شعرية الاغتراب وتمثلات الحزن؛ قراءة في ديوان “عبير الغمام”

شعرية الاغتراب وتمثلات الحزن؛ قراءة في ديوان “عبير الغمام”

للشاعرة مفيدة بلحودي

مفيدة بلحودي

 

                                           : أحمد الحاج جاسم العبيدي

 

“يا لها من أحزان عميقة لا يمكن تجنبها، تلك الأصوات المتوجعة التـي يغنـيها الشعراء”.

                                                                              لوركا

ربما كان مفروضاً على الشعراء حمل رسالة الإنسانـية في نقل معاناة الآخر ووصف آلامه والتعبـيـر عن تطلعاته وتـرجمة أحلامه في كل العصور وعلى اختلاف الأزمنة، وإن كان الأمر قد اقتصر على تـرجمة أحاسيس ومشاعر الناس وجدانـياً ومعالجة ثيمات نفسية واجتماعية في السابق، فقد اختلف الأمر تماما بعد طغيان تسونامي العولمة وما جاءت به من فرض ايديلوجيات وثقافات على الآخر، وما رافق هذه الموجة من انقلابات وحروب وتهجيـر وضياع بلدان وتهجيـر جماعات، وما خلفته من مجاعات وأمراض وجهل وتغييب قسري وموت فكري وجسدي، وقد صاحب ذلك محو حضارات واختـراق ثقافات بقوة عجلتها العسكرية والإعلامية والتكنلوجية. وهذا ما نجده قد انعكس على مكامن الشخصيات للمبدعين في كافة المجالات وراح ينسرب في كتاباتهم وابداعاتهم على اختلاف نتاجاتهم من شعر وسرد ونثـر وفن ومقالة، غيـر أن الذوات الشاعرة قد تأثـروا بالمسألة بشكل أكبـر، أو فلنقل ظهرت في شعرهم بكثافة بعد أن انسربت في قصائدهم عبـر تداعيات تـيار الوعي بسهولة ويسر.

والديوان الذي بـين أيدينا “عبـيـر الغمام” الصادر بطبعته الثانية عن دار نون ومطبعة نرجال في محافظة نينوى، جاء عن تجربة قاسية تعرضت لها الشاعرة يتضح ذلك من ثيمة قصائدها المأساوية تضاف إلى ثيمات المآسي التـي تعيشها في بـيئتها الحياتـية لتعكس قصائدها مرآة الواقع العربـي المتـردي في زمن العولمة.

الاغتـراب والتناص

عندما تقرأ ديوان بلحودي وتتمعن في صوره الشعرية ولغته السلسلة تجد فيه مفردات السياب وأحزانه الروحية وموقفه من البـيئة السيسيو بولوتـيكية التـي نقم منها وعليها، فقد شاء القدر بعد نصف قرن من الزمان أن تتناغم غربته الروحية مع شاعرة خلاقة قرأت كل ما كتب السياب من شعر وانسربت مفرداته في قصائدها وأشهر قصيدة تأثـرت بها هي قصيدة “أنشودة مطر” التـي يقول في مطلعها:

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ،

أو شُرفتان راحَ ينأى عنهما القمرْ.

عيناكِ حين تَبسمانِ تورقُ الكروم.

وتـرقص الأضواء… كالأقمار في نهَرْ

يـرجّه المجذاف وهناً ساعة السَّحَرْ

كأنما تنبض في غوريهما، النّجومْ…

وهنا نجد السياب يـرسم لنا صورة شعرية للحبـيبة قائمة على الاغتـراب المكانـي في إشارة للقمر المتلألئ في السماء وإن كان يبعث النور إلى أنه بعيد المنال.

وفي قصيدة بلحودي “عبـيـر الغمام” تقول:

وأنا امرأة

أمشي فوق ظلال الحلم

بلا أشرعة

أطلّ من شارع مرهق

أتعبه ملح الرّصيف

والمدن

أزرع الضّمائر والخواطر

كما النّخل

وأسكب عبـيـر الغمام

أهيّئ حرائقي من قمر

لمساء ينشر ستائره

من مطر

وأوّل الحبّ عندي

غيمة من السّحر

ونلاحظ هنا التناص للصورة الشعرية التـي يـرسمها كل منهما بطريقته الخاصة ولكنها في النهاية تؤدي نفس الغرض الإغتـرابـي، وهنا نجد الذات الشاعرة هي من تحلم وتسكب وتهيئ للصورة الغزلية التـي أشار اليها السياب والتـي تنتهي عندها بغيمة من سحر.

