شرق المتوسط مكان يتكرر في كل الاتجاهات.. الواقع والكلمات

 

دلال بشار

ثمة مجتمعات خلقت لتعيش فكانت لها الحياة وبسطت السعادة نفسها سجادة حمراء تحت أرجل شعوبها والبعض الاخر ولد وهو يلهث للحاق بها عله يتشبث بخيط متدل من فستانها رغبة منه للتعرف عليها! ما بين عالمين مختلفين خلق البشر، عالم يحيطه الأمن والراحة وعالم ثان نسميه عالما ولا علاقة للواقعه بالأسم.

شرق المتوسط رواية حاولت أن تخيط بكلماتها واقع أرض كُتب عليها الألم منذ البداية، فكانت لوحة يتمحور داخل إطارها ظلم وعذاب لشعوب لم تعرف السلام يوما. الرواية لم تتمحور حول زمان بعينه ولا مدينة بعينها، بل كانت تحاول وصل الماضي بالحاضر ومن ثم تتجه إلى المستقبل الذي يعيشه شرق المتوسط، فهل من سبيل إلى الراحة أم أن ما جاء في الرواية هو طريق واحد يستمر نحو اللانهاية؟

رجب السياسي المعارض المثقف حاول أن يروي لنا معاناة الذين يفكرون ويحلمون ويطمحون من أجل العثور على الحياة رغبة في عيشها إلا أن على الجميع أن يدرك أن من يعيش في شرق المتوسط لا حياة يمكن له تحقيقها ولا حلم، نحن نعيش في بقعة حرمت الأحلام واغتالت الحالمين. من أجل الكلمة التي كما وصفها أضعف السلاح وقع الوثيقة وخرج مسرعا ليُظهر شيئا لا نعرف عنه شيئا! خرج رغبة منه في تصوير المأساة التي كانت تحدث داخل غرف لا يعرف العالم الخارجي عن حقيقتها أو صدق وجودها. حاول أن يغزل لنا حكاية على شكل مذكرات عاشها وعاشت فيه فقام عبد الرحمن منيف بتحويلها إلى شرق المتوسط.

كل كلمة كتبها كانت بمثابة برميل من العذاب والتعب ما بين الحرق، الماء البارد وأسلاك الكهرباء، قضى حياته، خمس سنوات أدرك خلالها أن شرق المتوسط مكانا لا يناسب الذين يفكرون ويحاولون التعبير عن أفكارهم، خمس سنوات كانت كفيلة بحذف الأفكار والأهداف.. والقضاء على الأحلام خوفا من سيطرة المجتمع، فنحن نعيش الديمقراطية على أكمل وجه فما أن نقول كلمة اليوم حتى نراها ذبيحة أمامنا غدا!

عائلته التي كانت تعيش ولا تعيش، والدته التي سرقها الموت بسبب الحزن وإدمان التفكير ووالده الذي توفي قبل وقته.. حياته التي كان يعيشها بين بين، فلا يمكن وصفها بالحياة كما لا يمكن وصفها بالموت أيضا، ذلك أن الموت سبيل للراحة والخلاص من حياة تشبه هذه الحياة.

اوربا كانت الفكرة الوحيدة التي أراد تحقيقها بعد سنوات العذاب والفراغ، أراد الخروج إلى واقع كحلم في عقل عربي، دول تسمع، تفكر ومن ثم تنفذ، عالم يحترم اختلاف الفكر ويؤمن بالنقد محاولا تصحيح ما يمكن تصحيحه. مرضه الذي بدأ يأكله بشكل تدريجي والسؤال الذي وجهه الأطباء له عندما وقعت أنظارهم على هذا الجسد الهزيل: حدثنا عن ماضيك؟ أي ماض يحدثهم عنه وأية قصة شيقة يتوقون لسماعها! هل يحدثهم عن سنوات قضاها محروما من التفكير أم يحاول تطوير الموضوع أكثر ويحكي لهم سلسلة عذابات كانت تسطر أمامه كي يختار منها ما يحلو له!. عالم لا يعرف من الحياة سوى فرحها والسلام الذي يحيط بها، كيف لهم أن يتخيلوا الجزء المظلم منها؟!

إن ما جاء في رواية شرق المتوسط كان يصور واقعا نعيشه كل يوم، ما بين اضطرابات سياسية وفقدان للحرية، كانت الكلمات تصويرا دقيقا للطبقة المثقفة وللسياسيين الذين يحاولون التغيير من أجل الأفضل.. نحن دائما ندفع ثمن الكلمة التي نقولها والفكرة التي نحاول طرحها، رغبة منا في نقل الواقع إلى مستوى أفضل ولو كان بمقدار قليل.

في شرق المتوسط لا يوجد قلم حر كما لا يوجد فكر حر.. كل الأفكار لا بد و أن تتوافق مع ما يقتضيه القانون أو ما يسمى بالقانون، كي يتم طرحها بطريقة تضمن للإنسان سلامته، كل ما يُكتب هو شيء مقتبس من فكر جماعة او شخصية بارزة لأن القلم الحر محظور وينذر بموت صاحبه!

هل الهروب هو الطريق الأفضل للخلاص من عذاب هذه الأرض؟ غادر رجب إلى أرض بعيدة يرفرف طائر السلام فوقها ولكن هويته لا زالت تلاحقه كما يلاحق الظل صاحبه.

حتى وإن غادرنا وحاولنا الإبتعاد فلا فائدة من ذلك ما دام فكرنا يخيفهم ويحاول كشف الحقيقة المختبئة تحت نفاقهم! يحاولون اغتيال من هم نقطة ضعف هذا الإنسان فيجبروه على العودة ومن ثم السير بخطوات واثقة باتجاه الموت. الموت الذي يشكل حياة ثانية اكثر راحة وسعادة لرجب ولألف غيره!.

 

 

 

 

مشاركة