، لماذا يفقد جناحه القدرة على الاستدارة ، وطبيعة الأجنحة أن تتمتّع بمقدرة فسلجية على ذلك ؟ ما معنى الفقدان هنا ؟ . استخدم الشاعر اللغة بما يخرج على المألوف ، ويخرق التكوين الأحيائي في الطير ، وهذا  ما نسمّيه بغموض اللغة ، وهو تحميلها دلالات ومعاني لم تألفها صيغها الشكلية من قبل ، مما تغمض تراكيبها الشعرية هذه على القارئ الذي تعوّد مطابقة اللغة للواقع العيني .

مشاركة