ولكن السياب الذي اعتد بالمطر واتخذ من موسيقى المفردة “مطر” تكراراً ينسج به سمفونـيته الموسيقية في اشارة لما يبعثه المطر من خصب وحياة، عندما قال:

في كل قطرةٍ من المطرْ

حمراءُ أو صفراء من أجنَّة الزَّهَرْ.

وكلّ دمعةٍ من الجياع والعراةْ

وكلّ قطرةٍ تـراق من دم العبـيدْ

فهي ابتسامٌ في انتظارِ مبسم جديدْ

أو حَلْمةٌ تورَّدتْ على فمِ الوليدْ

في عالم الغد الفتـي، واهب الحياةْ!

مطرْ…

مطرْ…

مطرْ…

سيُعشبُ العراق بالمطرْ…

ولكن بلحودي لم تشهد هذا الخصب منذ مطر السياب ولحد هذه اللحظة، وهنا عملية استدعاء اسطوري لشخصية السياب يبـين حجم الاغتـراب النفسي الذي تعيشه الشاعرة وتشعر به وتـرسمه بكلماتها.

اثنان وخمسون عاماً

والسيّاب

حلمه على الباب

يعدنـي بالمطر

يفتح جرح العراق على مصراعيه

يؤنّب رمل الخليج

اللغة والاسلوب

مفيدة بلحودي عندما تكتب الشعر فإنها تتلبس الكتابة وتخرج من عالمها المؤلم إلى عالم فسيح تحقق فيه ذاتها وتجد فيه نفسها كشاعرة مرهفة الأحاسيس والمشاعر تواجه ظروفاً قاسية جداً وقاهرة في نفس الوقت على فتاة في مثل سنها ووضعها الاجتماعي، ولكنها عهدت على نفسها أن تقاوم وتقف شامخة على قدميها وبقوة تقهر كل الآلام والأوجاع الجسدية والروحية، وكيف لا وهي حفيدة الشابـي والسياب.

لذا سعت إلى امتشاق قلمها والحفر به على الواح من صخر لتصنع لها عالماً يقف بوجه العوالم المزرية المحيطة بها من موت ومرض وجهل وضياع ونفي، وبكلمات شفافة ومفردات رفيفة تتحدى بها العالم المتوحش الذي فرض عليها هذه العزلة القسرية. بل لم تقف عند هذا الحد، فراحت تهاجم أوجاعها في عقر دارها وتتحدى آلامها بأظافر مدماة لتنسج عالمها الخاص وكينونتها، وتعبـر عن ذاتها وانسيانيتها بنسيج مفعم بالأحاسيس والمشاعر الإنسانـية الجياشة. فكانت كمن يداوي علتها بالداء نفسه، إنه داء الشعر المزمن وهو في نفس الوقت دواء الروح والعقل والجسد.

عبـيـر الغمام

بلحودي التـي لم تـرث الألم والمعاناة والتحدي من ابـي القاسم الشابـي والسياب فقط، وإنما ورثت عنهم أيضاً عشق الوطن والتغزل بـزيتون الخضراء ونخيل دجلة والفرات وأرز بـيـروت وبـرتقال يافا، والأهم من هذا، أنها ورثت عنهم تشكيل الصورة الشعرية وبلاغة الكلمة وصياغة الحرف ورصانة النص وشعرية العبارة. وطبقاً للمثل القائل بأن الابداع يأتـي من رحم المعاناة، فقد كانت معاناة بلحودي معاناة مركبة، أو فلنقل ثلاثية الأبعاد، تنتقل أوجاعها بـين مرض الجسد ووجع الروح إلى جرح الوطن النازف. لذلك نجد لسان حالها يقول على لسان أبو القاسم الشابـي والذي اتخذت من معلقته منهجاً لها في الثبات والصبـر بعد أن علقتها في عتبة التصديـر:

سَأعيشُ رَغْمَ الـــدَّاءِ والأَعـْداء

كالنِّسْــر فوقَ القِمَّــة ِ الشَّمَّـاء

والشابـي هو شاعر الثورة وهو الذي اعتلى صهوة الجبال الشم وواجه القدر بصدرٍ عارٍ فكان أن أصبح نبـراساً لكل ثائر وكل حالم بوطن حر ويتجلى ذلك في فكرته عن “إرادة الحياة” التـي يقول فيها:

إذا الشّعبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَياةَ    فلا بدّ أن يستجيب القدرْ
ولا بُدَّ لِلَّيـْلِ أنْ يَنْجَلِي    وَلا بُدَّ للقَيْدِ أَنْ يَنْكَسِر
وَمَنْ يتهيب صُعُودَ الجِبَالِ   يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بـينَ الحُفَر

وإن كانت أدواء الجسد لها علاج في قاموس الأطباء وهي غيـر ذات بال عند الشعراء، فما بالك بجروح الذات الإنسانـية وامتداداتها الروحية في معاناة الآخر وضياع الوطن وضبابـية المستقبل. ولكن الحل هو علاج الداء بالداء، فالشعر هو داء الشعراء وهو علاجهم في الوقت نفسه. فكان عبـيـر الغمام مثلما كان قبله “بهرة ضوء” التـي ربما كانت بصيص شمعة في نهاية النفق المظلم والتـي ما كادت تضيء طريقها حتى جاءتها أنباء الحرب الشعواء التـي خطط لها لمحو حضارة تدمر ونـينوى وكالحو فجاءت “زنوبـيا” لتضعه صرخة بوجه الحروب وتدميـر الحضارات ومحو الثقافات وتهجيـر المجتمعات.

العناوين ورحلة القصيدة

وفي ديوانها الذي بـين أيدينا، والذي اختارت له عنواناً تداولياً بمعنـى الكلمة “عبـيـر الغمام” في انـزياح دلالي للمصاحبة اللغوية بـين مفردتـين متناقضتـين، وهنا تكمن البلاغة الشعرية، فالأولى (عبـيـر) تشيـر إلى معنـى جمالي، والثانـية (الغمام) تحمل معنـى المأساة نتـيجة تكاثف السحب عندما تحجب نور الشمس وما يصاحبه من عواصف وبـرق ورعد، ولكن الحقيقة تفيد بأن الغمام المحمل بالمطر لن يدوم ولابد له من المغادرة، وعندها سيتغيـر وجه السماء وتشرق الشمس بنورها الساطع لتبعث الدفء والطمأنـينة في النفوس الحالمة. وهنا تغيـر مفهوم العنوان فهو عبارة إسمية تشيـر بمجملها إلى الحلم الذي يعيش في مكامن الذات الشاعرة في أن هذا الغمام هو نهاية المعاناة وبداية تحقيق الأمل. وإن كانت الشاعرة قد جهدت في عنوان الديوان، فربما هي لم تواجه صعوبة في اختـيار عناوين القصائد الأخرى في رحلة القصيدة الموجعة لروحها وجسدها، فنظرة لمجمل القصائد تحيلنا إلى دراية مقصودة في اختـيار العناوين مع وجود تهيئة نفسية للرحلة في وجود تواشج تواصلي بـين العنوان والقصيدة، وهذا ما يشي بإبداع الشاعرة وتمكنها من أدواتها البلاغية ولغتها الرصينة وكثافة اسلوبها.

لذا نجد أنها عندما تكتب قصيدة حوارية تضع لها عنواناً حوارياً من رحم المتن مثل قصيدة “على رصيف الذكريات” فيكون الحوار مبنـى على ذكريات عالقة في الذاكرة البعيدة يتم استدعائها بغرض المقارنة بـين الماضي والحاضر وهي تحاور صديق لها يسألها عن حالها وما فعلت بها الأيام، ونجد في قصيدة خطاب للآخر قد اتخذت عنواناً من صميم النص “لا تثقوا بـي”، وكذلك في قصيدة “كل شوق وأنت بخيـر”، و”تصبح على حب”. وعندما تكون القصيدة معبـرة عن إنثيالات نفسية للذات الشاعرة نجد عنوانات مثل: “خريف الأغانـي”، “أشواقنا من شتاء”، “رقصة على صفيح الوجع”، “مملكة الحزن”، “قلق”، وفي قصيدة “جرح كنعانـي” نجد الشاعرة قد وظفت عملية استدعاء اسطوري للجرح العربـي عبـر العصور والذي أدى إلى ضياع فلسطين وقبة الصخرة مثلما ضاع العراق وضاعت لبنان واليمن وليبـيا وتونس وبدأت كل الدول والمدن العربـية تندب حظها وتستقبل حزنها وحيدة بلا سيف ولا رمح ولا خالد ولا سعد ولا معتصماه.

لا وقت لي سوى أنّ جرحا كنعانـياً
يظهر فجأةً
يوصي بـيـروت بأن لا تجهش بالبكاء

يهدي إلينا بعض حكايات بابل المتعبة
ونهر الفرات يغسل وجه دمشق
يناقشان شعاراتنا الزّائفة
ويـرصدان حزنا قرطاجيا أطلّ
منذ سومر ونحن ينهكنا ركام العبارة
وهذه القدس مقطوعة الحلم
تـرقب لصوص الثّورات

وأشباه الكتّاب المأجورين

شعرية الحزن

قراءة عميقة لقصائد بلحودي تحيلنا إلى أن تداعيات تـيار الوعي عندما تنساب بعفوية تخبـرنا عن الحالة التـي تعيشها الذات الشاعرة وسبب الحالة النفسية التـي هي فيها، وبحسب علماء النفس في نظرية الحافز والاستجابة، فالواقع المزري شكل الحافز والذي إقتـرن بالاستجابة النصية من خلال مفردات الشاعرة، كما شكل ثيمتها المأساوية بإحالات وتـرميـزات دلالية نجدها في معظم قصائدها. فالبلاد يسكنها الليل، والأحلام مقرونة بالخراب، والقمر منفي، ورسائله حزن وتقدح ناراً:

ماذا يمكننـي أن أقول
سوى أنّ البلاد يسكنها اللّيل

والأحلام الغريبة
كلّما قابلت غيمة تصفّق
للخراب
قمر منفيّ عند حدود اللّغات
يفكّر دوما بحزن المساء
رسائله حزن ونار

وهنا تحديد للمحيط الايكلوجي الذي تعيش فيه الذات الشاعرة من بـيئة سياسية واجتماعية ونفسية وضعت فيها مرغمة، وهي البـيئة نفسها التـي وضعتها في خضم المعاناة والحزن والألم والأوجاع، لذلك فهي تتألم وتحلم وتكتب وتعانـي وتحزن كما عانـى قبلها وما زال يعانـي وتعانـي كل الطبقة المثقفة في بـيئتنا السيسو ثقافية.

والحال هذه قد وضعت الشاعرة في دوامة من اليأس فنجدها تصف حال الشعراء في هذا الفضاء المأساوي، تقول في قصيدة “لا تثقوا بـي”:

فأنا التـي أقتل اللّيل عمدا
أصلب الحدائق على ربـيعها
الرّاحل
أتعمّد الغياب والحضور
مزاجيّة القصائد
تسقط أقنعتـي
زيفا ونسيانا
على ستائر الصّباح
الورد قاحل يـرتجل
شهوة الماء
يمدح بحيـرة الملح
يصفّق للعابـرين
ولمطر أيلول الذّابل

وهنا نجد مفردات اليأس قد انسربت في القصيدة عبـر تـيار الوعي مثل: (القتل/ الصلب/ الغياب/ الزيف/ الجفاف/ ملوحة الماء/ الذبول/ الوئد/ البؤس/ الحزن)، لتعبـر عن الحالة النفسية التـي تعتـريها وتعتـري كل إنسان لديه أحاسيس ومشاعر جياشة يعيش ضمن حدود هذا الفضاء الايكلوجي. فكان أن شكلت قصائدها مرآة للواقع العربـي في زمن الفوضى والشتات.

التشكيل الشعري

على الرغم من الحالة اليأس والقنوط التـي تنتاب الشاعرة وهي تسطر ديوانها الأقرب إلى نفسها، فنـراها قد سعت إلى تشكيل قصائدها الشعرية بهيكلية نابضة بالإبداع، سلسة في التعبـيـر، عميقة في المضمون، لذلك نجد أنها لم تبخل على نفسها بقصائد حوارية بـين الذات الشاعرة وبـين الآخر الحاضر تارة المشار إليه بصيغة الجمع كما في قصيدة “لا تثقوا بـي”، ومع الآخر المفرد كما في قصيدة “على رصيف الذكريات”. فنجدها تشكل لوحة تشكيلية تـرسمها بكلماتها العذبة تصف ذاتها وذات الآخر تجاهها بعد مدة فراق حدثت بـينهما حددتها بالسنـين:

مازلت أذكر
كيف كُنْتِ فوضويّة الغيم
نخيل عَيْنـيكِ كما المطر
الكئيب
ماذا فَعَلَتْ بِكِ السّنون
وآثارها الباقيات عليكِ
أحاول التذكّر يا صديقتـي
وأوّل الصّباح فيكِ
حنـين لقافية آتـية

فتـرد عليه هي قائلة ولسان حالها وكيف أنها لم تعد تضع عناوين للحزن والخوف والغياب:

بخيـر أنا يا صديقي بخيـر
وهذا ما فعلته بـي الأيّام
ما عدت أجيد صياغة
عناوين للبكاء
ولا قصائد تمدح لي الصّباح
أفتح أبوابـي للأمنـيات
أو أغلق منفى للغياب

ويتكرر الوصف لحدث في الماضي البعيد في قصيدة “بوح الغياب” وفيه تصف سنوات العمر التـي شهدتها في الماضي والحاضر لينتهي هذا العمر في قصيدة “رفات الخطى” وكأنها شكلت ثلاثية العمر الزمنـي للذات الشاعرة مع الآخر الحاضر في كلماتها كدال نصي خيالي/ الغائب في حياتها كمدلول في العالم الحقيقي.

المصاحبة والانـزياح

تعتمد بلحودي في معظم نصوصها الشعرية على توظيف مجموعة من الانـزياحات الدلالية كما فعلت في العنوان الرئيس لديوانها، كما أنها وظفت مجموعة من أفعال الحركة المتكئة على أحداث معنوية لا تمت احداها للأخرى في ظلال الواقع، فهي أحياناً تفتح أبواب الأمنـيات، وأحياناً تغلق منفى للغياب. وفي قصيدة “عبـيـر الغمام” نجد أفعال الحركة قد أسندت لمتصاحبات لغوية منـزاحة دلالياً؛ فهي تارة تمشي “فوق ظلال الحلم”، وتطل من “شارع مرهق”، وتارة أخرى تـزرع “الضمائر”، وهنا نجد أنها قد صاغت عمليات تجسيد مادي لمفهوم معنوي في العبارة الأولى والثالثة، بـينما عكست التجربة في الثانـية تقول:

أمشي فوق ظلال الحلم
بلا أشرعة
أطلّ من شارع مرهق
أزرع الضّمائر والخواطر
كما النخل
وأسكب عبـيـر الغمام
تـرنـيمة من شبق
أهيّئ حرائقي من قمر
لمساء ينشر ستائره
من مطر

الحلم بغد مشرق

مثلما كتب على الشاعرة أن تعانـي وتحزن وتتألم، فمن حقها أن تحلم بما بعد الحزن ومرحلة انقشاع الغمام وذهاب مسببات الوجع والخوف، وفي قصيدة “عام للنسيان” تصف انثيالاتها كذات شاعرة في رحلة توديع عام واستقبال عام ميلادي جديد:

أيّها العام
وأنت تمرّ
بالسّرعة المذهلة
خذ ما تبقّى من حزن
وكلّ ما نملكه من جوع وموت

ارحلْ واتـركْ لنا شجر
الأغنـيات
وأنت تأتـي
أيّها العام الجديد
رفقا بأحلامنا

وهنا نجد أن الشاعرة سعت إلى تعويم الحدث الزمنـي بـين الماضي الأليم والحاضر الموجع والمستقبل الحالم. وتكرر نفس المشهد في قصيدة “أشواقنا من شتاء” والتـي تمثل الواقع المعاش في الزمن الحاضر والمحدد زمنـياً بفصل الشتاء في إشارة ضمنـية إلى أمنـية تـراود الشاعرة في أن يـرفق بها هذا الشتاء وأن يكون دافئاً كدفء الأمنـيات، وأن يكون ماطراً كما الأشواق، كما من المعروف أن فصل الشتاء كمحدد زمنـي، ربما قصيـر الأمد، وسيعقبه الربـيع بـزهوه وفرحه وأغنـياته وشموسه المشرقة وفراشاته وأوراده الملونة:

أيّها الشّتاء الجميل
رفقا بنا
وبأشواقنا الماطرة
وكل القصائد بطاقات دفء
على صدر النّهار

ويتكرر نفس المشهد عندما تؤكد حلمها بأن تطيـر فوق حدود الكلام وبوطن من عناق في قصيدتها المعنونة “فرح فوضوي”:

عسانـي أطيـر

فوق حدود الكلام

أُعِدُّ وطنا من عناق

وبعض قصائد أنْهَمِرُ فيها

ولكن كيف لها أن تحلم ونحن نحلم معها كذلك ونحن نعيش في زمن اليأس المطبق فلم يبق لدينا من لون وطعم ولا شارع نمر منه ولا رصيف نقف عليه بعد أن تهشم هذا الوطن وضاعت معه كل أحلامنا وآمالنا ومدننا:

وماذا تبقّى من لونك الحزين
وطعم الرّغيف ملح ونار
والشّارع المهمل ملقى
على عتبات الرّصيف
أينع الحزن فيه
والموت يلهو بنا كما يـريد
تهشّم الوطن على الجثث
المكدّسة
ومدن الملح أضاعت أفراحها

بعد أن أصبحنا غرباء كلنا في هذا الوطن الكبـيـر.

الحب والاقتـراف

يعد الحب أحد أهم الثيمات الرئيسة للشعراء وهو مجال اشتغالهم، لذا فقد تعددت أغراضه واستخداماته لديهم كل حسب القصدية التـي يكتب من أجلها، وأغلب الشعراء يتخذ من الحبـيب رمزاً للوطن أو للمدينة أو للأرض. والحب عند بلحودي هو حب عالمي، وحب متجذر في عمق التاريخ، وحب متجدد وإنسانـي في نفس الوقت، وتتخذ من عِلَيسة مؤسسة مملكة قرطاج رمزاً للوفاء والتضحية، لذا نجده اقتـرافاً أحياناً بحضرة الأرض والوطن، وبدلالة صوفية في أحايين أخرى تـرمز له بالآخر الغائب تارة، وبالمخاطب تارة أخرى:

منذ عِلّيسة (*)

ونحن نقتـرف الحبّ والشّهامة
ونحتـرف البكاء
وعارنا يكبـر عاراً بعد عار

في حدائقِ بابل والجليل
ملّنا الحزن والدّروب المظلمة
وملّنا صمتنا الباكي الحزين
وتصرخ الكنائس والمساجد
أيّها الوطن المتعب
خذ وسادتك
ونَمْ فوق صدر الفرات الصاّمد
واِنْتَظِرْ دجلة الثّائر
ينبلج منه الصّباح
وفي قصيدتها السيابـية “الملاك” تقول:

أنت القمر

وأنت الملاك

وأغنـية أردّدها وقت السّحر

إليك الرّحيل

وأمضي أنا كالمطر

ونـرسم نخلة من هتاف

نـردّد أوجاع القصيدة

ونصمت كالمُتَعَبّدِين

ونشقى كما الأنبـياء

ولكن هذا الحب أحياناً يضيع في زحمة الإنكسارات والمؤامرات والخيبات التـي منـي بها هذا الوطن الجريح فلا يبقى لدينا سوى الأمنـيات:

في وطننا العربـي

نكثـر من الصّلاة

على انكساراتنا بلا فائدة

نقتطع تذكرة للحزن

والخيبات تصيـر ثقلا كما الإعصار

تمنـيت كثيـرا أن أطيـر إليك

كما الصّباح

وأسمّيك ذاكرتـي

أعلّقها على مشجب الرّوح

في الختام وجب أن نفيد بأن الشاعرة مفيدة بلحودي قد أبدعت في ديوانها الذي بـين أيدينا من خلال التعبـيـر عن إنثيالاتها النفسية كشاعرة مرهفة الحس وبلغة رصينة وتعابـيـر بليغة، ونجدها قد وصفت الحزن بشعرية طاغية، كما جاءت معظم قصائدها إن لم تكن كلها مرآة للواقع العربـي في زمن الضياع، يضاف إلى ذلك أنها شكلت قصائدها بحرفية تشكيلية خبـرت ألوان القصيدة باسلوب وإن كان بسيطاً سلساً في القراءة، إلا أنه من الصعب بمكان هضمه من أول عملية تلقي. وحقاً ينطبق عليه عبارة السهل الممتنع.

 

(*)عِلّيسة أو أليسا أو أليسار، ابنة ماتان ملك صور وزوجة أشرباص كاهن الإله الفينـيقي والتـي هربت من أخيها الذي طمع في ملك أبـيها وقتل زوجها واتجهت إلى تونس بسفينة محملة بالكنوز مع أتباعها المخلصين، وهي التـي بنت مدينة قرطاج (قرط حدشت) أي المدينة الجديدة بحدود 800 ق م. ألقت نفسها في النار بثوب زفافها وفاء لزوجها بعد أن أرغمها على الزواج ملك البـربـر إيارباس.

مشاركة